خطة حقيقية واقعية للعشر الأوائل من ذي الحجة


بقلم : د. مدحت علي أحمد وربي .

الحمد لله الذي خلق الخلقَ بقدرته،ومَنَّ على من شاء بطاعته ، وخذلَ من شاء بحكمته ، والصلاة والسلام علي من اختاره من خليقته ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وصحابته صلاةً وسلامًا كثيرًا.

نحن مقبلون على أعظم المواسم أجرا، وأكثرها عطاء.. فادخلوا على الله فيها من أبواب كثيرة من الخير متفرقة ،ادخلوها بأزواد متعددة وأعمال صالحة متنوعة، فرب زاد نتستقله، وفيه الخير كله… فهذا الموسم ليس ككل المواسم ،فلا ينبغي لعاقل أن يغيب وقت توزيع الرحمات والهبات والأعطيات من خالق الأرض والسموات ، ويقولون :غيابنا عن كل الدنيا يُستَدرك لكن غيابنا عن باب الملك قد لا يُدرَك.

فتعالوا : نخفف من ضوضاء الدنيا من حولنا، فنحن مقبلون على أيام وليال لو كشف الله لنا حفلات توزيع جوائزه فيها لمُتُّنا طربا وفرحا بالقبول .

قال الله تعالي :(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً(19)وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20)(الإنسان 19/20).

قال ابن الجوزي :«فما يطلعُ ‌فجرُ ‌الأجرِ إلَّا وقدْ حازَ القومُ الغنيمةَ، وفازوا بالفخرِ، وحمِدوا عند الصَّباحِ السُّرى، وما عندَ أهلِ الغفلةِ والنَّومِ خبرٌ ممَّا جرى» (لطائف المعارف/ص97)

وهذه خطة حقيقية واقعية عصرية ندخل العشر بهذه العشر :
والخطة لازم لكل مسلم ومسلمة لقول الله تعالي :-﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46]، فلابد من خطة لإستثمارهذه العشرالأوائل من ذي الحجة (أفضل أيام السنة) ، والخطة للعشرالأوائل مكونة من عشرة أعمال هي :-

أولا: ندخلها بإعلان التوبة النصوح:
اللّبيبَ منّا من يستقبل هذه الأيّام بالتّوبة والإقلاع عن جميع الذّنوب و المعاصي ،إذا لنبدأها بصفحة جديدة ونتخلص من الذنوب ، فكلّنا يخطئ ويذنب ، كما قال عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»(الترمذي (2504)) .

فعلينا التوبة والعودة إلي طريق الله تعالي وهو ينادي علينا بقوله – تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[التحريم/14]،

ومعني التوبة: الرجوع إلى الله تعالى وترك ما يكرهه الله ظاهراً وباطناً ندماً على ما مضى، وعزماً على ألا يعود والاستقامة على الحقّ بفعل ما يحبّه الله تعالى.
وقال الله تعالى:﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31].

ثانيًا: الحفاظ على الفرائض والإكثار من النوافل:
لأن الفرائض والإكثارمن النوافل خط الأمان لنا ؛ وذلك لأن الله تعالي يحافظ ويدافع عن المقيمين لهذه الفرائض والمكثرين من النوافل ، فعَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ قَالَ: «‌مَنْ ‌عَادَى ‌لِي ‌وَلِيًّا ‌فَقَدْ ‌آذَنْتُهُ ‌بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»(البخاري/8/ 105).

كما قال القائل :-
تقْرُبْ إِلَىْ اللهِ بِقَدْرِ طاقَتِكْ : فَقُرْبُهُ مِنْكَ بِقَدْرِ طاعَتِكْ
بِقُرْبِهِ منك تَصْحَبُ أَنْبِيَاءَهُ : وَالصَّالِحِيْنَ لِقِيَامِ ساعَتِكْ .(حسن التنبه لما ورد في التشبه/2/ 130).

ثالثا : ادخلوا هذه العشر بالصوم:
يستحب صيام التسع كلها خاصة يوم عرفة ،عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، ‌إِنِّي ‌أَحْتَسِبُ ‌عَلَى ‌اللَّهِ ‌أَنْ ‌يُكَفِّرَ‌السَّنَةَ ‌الَّتِي ‌قَبْلَهُ ‌وَالسَّنَةَ ‌الَّتِي بَعْدَهُ»(الترمذي/3/ 115).
عَنْ ‌أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ ‌بَعَّدَ ‌اللهُ ‌وَجْهَهُ ‌عَنِ ‌النَّارِ ‌سَبْعِينَ ‌خَرِيفًا.» (البخاري/4/ 26).

وأخرج مسلم عن أمنا ‌عَائِشَةُ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « ‌مَا ‌مِنْ ‌يَوْمٍ ‌أَكْثَرَ ‌مِنْ ‌أَنْ ‌يُعْتِقَ ‌اللهُ ‌فِيهِ ‌عَبْدًا ‌مِنَ ‌النَّارِ ‌مِنْ ‌يَوْمِ ‌عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ » (مسلم/4/ 107):». والله تعالي لا يباهي بالعاصي .

رابعًا: ادخلوها بنية ذبح الأضحية :
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا»[ الترمذي4/ 83)] .

فإذا دخل عشر ذي الحجة أمسك من أراد أن يضحي عن شعره ، وبشرته لقول حبيبنا صلي الله عليه وسلم ؛ أخرج مسلم عن أمنا أُمِّ سَلَمَةَ :أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:« إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ ‌وَأَرَادَ ‌أَحَدُكُمْ ‌أَنْ ‌يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا»(مسلم» (6/ 83) ، فمن عزم على أن يضحي كره له حلق شيء من شعره أو تقليم أظافره .

خامسًا: ندخلها بالصدقات،والإكثار منها المادية والمعنوية:
الكلمة الطيبة والبسمة معنوية والمادية معروفة ،عن طريق البذل والعطاء والإحسان للآخرين من المال وغيره، قال تعالى:﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ [سورة الحديد: 11].
فالمسلم يتفقّد أحوال الفقراء والمساكين واليتامى والمُحتاجين وسد حاجتهم، لا سيّما وأنّ موسم العيد فيه يحتاج الفقراء للطعام والملبس الجديد، وفي ذلك درْس في الإحساس وبث المشاعر الطيبة.

عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ ‌أَبِيهِ، عَنْ ‌جَدِّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: ‌فَيَعْمَلُ ‌بِيَدَيْهِ ‌فَيَنْفَعُ ‌نَفْسَهُ ‌وَيَتَصَدَّقُ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟
قَالَ: فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟

قَالَ: فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ، أَوْ قَالَ: بِالْمَعْرُوفِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ» (البخاري/8/ 11).

سادسًا: ادخلوها بالشفقة على المسلمين و إدخال السرور:
ومن أعظم الأعمال عند الله سرور تدخله على قلب مسلم، فقد غفر الله لامرأة بغي ودخلت الجنة بسبب إدخال السرور على كلب، وذلك عندما سقته الماء، فكيف إذا أدخلت السرور على اليتيم والأرملة والضعيف وذي الحاجة والملهوف والمستغيث…؟! عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن امرأة بَغِيا رأت كلبا في يوم حار يُطِيفُ ببئر، قد أدلع لسانه من العطش؛ فنزعت له مُوْقَها، فسقته بموقها، فغفر لها”(البخاري 54 /6/ 511).

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟

وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، ‌وَأَحَبُ ‌الْأَعْمَالِ ‌إِلَى ‌اللَّهِ ‌سُرُورٌ ‌تُدْخِلُهُ ‌عَلَى ‌مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ – يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ – شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَتَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ» (التوبيخ والتنبيه/ ص51) والطبراني في “الصغير” (861).

سابعا : ادخلوها بصِلة الأرحام:
صِلة الرّحم مِن الأمور الواجبة حُكمًا، والعظيمة أجرًا، عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ» انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ ‌تَدْخُلُوا ‌الْجَنَّةَ ‌بِسَلَامٍ “(الترمذي/ (4/ 264).حَدِيثٌ صَحِيحٌ

ثامناً : ادخلوها بشكر اللهِ على النِّعم :
علينا أن نشكر الله – تعالى – على أنْ بلَّغنا هذه العَشر الّتي هي مِن أفضل أيّام الدّهر، فإنّ شكرَه – سبحانه – على نعمه مِن أسباب زيادة الخير والتّوفيق إليه؛ قال – عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ‌رَبُّكُمْ ‌لَئِنْ ‌شَكَرْتُمْ ‌لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7) ﴾(إبراهيم /7).

وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ:” وَإِذْ قَالَ رَبُّكُمْ” وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) أَيْ ‌لَئِنْ ‌شَكَرْتُمْ ‌إِنْعَامِي ‌لَأَزِيدَنَّكُمْ ‌مِنْ ‌فَضْلِي. قال الْحَسَنُ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعْمَتِي لَأَزِيدَنَّكُمْ مِنْ طَاعَتِي.
قال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَئِنْ وَحَّدْتُمْ وَأَطَعْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ مِنَ الثَّوَابِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ، والآية تنص فِي أَنَّ الشُّكْرَ سَبَبُ الْمَزِيدِ، (تفسير القرطبي (9/ 343).
وحَقِيقَةُ الشُّكْرِ عَلَى هَذَا الِاعْتِرَافِ بِالنِّعْمَةِ لِلْمُنْعِمِ
.
تاسعاً: ادخلوها بأعمال خفية.. كالقيام لا تتركونه حتى تتورم أرجلكم، ولسان حالكم قول القائل: وعزتك وجلالك لا أعرف للراحة طعما حتى أذوق للقبول طعما.ادخلوها بمعتكف صغير في بيوتكم أو كبير في مساجدكم، فالاعتكاف لزوم والتصاق بباب الملك، وحيثما شعر القلب بمعناه فليعتكف.

قال – تعـالى – في أهل القيام: ﴿ {‌أَمَّنْ ‌هُوَ ‌قَانِتٌ ‌آنَاءَ ‌اللَّيْلِ ‌سَاجِدًا ‌وَقَائِمًا ‌يَحْذَرُ ‌الْآخِرَةَ ‌وَيَرْجُو ‌رَحْمَةَ ‌رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} ﴾[الزمر: 9].

وقد نُقل عن بعض العلماء : على استحباب قيام ليالي العشر الأوائل مِن ذي الحجّة ،وينسحبُ فضل الأيّامِ العشرعلى لياليها ، وإن لم يثبُتْ في فضلِ هذه الأخيرة شيءٌ خاصّ، فـالأيّامُ إذا أُطلِقَتْ دخلتْ فيها اللّيالي تبعًا، وكذلك اللّيالي تدخُلُ أيّامُها تبعًا. وقد أقسَمَ الله تعالى بلياليهِ فقال تعالى: ﴿ وَالْفَجْرِ (1) ‌وَلَيالٍ ‌عَشْرٍ (2) ﴾،(الفجر/2) وهذا يدلُّ على فضيلَةِ لياليهِ أيضًا.

عاشرا :ادخلوها بقلوب غافرة للمخلوق لتستقبل عفو الخالق.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ “، قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ” تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ “، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ” ‌أَنْ ‌تُحَاسَبَ ‌حِسَابًا ‌يَسِيرًا، ‌وَيُدْخِلَكَ ‌اللهُ ‌الْجَنَّةَ ‌بِرَحْمَتِهِ “» (السنن الكبرى – البيهقي/ (10/ 398).

فادخلوها العشر الأوائل من ذي الحجة بهذا كله وغيره من جميل الأعمال والنيات، فالمواسم الجليلة تحتاج لقربات جليلة ، فها نحن نتشمُّ رائحةَ الجنة ؛ وذلك بسبب كثرة الطاعات فيها لله، فأهلُ الطاعة في جنَّة التي مَن لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة .