خُطْبَةُ بعنوان : ( الشِّتَاءُ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ) للدكتور : محمد حرز

خُطْبَةُ بعنوان : ( الشِّتَاءُ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ)
للدكتور : محمد حرز
من علماء الأزهر والأوقاف

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه

alseta alganema a;bareda

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَيَّنَ لَنَا السُّبُلَ، وَشَرَّفَنَا بَخَيْرِ الرُّسُلِ، وَرَفَعَنَا بِالْقُرْآَنِ إِلَى أَعْلَى المُثُلِ سُبْحَانَهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ، يُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ، وَيُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ، (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ) النور: [44]. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، عَمَّ جُودُهُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَتَمَ بِهِ الرِّسَالاتِ، صَلَّى اللهُ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ ومن والاهُ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَا كثيرًا إلى يومِ الدِّينِ .

أمَّــا بَعْـدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فمن اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق [2-3]

عِبادَ اللهِ: مَفَاهِيمُ صَحَّحَها النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأَسْلُوبِ الْوَعْظِيِّ أَعرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأَسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ ومنها((الشِّتَاءُ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ)) عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ.

♦️أوَّلًا: الشِّتَاءُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشِّتَاءُ؟

♦️ثَانِيًا: كَيْفَ نَسْتَغِلُّ الشِّتَاءَ؟

♦️ثَالِثًا: بادِروُا إِلَىَ كُلِّ خَيْرٍ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ الشِّتَاءِ الغَنِيمَةِ البَارِدَةِ وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ الْآنَ فِي فَصْلِ الشِّتَاءِ تَلْكُمُ الفَصْلَ الَّذِي كُلُّهُ خَيْرَاتٌ وَبَرَكَاتٌ مِنْ أَمْطَارٍ تُحْيَا بِهَا الْأَرْضُ وَتَزْدَنُ وَفِيهِ يَنْبُتُ الزَّارِعُ وَالْأَشْجَارُ وَالثَّمَارُ وَفِيهِ تَحْلُو الْحَيَاةُ وَيَنْعَمُ النَّاسُ وَفِيهِ اللَّيْلُ طَوِيلٌ وَالنَّهَارُ قَصِيرٌ فُرْصَةٌ لِلْعَابِدِينَ الزَّاهِدِينَ فُرْصَةٌ لِلْقَائِمِينَ الصَّائِمِينَ الشِّتَاءُ بُسْتَانُ الطَّاعَةِ وَمِيدَانُ العِبَادَة. وَخَاصَّةً وَفيِ كُلِّ حيِنٍ وَحالٍ نَحْنُ خَلْقُ اللهِ وَعَبِيِدُهُ، نَحْنُ الفُقَراءُ إِلَىَ اللهِ في كُلِّ أَحْوالِنا، فيِ صِحَّتِنا وَمَرَضِنا، في غِنانا وَفَقْرِنا، فيِ صَيْفِنا وَشِتائِنا، في قُوَّتِنا وَضَعْفِنا، أَنْتُمُ الفُقَراءُ إِلَىَ اللهِ كَما قالَ الحَكيِمُ العَليِمُ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ، وَالفَقيِرُ يَسْتَجْدِيِ مِنَ الغنِيِّ عَطاءً وَنَوالًا، وَنَحْنُ نَسْتَجْدِيِ مِنَ اللهِ كُلُّ فَضْلٍ وَإِحْسانٍ، لا مَانِعَ لما أَعْطَىَ وَلا مُعْطِيَ لما مَنَعَ، وَمِمَّا يُدْرِكُ بِهِ الخَيْرَ الَّذِيِ عِنْدَهُ وَتُسْتَفْتَحُ بِهِ الرَّحَماتُ الَّتِيِ خَزائِنُها بِيَدِهِ أَنْ يَكوُنَ العَبْدُ قَريبًا مِنْ رَبَّه بِطاعَتِهِ، قَريبًا مِنْ رَبِّهِ بما يُحِبُّهُ وَيَرْضاهُ جَلَّ في عُلاهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالَىَ أَخْبَرَ أَنَّ رَحْمَتَهُ قَريِبٌ مِنَ المحسنيِنَ: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وَأَهْلُ الِإحْسانِ هُمْ اَّلذيِنَ يُسابِقوُنَ في مَياديِنِ الطَّاعَةِ وَالخَيْرِ وَخِصالِ الإيِمانِ.

♦️أوَّلًا: الشِّتَاءُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشِّتَاءُ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ: مِنَ الْمَفَاهِيمِ الَّتِي بَيَّنَهَا النَّبِيُّ الْأَمِينُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ الْغَنِيمَةُ الْبَادِرَةُ هِيَ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ؛ حَيْثُ اللَّيْلُ طَوِيلٌ وَالنَّهَارُ قَصِيرٌ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ﷺ: (الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ) (أَخْرَجَهُ التَّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ) وأخرَجَ الإمامُ أحمَدُ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ: “الشِّتاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ”، وأخرَجَهُ البيهقيُّ، وَزَادَ فيهِ: “طَالَ لَيْلُهُ فقامَهُ، وَقَصُرَ نَهَارُهُ فَصَامَهُ”.، وَفِي الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (الشِّتَاءِ غَنِيمَةُ الْعَابِدِينَ) رواهُ أَبُو نُعَيْم بِإِسنادٍ صحيحٍ، وكانَ أبو هُرَيرةَ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: “أَلا أَدُلُّكُمْ علَى الغنيمَةِ البَارِدَةِ، قَالُوا: بَلَى، فَيَقُولُ: الصِّيامُ فِي الشِّتَاءِ”. ومعنَى الغَنِيمَةِ البَارِدَةِ: أي السَّهْلَة، ولأنَّ حرارَةَ العَطَشِ لا تَنَالُ الصَّائِمَ فيهِ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا غَنِيمَةً بَارِدَةً أَنَّهَا غَنِيمَةٌ حَصَلَتْ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةً، فَصَاحِبَهَا يُحَوِّزُ هَذِهِ الْغَنِيمَةَ عَفْوًا صَفْوًا بِغَيْرِ كُلْفَةٍ.

وقالَ ابنُ رَجَبٍ الحنبَلِيُّ: “قِيَامُ لَيْلِ الشِّتَاءِ يَعْدِلُ صِيامَ نَهارِ الصَّيْفِ”. لذا كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ يَنْظُرُونَ إِلَى الشِّتَاءِ عَلَى أَنَّهُ بُسْتَانٌ لِلطَّاعَاتِ، وَمَوْسِمٌ لِلِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، طَالَ لَيْلُهُ لِلْقِيَامِ وَقَصُرَ نَهَارُهُ لِلصِّيَامِ، وَالْمَغْبُونُ مِنِ اتَّخَذَ مِنْ لَيْلِ الشِّتَاءِ مَرْتَعًا لِلْدِّفْءِ وَالنَّوْمِ، وَاللَّهُوِ وَالْعَبَثِ. فَالشِّتَاءُ هُوَ رَبِيعُ المُؤْمِنِ، يَرْتَعُ فِيهِ فِي بَسَاتِينِ العِبَادَاتِ وَيَسْرَحُ فِيهِ فِي مَيَادِينِ الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ.

الشِّتَاءُ تذكيرٌ بِنِعَمِ اللهِ عزَّ وجلَّ الغَامِرَةِ، وآلائِهِ السَّابِغَةِ، الَّتِي نَتَفَيَّؤُ ظِلالَهَا، فَقَدْ مَنّ اللهُ علينَا بالأمْنِ في الأوطانِ، بُيُوتٌ هادئةٌ، وفُرُشٌ دافئَةٌ، وإذَا رُمْتَ مَعْرِفَة قَدْرَ هذهِ النِّعَمِ، فَارْمِ بِبَصَرِكَ مَنْ يَقْطُنُونَ المخَيَّمَاتِ، وَالمُشَرَّدِينَ في الشَّوَارِعِ والطُّرُقَات، فَاحْمَدُوا اللهَ عَلَى مَا آَتَاكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا هَدَاكُمْ، ومِنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ مُوَاسَاةُ مَنْ آَذَاهُم الْبَرْدُ، وأعْيَاهم الصَّقِيعُ، وأقَضَّ مَضَاجِعَهُم الصِرُّ.: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) النحل:[80].

الشِّتَاءُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشِّتَاءُ؟
نَعِيشُ في هَذِهِ الْأَيَّامِ أَجْوَاءً شِتْوِيَّةً بَارِدَةً لَمْ نَعْهَدْهَا مِنْ قَبْلُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ جَعَلَ فِي الدُّنْيَا مَا يُذَكِّرُ بِالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ؛ إنَّ تَعَاقُب َالمواسِمِ والفصولِ، وتوالِي الأعوامِ، وتقلُّب الدهورِ، آيةٌ مِن آياتِ العزيزِ الغفورِ، فليلٌ يَتْبَعُهُ نهارٌ، ويُسْرٌ بعدَ إعْسَارٍ، وحَرُّ الصَّيْفِ اللاذِعِ، يَتْلُوهُ بردُ الشِّتاءِ القَارِس، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَار وكيف لا ؟ إِنَّ تَغَيُّرَ الْفُصُولِ وَتَعَاقُبَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ آيَاتٌ بَاهِرَةٌ عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلا، وَدَلِيلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، تَأَمَّلُوا كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْجَوُّ مِنْ حَرَارَةِ الصَّيْفِ إِلَى بَرُودَةِ الشِّتَاءِ؟ وَكَيْفَ تَنْزِلُ الْأَمْطَارُ فَتُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا؟
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج: 5].

وكيف لا؟ و إنَّ الصَّوَاعِقَ وَالْبَرْقَ، وَالرِّيحَ وَالْبَرْدَ، جُنُودٌ كَوْنِيَّةٌ يُرْسِلُهَا اللهُ عزَّ وجلَّ، فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، وَيَصْرِفُهَا عَمَّنْ يَشَاءُ، يَرْحَمُ بِهَا أَقْوَامًا، فَيَعْقُبُهَا أَمْطَارٌ وَخَيْرَاتٌ، وَيُهْلِكُ بِهَا أَقْوَامًا، فَيَعْقُبُهَا حَسَرَاتٌ وَوَيْلاتٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: ( كَانَ النبيُّ ﷺ إذا رَأى غَيْمًا أَوْ رِيحًا، عُرِفَ ذلكَ في وَجْهِهِ، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، أَرى النّاسَ إذا رأَوْا الغَيْمَ فَرِحُوا، رَجاءَ أَنْ يَكونَ فيه المَطَرُ، وَأَراكَ إذا رَأَيْتَهُ، عَرَفْتُ في وَجْهِكَ الكَراهيةَ؟ قالَتْ: فَقالَ: يا عائِشَةُ: ما يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكونَ فيه عَذابٌ، قدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بالرِّيحِ، وَقَدْ رَأى قَوْمٌ العَذابَ فَقالوا: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنا) أخرجه مسلم. وَالْوَاجِبُ عَلَى المسْلِمِ تِجَاهَ هَذِه الآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ، صِدْقُ اللُّجُوءِ إلَى اللهِ عزَّ وجلَّ، والْخَوْفُ مِنْ مَكْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) الزمر: [16]

وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيةٌ******تَدُلُّ على أنَّهُ وَاحِدُ

فَشِدَّةُ الْبَرْدِ تُذَكِّرُ بِمَا فِي جَهَنَّمَ مِنَ الزَّمْهَرِيِرِ؛ وَهُوَ شِدَّةُ الْبَرْدِ الَّتِي لَا تُطَاقُ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ». فَإِذَا كَانَ المَرْءُ يَحْتَاطُ لِبَدَنِهِ مِنْ شِدَّةِ الْبرْدِ بِمَا أَفَاءَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ المدَافِئِ وَالمشَالِحِ، فَهَلا احْتَاطَ لِنَفْسِهِ مِنْ بَرْدِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾، قال ابنُ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما: (الغَسَّاقُ: هُوَ الزَّمْهَرِيرُ يَحْرِقُهُمْ بِبَرْدِهِ: كَمَا تَحْرِقُهُمُ النَّارُ بَحَرِّهَا!). قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) آل عمران: [131]. واللهُ تَعالَىَ قَدْ قالَ في مُحْكَمِ الكِتابِ في عَذابِ أَهْلِ الجَحيمِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا﴾ أَيْ: ماءً حارًّا مَصْلِيًّا، ﴿وَغَسَّاقًا﴾ وَالغَسَّاقُ: هُوَ الزَّمْهَريِرُ البَارِدُ الَّذيِ يَحْرِقُ مِنْ شِدَّةِ بُروٌدَتِهِ.

قَالَ الحَسَنُ – رَحِمَهُ اللهُ -: «كُلُّ بَرْدٍ أَهْلَكَ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ» الَّلهُمَّ أَعِذْنا مِنْها يا ذا الجِلالِ وَالِإكرامِ. وَمِن كَمَالِ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ – جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْ أَهْلِهَا – أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ فِيهَا حَرًّا وَلَا بَرْدًا؛ قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: “عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ تُؤْذِي وَشِدَّةَ الْبَرْدِ تُؤْذِي؛ فَوَقَاهُمْ أَذَاهُمَا جَمِيعًا؛ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 13]”.

قال ابنُ كَثِير: (أَيْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَرٌّ مُزْعِجٌ، وَلَا َبرْدٌ مُؤْلِمٌ، بَلْ هِيَ مِزَاجٌ وَاحِدٌ، دَائِمٌ سَرْمَدِيٌّ، لَا يَبْغُونَ عنها حِوَلًَا!).فَأَعِدُّوا لِلْبَرْدِ عُدَّتَهُ، وَاحْذَرُوا شِدَّتَهُ وَوَطْأَتَهُ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه إذَا دخلَ الشِّتَاءُ تَعَاهَدَ رَعِيَّتَهُ وَوَعَظَهُمْ بقولِهِ: (إِنَّ الشِّتَاءَ قَدْ حَضَرَ وَهُوَ عَدُوٌّ، فَتَأَهَّبُوا لَهُ أُهْبَتَه مِنَ الصُّوفِ والخِفَافِ والجَوَارِبِ واتَّخِذُوا الصُّوفَ شَعَارًا وَدِثَارًا؛ فَإِنَّ البَرْدَ عَدُوٌّ، سَرِيعٌ دُخُولُهُ، بَعِيدُ خُرُوجُهُ) لطائف المعارف وَإِذَا كانَ النَّاسُ يَفِرُّونَ مِنْ زَمْهَرِيْرِ الدُّنْيا: بِاللِّبَاسِ وَالكِسْوَةِ؛ فَهَلْ فَرَرْنَا مِنْ زَمْهَرِيْرِ الآخِرَةِ بِـ(لِبَاسِ التَّقْوَى)؛ فَهُوَ اللِّباسُ الَّذِي يَدُوْمُ ولا يَبْلَى، وَهُوَ الَّذِي يَحْمِيكَ مِنْ بَرْدِ جَهَنَّم!

الشِّتَاءُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشِّتَاءُ؟ الشِّتَاءُ آَيَةٌ فِي الْكَوْنِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ آَيَةٌ فِي النَّفْسِ، قَالَ تَعَالَى: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الذاريات: [21] وَكَمَا أَنَّ الأَجْوَاءَ تَتَغَيَّرُ بَيْنَ بَارِدٍ وَحَارٍ، وَلَيْلٍ وَنَهَارٍ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ تَتَقَلَّبُ بَيْنَ ثَبَاتٍ وَانْكِسَارٍ، وَإِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ، وَإِذَا كَانَ المَرْءُ يَحْتَاطُ لِبَدَنِهِ مِنْ بَرْدِ الشِّتَاءِ بِالمَدَافِئِ وَالْفُرُشِ، فَالْوَاجِب عَلَيْهِ كَذَلِكَ أَنْ يَحْتَاطَ لِقَلْبِهِ، فَيَرُدُّهُ إِذَا أَبَقَ، وَيَجْبُرُهُ إِذَا انْصَدَعَ، وَيَمْلَؤُهُ إِذَا فَرَغَ، وَيُبْعِدُهُ عَنْ أَسْبَابِ الْوَهَنِ وَالتَّلَفِ، يَغْمُرُهُ بِدِفْءِ الطَّاعَةِ وَنَعِيمِهَا، وَيُجَنِّبُهُ صِرَّ المَعْصِيَةِ وَزَمْهَرِيرَهَا.

الشِّتَاءُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشِّتَاءُ؟ وفِي فَصْلِ الشِّتَاءِ تَكْثُرُ أمراضُ الزكامِ، والحُمَّى وآلامِ الْعِظَام، ويتأَذَّى مِنْ ذلك خَلْقٌ كثيرونَ، والموَفَّقُ مَنْ يُوقنُ بالمِنَحِ والعَطَايَا المتَرتِّبَة على هذهِ الأمراضِ مَتَى واجهَهَا بالصَّبْرِ، واحْتِسَبِ فيهَا الأجرَ، ففي الحديثِ: دِخِلِ رَسولُ اللهِ ﷺ علَى أُمِّ السَّائِبِ -أَوْ أُمِّ المُسَيِّبِ- فَقالَ: ما لَكِ يا أُمَّ السَّائِبِ -أَوْ يا أُمَّ المُسَيِّبِ- تُزَفْزِفِينَ؟ قالَتِ: الحُمَّى، لا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقالَ ﷺ: لا تَسُبِّي الحُمَّى؛ فإنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ) أخرجه مسلم

♦️ثَانِيًا: كَيْفَ نَسْتَغِلُّ الشِّتَاءَ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ: فرصَةٌ ذَهَبِيَّةٌ لِلْمُشْتَغِلِ الذِي يَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَغَنِيمَةٌ بَارِدَةٌ لَهُ، وَلِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاء، أو مَنْ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ فَلْيَغْتَنِمُوا جميعًا هذه الغَنِيمَةَ البَارِدَةَ. فَالشِّتَاءُ ربيعَ المؤمِنِ لأنهُ يَرْتَعُ فيهِ في بَساتِينِ الطَّاعَاتِ، وَيَسْرَحُ فيهِ فِي مَيادِينِ العِبَادَات، وَينَزهُ قلبَهُ في بَسَاتينِ الطاعَاتِ المُيَسَّرَةِ فيهِ، فَإِنَّ المؤمِنَ يَقْدِرُ فِي الشِّتَاءِ عَلَى صِيامِ نَهَارِهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَلا كُلْفَةٍ تَحْصُلُ لَهُ مِنْ جُوعٍ ولا عَطَش، فَإِنَّ نَهَارَهُ قَصِيرٌ بَارِد، فَلا يَحُسُّ فيهِ بِمَشَقَّةٍ كبيرَةٍ لِلصيامِ. وقَدْ أَكَّدَ الصحابَةُ رضوانُ اللهِ عليهم على ذلكَ، وَكانوا يَعْتَنُونَ بِالشِّتاءِ وَيُرَحِّبُونَ بِقُدُومِهِ وَيَفْرَحُونَ بذلكَ وَيَحُثُّونَ النَّاسَ على اغْتِنَامِهِ. فعنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: “مَرْحَبَا بِالشِّتَاءِ؛ تَنْزِلُ فيهِ البَرَكَةُ، وَيَطُولُ فيهِ الليلُ لِلْقِيَامِ، ويَقْصرُ فيهِ النَّهَارُ لِلصِّيَام”. وللهِ دَرُّ الحَسَنِ البصْرِيِّ مِنْ قَائِلٍ: “نِعْمَ زَمَانُ المؤمِنِ الشِّتَاءُ ليلُهُ طويلٌ يَقُومُهُ، وَنَهَارُهُ قَصِيرٌ يَصُومُهُ”.

وكانَ أَحَدُ الصَّالِحينَ إِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ يقولُ: “يَا أهلَ القُرْآنِ، طَالَ لَيلُكُمْ لِقِرَاءَتِكُمْ فَاقْرَؤُوا، وَقَصرَ النَّهارُ لِصِيامِكُمْ فَصُومُوا”. فَإِذَا لَمْ نَصُمْ صِيَامَ داودَ، أَفَلا نَصُومُ الاثنينَ والخميسَ؟ وإذَا لَمْ نَصُم الاثنينَ والخميسَ، أفلا نَصُومُ الأيَّامَ البيضَ؟ وهي الثَّالِثَ عَشَرَ والرَّابعَ عَشَرَ وَالخَامِسَ عَشَرَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ قَمَرِيٍّ!.

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنّ الآجالَ منقوصة، والأعمالَ محفوظة، والموتَ يأتي بغتة، وربما كان هذا الشتاءُ آخر عهدكم به من الدنيا، فتزودوا فيه من الطاعات، واغتنموه بفعل الصالحات.

لما نزل الموت بعامر بن عبدالله جعل يبكي، فَقيل لَهُ: مَا يبكيك؟ فَقَالَ: «مَا أَبْكِي جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى ‌ظَمَأِ ‌الْهَوَاجِرِ وَقِيَامِ لَيَالِي الشِّتَاءِ».

وَفِي فَصْلِ الشِّتَاءِ: يَقْطَعُ المُسْلِمُ رَاحَتَهُ: وَيُنَازِعُ نَفْسَهُ عَنْ فِرَاشِهِ؛ لِيَقُوْمَ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ (مَعَ شِدَّةِ البَرْدِ، وَغَلَبَةِ النَّوْمِ)؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ زَمْهَرِيْرَ جَهَنَّمَ! ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال العُلَمَاءُ: (إِنَّ اللهَ مَدَحَ الَّذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ لِدُعَائِهِ؛ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ: كُلَّ مَنْ تَرَكَ النَّوْمَ، وَقَامَ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ! فَإِنَّ صَلَاةُ الفَجْرِ: تَأْتِي فِي وَقْتِ مَشَقَّةٍ؛ بِسَبَبِ بَرْدِ الشِّتَاءِ، وَطِيبِ النَّوْمِ فِي الصَّيْفِ، فَخُصَّتْ بِالمُحَافَظَةِ؛ لِكَوْنِهَا مُعَرَّضَةً لِلضَّيَاعِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا).وَقيامُ لَيْلِ الشِّتَاءِ فَلِطُولِهِ، فَفِيهِ قَدْ تَأْخُذُ النَّفْسُ حَظَّهَا مِنَ النَّوْمِ، ثُمَّ تَقُومُ بعدَ ذلكَ إلَى الصَّلاةِ، فَيقَرَأُ المُصَلِّي وِرْدَهُ، وَقَدْ أَخَذَتْ نَفْسُهُ حَظَّهَا الْمُحْتَاجَةَ إليهِ منَ النَّومِ، معَ إِدْرَاكِ وِرْدِهِ، فَيَكمُلُ لهُ مصلَحَةُ دينِهِ وَرَاحَةُ بَدَنِه. وقد جاءَ عنِ الحسنِ البصريِّ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى قالَ: “نِعْمَ نَدْمَانُ المؤمِنِ الشِّتَاءُ، لَيْلُهُ طَوِيلٌ يِقُومُه، وَنَهَارُهُ قَصِيرٌ يَصُومُه”.إنَّ الشِّتَاءَ أَمْرُهُ عَجِيبٌ لِمَنْ تَذَوَّقَ فيهِ طَعْمَ العِبَادَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تعالَى مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنَّهُمْ ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ الليلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ سورة الذاريات/17. الْهُجُوعُ : النَّوْمُ لَيْلًا. وقَدْ وَرَدَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَكَى عِنْدَ مَشْهَدِ الاحْتِضَارِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَجْزَعُ مِنَ الْمَوْتِ وَتَبْكِي ؟!

فقَالَ: “مالِي لا أَبْكِي، وَمَنْ أَحَقُّ بِذلكَ مِنِّي ؟ واللهِ مَا أَبْكِي جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ، وَلا حِرْصًا عَلَى دُنْيَاكُمْ، وَلَكِنِّي أَبْكِي عَلَى ظَمَإِ الهَوَاجِرِ وَقِيَامِ لَيْلِ الشِّتَاءِ”. وليسَ هَذَا بِغَرِيبٍ، فَإِنَّ لِلْعِبَادَةِ لَذَّةً، مَنْ فَقَدَهَا فَهُوَ مَحْرُوم. قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهب: “كُلُّ مَلْذُوذٍ إِنَّمَا لَهُ لَذَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلاَّ العِبَادَةَ فَإِنَّ لَهَا ثَلاثَ لَذَّاتٍ: إِذَا كُنْتَ فِيهَا، وَإِذَا تَذَكَّرْتَهَا، وَإِذَا أُعطِيتَ ثوابَها”. وكانَ أَبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقْسِمُ ليلَهُ ثَلاثَةَ أَقْسَام بينَ القِيَامِ وَالنَّومِ وَطَلَبِ العِلمِ، وَكانَ يَقُولُ: “جَزَّأْتُ الليلَ ثَلاثَةَ أَجْزاء: ثُلُثًا أُصَلِّي، وَثُلُثًا أنَامُ، وَثُلُثًا أَذْكُرُ فيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم”. وقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قالَ:

إِذَا كُنْتَ تَأْذَى بِحَرِّ المصيفِ*****وَيُلْهِيكَ حُسْنُ زَمَانِ الرَّبِيعِ

وَيُبْسِ الخريفِ وَبَرْدِ الشِّتَا*****فأَخْذُكَ لِلْعِلْمِ قُلْ لِي مَتَى

وَإِنَّمَا الأَيَّامُ مَراحِلُ يَقْطَعُهَا المسلِمُ مَرْحَلَةً مرحلَةً، وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ أَخَذَ مِنْ كُلِّ مَرْحَلَةٍ زَادًا للآخِرَةِ.

وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْغَنَائِمَ:((أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ)).

((وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ)). ((عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفِرَةٌ لِلْسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلْإِثْمِ)). ((أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ)). فَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ حَظًّا مِنَ الْقِيَامِ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِئَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطَرِينَ))؛ [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].

نَسْتَغِلُّ الشِّتَاءِ في الْاستِغْفَارِ في الْأَسْحَارِ: عِبادُ اللَّهِ، إنَّ منْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ في هَذَا الفصلِ الْمُبَارَكِ الْإكْثَارَ مِنَ الْاستِغْفَارِ في وَقْتِ السَّحَرِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى في وَصْفِ الْمُتَّقِينَ: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذَّارِيَاتِ: 18]، فَتَذَكَّرُوا أنَّ وَقْتَ السَّحَرِ وَقْتٌ مُبَارَكٌ، يُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ، وَيَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِ الذُّنُوبَ، فَلَا تَفَوِّتُوا هَذِهِ الْفُرْصَةَ، وَأَخْلِصُوا في الدُّعَاءِ وَالِاستِغْفَارِ. نَسْتَغِلُّ الشِّتَاءَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ: فِي الشِّتَاءِ، يُعَانِي كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ مِنْ قَسْوَةِ الْبَرْدِ، وَقِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ، فَلَا يَجِدُونَ مَا يُوَقِيهِمُ الْبَرْدَ مِنْ لِبَاسٍ وَطَعَامٍ، فَكُونُوا عَوْنًا لَهُمْ، وَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، وَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ؛ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلَّمَ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَانُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمُ مَنْ فِي السَّمَاءِ))؛ [رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ].

وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وَسَلَّمَ أَيْضًا: ((مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ))؛ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، فَاجْعَلُوا إِلَى مُوَاسَاةِ إِخْوَانِكُمْ الْفُقَرَاءَ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَجْرًا عَظِيمًا، وَبَرَكَةً فِي الْمَالِ، وَزِيَادَةً فِي الرَّزْقِ.

نَسْتَغِلُّ الشِّتَاءَ فِي تَحَمُّلِ الْمَكَارِهِ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ:

• فَإِنَّ الْمَاءَ فِي الشِّتَاءِ تَشْتَدُّ بَرُودَتُهُ، فَيَتَهَاوَنْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وَيَغْفُلُونَ عَنْ خَطُورَةِ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ بِلَا غَسْلٍ، وَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي ذَلِكَ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ))، وَرُبَّمَا يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ فِي الْحَدِيثِ: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ)).

• أَمَّا مَنْ أَسْبَغَ وُضُوءَهُ، فَلْيُبَشَّرْ بِالْخَيْرِ الْكَثِيرِ؛ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرُّبَاطُ)).

• وَمَنْ تَكَبَّدَ مَشَاقَّ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا سِيمَا فِي الظَّلَامِ، فَلْيُبَشَّرْ بِالْخَيْرِ الْكَثِيرِ وَالثَّوَابِ الْعَظِيمِ؛ فَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))؛

نَسْتَغِلُّ الشِّتَاءِ فِي: شُكْرِ اللَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الدَّفْءِ وَالرِّزْقِ:أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنْ نَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ الْعَظِيمَةِ؛ فَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِاللِّبَاسِ وَالدَّفْءِ وَالطَّعَامِ، فِي حِينٍ أَنْ هُنَاكَ مَنْ يَبِيتُ فِي الْعَرَاءِ، وَيُعَانِي مِنَ الْبَرْدِ وَالْجُوعِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [إبْرَاهِيمَ: 7، 8] وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ نِعْمَةُ نُزُولِ الْمَطَرِ وَالتَّفَكُّرِ فِي رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ رِزْقًا مُقَدَّرًا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فَصَلَت: 39]. وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ نِعْمَةُ الْبُيُوتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى سَكَنًا وَرَاحَةً لِأَهْلِهَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ﴾ [النَّحْلِ: 80]؛ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: “يُذْكَرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَمَامَ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي هِيَ سَكَنٌ لَهُمْ، يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَيَسْتَتِرُونَ بِهَا، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا سَائِرَ وُجُوهِ الانْتِفَاع”..فَاشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ، وَلَا تَغْفَلُوا عَنْ ذِكْرِهِ وَحَمْدِهِ؛ فَإِنَّ الشُّكْرَ سَبَبٌ لِدَوَامِ النِّعَمِ وَزِيَادَتِهَا. نسألُ اللهَ تعالَى أَنْ يَرْزُقَنَا الهِمَّةَ عَلَى الطَّاعَة، وَيَرْزُقَنَا الإِخْلاصَ والقَبُولَ، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى إِنَّهُ سَمِيعٌ مٌجِيبٌ. هذَا وأستغفرُ اللهَ لي ولَكُمْ

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ … أَمَّا بَعْدُ:

♦️ثَالِثًا: بادِروُا إِلَىَ كُلِّ خَيْرٍ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: بادِروُا إِلَىَ كُلِّ خَيْرٍ، وَبادِروُا إِلَىَ صالحِ الأَعْمالِ، وَتزَوَّدوُا لِيَوْمِ تَشيِبُ فِيِهِ الوِلْدانُ؛ فَالأَعْمالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ يُسَرُّ بها أَصْحابُها، كَما أَنَّ صاحِبَ العَمَلِ الصَّالحِ يُدْرِكُ في الدُّنْيا مِنْ حَياةٍ طَيِّبةٍ وَصَلاحِ القَلْبِ وَتَيْسيرِ الأَمْرِ وَعَوْنِ العَزيِزِ الغَفَّارِ ما يَكوُنُ بِهِ صَلاحُ مَعاشُهُ، ولا شَكَّ أنَّ هناكَ فَرَائِضَ يَجِبُ عَلَى المسلِمِ البَالِغِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا، لذَا احرِصُوا عَلَى أَدَاءِ الفَرَائِضِ، وَاحْرِصُوا عَلَى حُضُورِ مَجَالِسِ الخيرِ مَجَالِسِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ التِي تُقَامُ في مُصَلِّيَاتِنا. وَأَكثِرُوا مِنَ اغْتِنَامِ الفُرَصِ لِلطَّاعاتِ، فَوَاللهِ الوَاحِدُ مِنَّا يَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّاجِينَ فِي الآخِرَة، وَهُوَ لا يَقْوَى عَلَى جَمْرَةٍ مِنْ جَمَرَاتِ الدُّنيا، فَكَيْفَ يَقْوَى عَلَى نَارٍ وَقُودُها النَّاسُ وَالحِجَارَةُ؟ اللهمَّ أَجِرْنَا مِنها يا رَبَّ العالَمِين. فَوِقَايَةُ النَّفسِ وَالأَهْلِ مِنْ هَذِهِ النَّارِ تَكُونُ بِأَدَاءِ مَا أَوْجَبَ اللهُ علَيْنَا واجتِنَابِ مَا حَرَّمَ.

وكيف لا؟ إِنَّ الْمُبَادَرَةَ بِالِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللهِ، مَنْهَجُ الْعُقَلَاءِ وَسُلُوكُ الْأَتْقِيَاءِ، وَعَلَامَةُ الصُّلَحَاءِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148] أَيْ: فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَبْتَدِرُوهَا اغْتِنَامًا لِلْفُرَصِ، وَكَسْبًا لِلْأَجْرِ؛ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26] فَالْمُسَارَعَةُ إِلَى الْخَيْرِ مَنْهَجٌ قَوِيمٌ، وَاسْتِجَابَةٌ لِأَمْرِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [آل عمران: 133]؛ فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ حَثٌّ عَلَى الْمُسَارَعَةِ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَلِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَإِلَى التَّوْبَةِ. وَلِذَا حَكَى اللهُ عَنْ مُوسَى قَوْلَهُ: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ [طه: 84]. لَقَدْ أَتَتْ عَجَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَمْرٍ مَحْمُودٍ شَوْقًا لِلِقَاءِ رَبِّهِ، فَمَا أَعْذَبَ هَذِهِ الْآيَةَ:﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ [طه: 84]. وَوَصَفَ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَتَسَابَقُونَ إِلَى فِعْلِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 61].

لذا حَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَلَى الْمُبَادَرَةِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْمَعْنَى: سَابِقُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ هَذِهِ الْفِتَنَ فَإِنَّهَا إِذَا وَقَعَتْ كَانَ فِيهَا شُغْلٌ شَاغِلٌ عَنِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَالْمُبَادَرَةُ الْمُسَارَعَةُ بِإِدْرَاكِ الشَّيْءِ قَبْلَ فَوَاتِهِ. أَوْ بِدَفْعِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ. فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَثَّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ تَعَذُّرِهِ أَوْ تَعَسُّرِهِ بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْفِتَنِ الْمُتَرَاكِمَةِ كَتَرَاكُمِ ظَلَامِ اللَّيْلِ.

وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى الْخَيْرَاتِ لَا تَكُونُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ فَقَطْ بَلْ لَهُ سُبُلٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَطُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: كُلُّ قَوْلٍ حَسَنٍ وَكُلُّ فِعْلٍ طَيِّبٍ وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا، فَيَا كُلَّ مَكْرُوبٍ، وَيَا كُلَّ صَاحِبِ حَاجَةٍ، وَيَا كُلَّ مُسْلِمٍ، بَادِرْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ، وَلَا تُؤَخِّرْ عَمَلَ الْخَيْرِ. جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْمُبَادِرِينَ بِالْخَيْرَاتِ، وَوَفَّقَنَا لِسُبُلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاح