العقل الباطن بين تأثير المجتمع وحقيقة ما يريده الإنسان

بقلم : أ . يمنى محمد عاطف 

العقل الباطن وأثر الأفكار على سلوك الإنسان :

للأسف كثير من الناس يجهلون معنى العقل ووظائفه الحقيقية، مع أن فهم الإنسان لطبيعة عقله قد يكون سببًا في حل كثير من المشكلات النفسية والسلوكية والاجتماعية.

فالإنسان لا يتحرك فقط بجسده، بل تحركه أفكاره وقناعاته الداخلية. ولهذا نجد أن الرؤية غير الواضحة للحياة، وعدم تحديد الأهداف، يجعل الإنسان أكثر عرضة للخوف والتوتر والعصبية والانفعال الزائد. لأن العقل حين يفقد الاتجاه، يفقد معه الإنسان الشعور بالأمان الداخلي.

ومن هنا تأتي أهمية أن يكون للإنسان هدف واضح يعيش من أجله، وأعظم هدف يمكن أن يمنح الإنسان الطمأنينة الحقيقية هو رضا الله عز وجل؛ لأن الإنسان عندما يربط حياته بالله تصبح قراراته أكثر اتزانًا، وتقل داخله مشاعر الضياع والقلق.

والعقل يتأثر بكل ما يحيط بالإنسان؛ بالأصدقاء، والأسرة، والمجتمع، ووسائل الإعلام، والصور والمواقف اليومية. فكل هذه الأشياء تترك أثرًا نفسيًا وفكريًا قد ينعكس على طريقة التفكير والسلوك دون أن يشعر الإنسان.
ولهذا فإن العزلة المؤقتة أحيانًا، والابتعاد عن الضوضاء، يساعدان الإنسان على فهم نفسه بصورة أوضح بعيدًا عن التأثيرات الخارجية المستمرة.

كما أن الكتابة تُعد من الوسائل المهمة لترتيب الأفكار وتنظيم المشاعر؛ لأنها تجعل الإنسان يرى ما بداخله بصورة أوضح. فالإنسان أحيانًا يحمل أفكارًا كثيرة ومشاعر متداخلة، لكن عندما يكتبها يبدأ عقله في إعادة ترتيبها وتحليلها بطريقة أكثر هدوءًا وواقعية.

فالتفكير يؤثر على السلوك، والسلوك يؤثر على المشاعر، ومع تكرار الأفكار تتشكل داخل الإنسان صور ذهنية قد تدفعه إلى أفعال معينة، سواء كانت نافعة أو ضارة. ولذلك فإن الإنسان يحتاج دائمًا إلى مراقبة أفكاره، لأن بعض ما يظنه رغبات حقيقية قد يكون مجرد تأثيرات خارجية أو صورًا وهمية صنعها المجتمع من حوله.

وأحيانًا يتوقف الإنسان عن التغيير لأنه يعيش داخل أفكار لا تناسب واقعه أو إمكانياته أو احتياجاته الحقيقية، فيدخل في حالة من التشتت وفقدان الإنتاجية وربما يصل إلى نتائج عكس ما يتمناه.

لذلك تبقى الكتابة والتأمل ومراجعة النفس من الوسائل المهمة التي تساعد الإنسان على التركيز وفهم ذاته بصورة أعمق، خاصة عندما يقترن ذلك بالقرب من الله تعالى، والهدوء الداخلي، وإعادة ترتيب الأولويات بعيدًا عن ضجيج الحياة وتأثيرات الآخرين