فقه العبور: كيف تصقلنا تجارب الحياة؟


​بقلم: الأديب سيد الرشيدي

​إن الحياة، برحابتها وتقلباتها، ليست مجرد ممر للزمن، بل هي “جامعة المواقف” التي تمنحنا شهاداتها من خلال التجارب القاسية قبل اللطيفة. وفي هذه المدرسة الكبرى، لا نختار دائماً زملاء الدراسة، بل قد نجد أنفسنا مضطرين للتعامل مع “التافهين” أو أولئك الذين يفتقرون للعمق والجدية، وهنا يكمن الدرس الأهم في “فقه العبور”.

​ضرر التفاهة وضريبة التعامل
​إن التعامل مع الشخصيات السطحية ليس مجرد إهدار للوقت، بل هو تحدٍ حقيقي للثبات الأخلاقي والصفاء الذهني. تكمن خطورة هؤلاء في قدرتهم على جرك إلى ميادين لا تليق بطموحك، واستنزاف طاقاتك في توافه الأمور. ومع ذلك، فإن وجودهم في حياتنا يعمل كـ “مرآة عاكسة” تبرز لنا قيمة الرزانة والجوهر الأصيل.

​الحياة مدرسة لا تعترف بالأعمار
​إن الذي لا يتلمس العبرة من عثراته، ولا يقرأ الحكمة في الوجوه التي تقابله، سيظل “أميّاً” في فقه الحياة مهما بلغ من العلم. فالموقف هو المعلم الذي لا يحابي أحداً، والتجربة هي الاختبار الذي يسبق الشرح. نحن لا نتعلم من الكتب قدر ما نتعلم من:

​فن التغاضي: الذي نكتسبه عند الاصطدام بصغار العقول.
​صلابة الموقف: التي تنمو فينا بعد كل خذلان أو تجربة فاشلة.
​فرز الصحب: حيث تعلمنا التجارب أن الكيف يغلب الكم دائماً.

​إن مدرسة الحياة مفتوحة الأبواب، والناجح فيها ليس من لم يخطئ أو من تجنب المزعجين، بل هو من خرج من كل علاقة وكل موقف بحصيلة من الفهم. إن “فقه العبور” يقتضي منا أن نترفع بأرواحنا عن الصغائر، ونجعل من كل عقبة سلماً نحو نضج أعمق؛ فمن لم يتعلم من لدغة التجارب، لن تجدي معه نفعاً دروس المجلدات.