خطبة الجمعة ( الدَّعوةُ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنة ) للدكتور : أيمن حمدى الحداد

خطبة الجمعة ( الدَّعوةُ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنة )
للدكتور : أيمن حمدى الحداد

نص الخطبة
الحمد لله الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدالله ورسوله أرسله ربه شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صلِّ عليه حق قدره ومقداره العظيم وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: إن الدعوة إلى الله عز وجل أسمى الأعمال وأشرفها لكونها وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(فصلت: ٣٣)، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» رواه مسلم.
ولقد أكد ديننا الحنيف على أن دعوة الناس إلى الخير يجب أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة؛ قال تعالى: ﴿دْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾(النحل: ١٢٥)،
قال الطبرى رحمه الله: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس ذكرهم بها؛ ليحذروا بأس الله تعالى.

وقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب كما قال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾(العنكبوت: ٤٦)، فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون؛ فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾(طه: ٤٤)،
♦أولاً: سيدنا رسول الله ﷺ خير قدوة؛ قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(الأحزاب: ٢١)، وهذه باقة عطرة من هدى سيدنا رسول الله ﷺ فى الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة؛
– سيدنا رسول الله ﷺ لم يكن معنتاً ولا متعنتاً؛
فعن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً مُيسراً» رواه مسلم.

– سيدنا رسول الله ﷺ يُعلمنا أن الحكمة تعنى معالجة الأخطاء برفق وأسلوب حسن؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابيٌّ فبال في المسجد فتناولَه النَّاسُ، فقال لهم النبيُّ ﷺ: «دَعُوه وَهَرِيقُوا على بوله سَجْلاً من ماء- أو: ذَنُوباً من ماء – فإنما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرين، ولم تُبْعَثوا مُعَسِّرين» رواه البخارى.

وعن معاوية بن الحكم السُّلمي رضي الله عنه قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُمّيَاه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلَمَّا رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلَّى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلّمًا قبله ولا بعده أحسنَ تعليمًا منه، فوالله، ما كَهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النَّاس، إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» رواه أبو داود.
– سيدنا رسول الله ﷺ يُعلمنا أن الحكمة تعنى الإهتمام بالمدعو؛ فعن أبي رِفاعةَ العَدَويِّ قال: انتهَيْتُ إلى النَّبي ﷺ وهو يخطُب، قال: فقلتُ: يا رسول الله، رجلٌ غريبٌ جاء يسألُ عن دينه، لا يدري ما دينُه، قال: فأقبلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسيٍّ حَسِبْتُ قوائمَه حديداً، قال: فقعدَ عليه رسولُ الله ﷺ وجعلَ يُعلِّمُني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبتَه فأتمَّ آخرَها» رواه مسلم.

– سيدنا رسول الله ﷺ يُعلمنا أن الحكمة تعنى التدرُّج في دعوة الناس إلى الهدى؛ فينبغى مراعاة حال المبتدئ بالاقتصار على تعليمه المُهِمّات مع الاختصار وحسن العرض؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولَ الله ﷺ دخل المسجدَ، فدخل رجلٌ فصلَّى، فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ فردَّ، وقال: «ارجِع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ»، فرجع يُصلِّي كما صلَّى، ثم جاء فسلَّمَ على النَّبيِّ ﷺ فقال: «ارجِعْ فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ» ثلاثاً، فقال: والذي بعثَكَ بالحق ما أُحْسِنُ غيرَه، فعَلِّمْني؟ فقال: «إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة فكبِّرْ، ثم اقرأ ما تيسَّر معكَ من القرآن، ثم اركع حتى تَطْمَئِنَّ راكعاً، ثم ارفَع حتى تَعْتدِلَ قائماً، ثم اسجُد حتى تَطْمَئِنَّ ساجداً، ثم ارفع حتى تَطْمَئِنَّ جالساً، وافعَلْ ذلك في صلاتِك كلِّها» رواه البخاري ومسلم.

قال النووي: فيه: الرِّفق بالمتعلِّم والجاهل، وملاطفتُه، وإيضاحُ المسألة، وتلخيصُ المقاصد، والاقتصارُ في حقِّه على المهمِّ، دون المكمِّلات التي لا يحتمل حالُه حفظَها والقيامَ بها.

– سيدنا رسول الله ﷺ يُعلمنا أن الحكمة فى التعليم تكون بالرفق بالمتعلم؛ فعن أبى أمامة الباهلي رضي الله عنه: «أنَّ غلامًا شابًّا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا نبيَّ اللهِ أتأذنُ لي في الزنا؟ فصاح الناسُ به، فقال النبيُّ ﷺ قَرِّبوهُ، ادْنُ فدنا حتى جلس بين يديْهِ، فقال النبيُّ ﷺ: أتحبُّه لأُمِّكَ فقال: لا، جعلني اللهُ فداك قال: كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لِأمَّهاتِهم , أتحبُّه لابنتِك؟ قال: لا، جعلني اللهُ فداك قال: كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لبناتِهم، أتحبُّه لأختِك؟ وزاد ابنُ عوفٍ حتى ذكر العمَّةَ والخالةَ، وهو يقولُ في كلِّ واحدٍ لا، جعلني اللهُ فداك، وهو ﷺ يقولُ كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه، وقالا جميعًا في حديثِهما – أعني ابنَ عوفٍ والراوي الآخرَ: فوضع رسولُ اللهِ ﷺ يدَه على صدرِه وقال: اللهمَّ طهِّرْ قلبَه واغفر ذنبَه وحصِّنْ فَرْجَه فلم يكن شيءٌ أبغضَ إليه منه» رواه الطبراني.

♦ ثانياً: مفاتيح القلوب؛ إن من أعظم أساليب الدعوة التى يفتح الله بها القلوب أن يجسد المسلمون قيم وتعاليم الإسلام إلى واقع وسلوك، ومن المواقف الدالة على ذلك؛

– «ابدَأْهم بما تريد، فإذا رأَوْك فعلتَ اتَّبعوك»؛ لله درك يا أم سلمة لقد فطنت أن الفعل أبلغ من القول وأشد أثراً؛ فعندما عقد سيدنا رسول الله ﷺ صلح الحديبية أمَرَ أصحابَه أنْ يحلقوا رؤوسهم وينحَرُوا الهديَ ليتحلَّلوا من عُمرَتهم، فاحتَمَل المسلمون من ذلك هَمّاً عَظِيماً، حتى إنهم لم يُبادِروا بالامتِثال، فدخَل ﷺ على أمِّ سلمة وقال لها: «هلَك الناس؛ أمرتُهم فلم يمتَثِلوا»، فقالت: يا رسول الله، اعذرهم، فقد حملت نفسَك أمراً عظيماً في الصُّلح، ورجَع المسلمون من غير فَتْحٍ لهم، فهم لذلك مَكرُوبون، ولكن اخرُج يا رسول الله وابدَأْهم بما تريد، فإذا رأَوْك فعلتَ اتَّبعوك.. فتقدَّم ﷺ إلى هَديِه فنحَرَه، ودعا بالحلاَّق فحلق رأسَه، فلمَّا رآه المسلمون تواثَبُوا على الهدْي فنحروا وحلقوا.

قال الزهري: فلمَّا لم يَقُمْ منهم أحدٌ، دخَل على أمِّ سلمة، فذكَر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبيَّ الله، أتحبُّ ذلك؟ اخرُج ثم لا تُكلِّم أحدًا منهم كلمةً، حتى تنحَرَ بُدنَك وتَدعُو حالقك فيحلقك، فخرَج رسول الله ﷺ فلم يُكلِّم أحدًا منهم كلمةً حتى فعَل ذلك، فلمَّا رأَوْا ذلك قامُوا فنحَرُوا وجعَل بعضهم يحلق بعضاً.
– بركة عيادة سيدنا رسول الله ﷺ للغلام الذى كان يخدمه؛ إن تألف القلوب بعيادة المريض حتى ولو كان على غير الإسلام أو ممن ابتلى بالمعاصى له بالغ الأثر فى فتح القلوب للإيمان؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم .. فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» رواه البخاري.

– إسلام خصم على بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لقد فقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه درعه، فوجدها في يد رجل من غير المسلمين كان قد عرضها في السوق يريد بيعها، فلمّا رآها عرفها، فقال له: هذه درعي كانت قد سقطت عن جمل لي في مكان كذا، فأنكر الرجل، ورفع الأمر إلى القاضي الذى طلب من أمير المؤمنين البينة، فأراد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن يشهد له الحسن، فأجابه القاضي شريحٌ بأن شهادة الولد لا تجوز لأبيه، فقال عليّ: يا سبحان الله! رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟! أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحسَنُ والحُسَيْنُ سيِّدا شَبابِ أَهْلِ الجنَّةِ»، إلّا أنّ القاضي شريح أصرّ على موقفه بأنّه لا تجوز شهادة الولد لأبيه، فلما رأى الخصم مثل هذا، قال لعليّ: أشهد أنّها درعك يا أمير المؤمنين.. ثم قال مُتعجباً: أميرُ المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه، وقاضيه يقضي لي عليه!!، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأسلم لِما رأى من العدل في القضاء، فكان موقف شريح وقضاؤه بالحقّ وقَبول أمير المؤمنين وخضوعه لحكم القاضي دون اعتراض سبباً في دخول سارق الدرع فى الإسلام.

– إسلام جار عبدالله بن المبارك لحسن أحوال وأخلاق بن المبارك؛ لقد كان لعبد الله بن المبارك جار غير مسلم فأراد أن يبيع داره، فقيل له: بكم تبيع؟ قال: بألفين. فقيل له: لا تساوي إلا ألفاً؟ قال: صدقتم ولكن ألف للدار وألف لجوار عبد الله بن المبارك، فأخبر عبد الله بن المبارك بذلك فأعطاه ثمن الدار، وقال له لا تبعها، فأسلم الرجل لحسن أخلاق بن المبارك.

فاتقوا الله عباد الله: واستغفروه وتوبوا إليه، وكونوا أسباباً فى فتح القلوب إلى الإيمان تفوزوا برضوان ربكم جل وعلا،

أقول قولى هذا واستغفر الله العظيم لى ولكم.
الخطبة الثانية

الحمدُ لله وكفى وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى أما بعد؛ فيا عباد الله: لقد وصف ربنا تبارك وتعالى الأمة بالخيرية؛ قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(آل عمران: ١٠٤)، وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً، وَحَدِّثُوا عن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» رواه البخارى.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «إن الدينَ النصيحةُ _ إن الدينَ النصيحةُ_ إن الدينَ النصيحةُ. قالوا: لمَن يا رسولَ اللهِ؟ قال : للهِ ولكتابِه ولرسولِه ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم» رواه النسائي.

♦ ثالثاً: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾؛ إن القدوة العملية لها أقوى وأشد تأثير في في نفوس الناس لذلك كان من أوجب الواجبات أن يكون الداعية ذوي سيرة حسنة، وخلق فاضل، وعمل صالح ليكون قدوة للناس في فعل ما يدعوهم إليه، وترك ما ينهاهم عنه؛ قال تعالى على لسان سيدنا شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾(هود: ٨٨)، وعن أنس بْن مالكٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «رأيْتُ ليْلة أُسْري بي رجالًا تُقْرض شفاههمْ بمقاريضَ منْ نارٍ، قلْتُ: مَنْ هؤلاء يا جبْريل؟ قال: هؤلاء خطباء منْ أمَّتك، يأْمرون الناس بالبر، وينْسوْن أنْفسهمْ وهمْ يتْلون الْكتاب، أفلا يعْقلون» رواه ابن أبى شيبة.

– ولقد ذم القرآن الكريم صنف من الناس تتناقض أحوالهم مع أقوالهم؛ قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(البقرة: ٤٤)،
قال ابن كثير رحمه الله: أي: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر – وهو جِماع الخير – أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون النَّاس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتَعلمون ما فيه على من قَصَّر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم؛ فتَنتَبِهوا من رَقدتكم، وتَتَبَصَّروا من عمايتكم.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(الصف:٢-٣)،

– ولقد حذر سيِّدنا رسول الله ﷺ من مخالفة الأحوال الأقوال؛ فعَن أسامةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يُجاءُ بالرَّجُلِ يَومَ القيامةِ، فيُلقى في النَّارِ، فتَندَلِقُ أقتابُه في النَّارِ، فيَدُورُ كَما يَدُورُ الحِمارُ برَحاه، فيَجتَمِعُ أهلُ النَّارِ عليه، فيَقُولُونَ: أيْ فُلَانُ، ما شَأنُكَ؟ أليسَ كُنتَ تَأمُرُنا بالمَعرُوفِ وتَنهانا عَنِ المُنكَرِ؟ قال: كُنتُ آمُرُكم بالمَعرُوفِ ولا آتيه، وأنهاكم عَنِ المُنكَرِ وآتيه» رواه البخارى.

وصدق القائل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى
بالقول منك وينفع التعليم

– وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أمرٍ الناس بأمر أو نهاهم عن شيءٍ جمَع أهلَ بيته فقال: إنِّي نهيتُ الناس عن كذا وكذا، وإنَّ الناس يَنظُرون إليكم كما يَنظُر الطَّير إلى اللحم، وايمُ الله، لا أجد أحدًا منكم فعَلَه إلاَّ أضعَفتُ له العقوبة ضعفين. رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه.

– إن التناقض بين الأقوال والأفعال، والذي إن انتشر وتفشى بين البعض أدى إلى الصد عن دين الله رب العالمين!!

– ولقد أثر عن الشيخ محمد عبده أنه قال: ذهبت الى الغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، ولما عُدت إلى الشرق، وجدت مسلمين ولكنني لم أجد إسلاماً.
فاتقوا الله عباد الله: واحسنوا إلى أنفسكم بصدق إخلاصكم فى دعوة الناس إلى الهدى تفوزوا برضوان ربكم جل وعلا.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه راجى عفو ربه
أيمن حمدى الحداد
الجمعة ١٨ رجب ١٤٤٧ هجرياً
الموافق ٦ فبراير ٢٠٢٦ ميلادياً