حقوق الأبناء على الآباء

بقلم الأستاذة: نيڤين غريانى الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية

قال ﷲ تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ “

إن إنجاب الأبناء وتربيتهم ليست واجبًا إلزاميًا يوميًا فحسب، بل هي عبادة ومسؤولية عظيمة وأمانة أمام ﷲ والمجتمع، تتوقف عليها بناء أمة صالحة. وتعتبر هي البنية الأساسية واللبنة الأولى لبناء مجتمع قوي متماسك ومتين، كما أنها نواة الأسرة، التي بدورها نواة المجتمع

قال ﷲ تعالى : ” الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ” (الكهف 46 )

ولكي يكون البنون زينة الحياة الدنيا، وذخر الآخرة، والعمل الصالح الذي نلقى ﷲ به، لابد أن نسير على درب وخطى الحبيب ﷺ ونتبع وصاياه وتوجيهاته بما أمره ﷲ، حتى نخرج جيلاً صالحاً يؤسس المجتمع السوي، ويحقق التوازن الصحيح بين الدنيا والدين، وننشئ جيلاً مستقيمًا لا تغره مغريات الدنيا، ولا تفتنه الشهوات

جيلاً يحمل في قلبه حب ﷲ وتعاليمه، ويتبع سنة رسوله ﷺ، ويؤدي ما عليه تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه جيلاً يتحلى بالقيم والمبادئ والرحمة والرأفة، ويتصف بالقوة واللين، وبالأخلاق الرفيعة، فيكون قدوة حسنة في كل مراحل نشأته، ونكون حقًا وصدقًا خير أمة أخرجت للناس

والتربية الصحيحة، ومنِ أهم حقوق أٍبنائنا، أن نبدأ بغرس قيم الإيمان ومحبة ﷲ ورسوله، والتحلي بأخلاقه، فهو كماوصفه رب العزة: ﴿وَإنَّكَ لعََلَىٰ خلُقُ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. كما أخبرنا ﷺ:  “إنما بعُثت لأتمم مكارم الأخلاق”

فكن أنت أيها الأب، وكوني أنتِ أيتها الأم، الشخص الذي تريدون أبناءكم أن يكونوا عليه؛ فالقدوة تبدأ من عندكم منذ لحظة الولادة، باختيار الاسم الحسن، والتعليم بالقدوة، وتعليمهم القرآن والسنة، وغرس العقيدة الصحيحة، والرحمة في التربية، واللين في الكلام، والموازنة بين الحب والانضباط، وسياسة الثواب والعقاب، ومعرفة الحدود في التعامل، وتعزيز التواصل بالاستماع والحوار، والعدل بين الأبناء — حتى في القبلة — والدعاء لهم دائمًا بالهداية والصلاح، وإعطاؤهم قدرًا من المسؤولية ليحاسبوا عليه؛ فهذا ينمي الثقة بالنفس والاستقلالية، وتشجيعهم ومدحهم، وتجنب النقد الجارح، وتحذيرهم من آفات المجتمع وبدعهفي التعامل مع أخطاء الأبناءالتحكم في الغضب

1.عدم اتخاذ رد فعل سريع قبل الاستماع جيدًا للمشكلة، وفهم سبب وقوع الابن أو الابنة في الخطأ؛ لأن معالجة المشكلةمن أساسها خير من الحل السريع بالعقاب. قال ﷺ: ” لا تغضب “

2 . التوجيه باللين والرحمة يجب أن يشعر الأبناء بحب الوالدين وعدم تعنيفهم دائمًا، حتى وإن تكرر الخطأ. المهمة الأساسية هي تعريفهم بالحدود، والصواب والخطأ، والحلال والحرام. ولنا في الحبيب ﷺ أسوة حسنة، حين استأذنه شاب في الزنا، فلم يعنفه،بل أقنعه بالحكمة والموعظة الحسنة واللين

3. عدم المبالغة في العقاب فالهدف من العقاب هو تقويم السلوك والإدراك والتعلم، وليس الانتقام والتشفي

4.التشجيع والإشادة كن مأوى ومَلاذًا لأبنائك حين يخطئون، وافتح ذراعيك لهم ليعودوا إليك، لا أن يهربوا منك

إن أبناءنا هم عملنا في هذه الدنيا، فِلنضع النية أن تكونِ هذه العبادة خالصٍة لوجه ﷲ. وقد قال ﷲ عن ابن نوح عليه السلام حين أعرض عن أمر ﷲ: ﴿إنَّهُ ليَْسَ مِنْ أهَْلِكَ ۖ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالحِ﴾ [هود: 46]

وأخبرنا الحبيب ﷺ:  “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” فالولد الصالح الذي تربى تربية صحيحة على شريعة ﷲ ونهج رسوله ﷺ، هو العمل الصالح في الدنيا والآخرة

اللهم أصلحنا وأصلح أبناءنا، ووفقنا لعبادتك على الوجه الذي يرضيك عنا، وجنبنا وأبناءنا شر الفتن وشهوات الدنيا ماظهر منها وما