همس التراب.. وذاكرة الزيتون
15 مايو، 2026
بناء وتنمية الذات

بقلم: د. تاليا عراوي عضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان
تتوالى الفصول واحداً تلو الآخر، فأقف متسائلة: أهذا شكلٌ من أشكال المراوغة إذ تستمر في تدافعها رغم كل المآسي التي تحيط بنا، أم أنها معلّم صامت يخبرنا بأن الحياة تمضي، وأن بعد كل عسرٍ يسراً وسلاماً؟ لقد اعتدنا وجود الطبيعة حتى ألفناها وغفلنا عنها، والحق أن الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم قد أشار إلى أن استيقاظنا كل يوم ونحن ندرك أن الشمس ستشرق من الشرق إنما يعود إلى استمرارية الطبيعة في نسقها الموحد؛ فبمجرد أن يتوقف هذا الانتظام، سنسلك مساراً مختلفاً تماماً. ولعل هذا ما يتقاطع مع ما أخبرنا به الإسلام، بأن الشمس حين تغير مغربها ومشرقها، تكون تلك علامة حلول نهاية الزمان.
يُسافر بي الخيالُ بعيداً نحو “سدرة المنتهى”، حيث يقف العقلُ عاجزاً عن الإدراك، وتتوه البصيرةُ في جلالِ مشهدٍ يفوق حدود التمام. هناك، حيث ينتهي عِلم الخلائق وتبدأ أسرار الغيب، أجدني أحاول رسم ملامحها في ذهني فلا أفلح، وكأنها عصيةٌ على التجسيد إلا بالدهشة. ومن تلك الآفاق البعيدة، تهبط أفكاري لتستقر على أرضنا هذه، وتتأمل في صورة “الشجرة الطيبة”؛ ذاك النموذج الذي يجعل من الثبات في الأرض شرطاً للتحليق في السماء. فهي تمثل التوازن الأكمل لحياة الإنسان؛ أن نضرب بجذورنا في قيمنا وتاريخنا وإخلاصنا، لننال تلك المتانة التي تمنح أرواحنا وعقولنا القدرة على الارتقاء. إن الحديقة تهمس لنا دوماً بأننا لسنا أسياداً لهذه الأرض، بل نحن عابرون استُخلفنا فيها، وفي فعل الزراعة نبلٌ مدهشٌ ينكر الذات؛ فنحن نسكب أعمارنا في رعاية أشجار قد لا نجلس أبداً في ظلها، ولا نتذوق يوماً حلاوة ثمارها.
ويفيض هذا المعنى صدقاً في قصة الصحابي أبي الدرداء، حين رآه رجلٌ وهو يغرس شجرة زيتون وقد أثقله الكبر، فسأله مستغرباً عن جدوى غرسها وهي لن تثمر إلا بعد سنوات طويلة، فأجابه بيقين يسكن القلوب: “ما عليّ أن يكون لي أجرها ولغيري ثمرها”. إن هذا الموقف يمثل الدرس الأسمى في الأمل، فهو فعل إيمان يتجاوز حدود الزمن الضيقة، والتزامٌ بإرثٍ يعبر أعمارنا الشخصية المحدودة؛ فنحن في الواقع نمارس هذا الغرس الجميل في تفاصيل حياتنا اليومية دون أن نلتفت، فحين نعلّم طفلاً، نحن نغرس بذوراً في عقل سيغدو يوماً بالغاً يخدم مجتمعاً ربما لن نكون فيه، وعندما نكتب كلماتنا أو نرسم لوحاتنا، فنحن نترك أثراً يبقى نابضاً بالحياة حتى بعد رحيلنا، تماماً كما تظل اللوحات نافذة للجمال يحيا فيها الفنان رغم غيابه عن الأرض. إنها فلسفة العطاء المستمر التي تعلمنا أنه مهما كان الوقت متأخراً، وحتى لو أذنت الساعة بالرحيل، فما دامت في اليد فسيلة، فلا بد أن تُغرس لتزهر في عمرٍ آخر.
ولعل في هذا الإصرار صدىً لتلك الرحمة المحمدية التي لم تبصر في النبات مجرد كائن صامت، بل كائناً يضج بالتسبيح ما دام ينبض بالحياة؛ تماماً كما فعل الرسول الكريم حين وضع جريدتين رطبتين على قبرين، لعل الله يخفف عنهما ما دامتا تسبحان. إنه إدراكٌ وجداني عميق بأن خضرة النبات هي صلاةٌ ممتدة، وأن غرسنا في الأرض ليس مجرد زراعة، بل هو استحضار للسكينة والرحمة حتى في أكثر الأماكن صمتاً ووحشة؛ فكل ورقة خضراء هي تسبيحة تلامس روح الوجود، وتستنزل اللطف على من رحلوا ومن بقوا على حد سواء. . بل إن هذا الاتصال الروحي بلغ مداه حين بكى جذع الشجرة وشقّ صمته بالأنين شوقاً ووجداً حين فارقه النبي ﷺ ليعتلي المنبر، فلم يهدأ روع ذلك الجذع ولم يسكن نحيبه إلا حين احتضنه الرسول ﷺ وربت عليه، في مشهدٍ يبرهن أن بين الإنسان والنبات لغةً من المودة والوفاء تفوق الإدراك.
حين تستغرقُ أصابعي العارية في غمرة التربة الباردة والداكنة، أجدني في مواجهةٍ صريحة مع الحقيقة الكبرى: أن النموَّ صلاةٌ صامتة، وفعلٌ لا يُرى. ولسببٍ غريبٍ أجهله، تظلُّ قفازات الحديقة ملقاةً بجانبي، ترقبني بنظراتٍ صامتة، فأختارُ أن أتجاهلها تماماً؛ لا أدري لِمَ، لكنني أشعرُ برغبةٍ جامحة في ملامسة الأرض بيدي العاريتين، فثمة سرٌّ مكنون في طيات الثرى يرفضُ الحواجز، يحتاجُ ملامسة كفي كي يفضِي إليَّ بشجونه، ولأتمكنَ أنا من الإنصاتِ لتراتيله بصدق؛ فالمادةُ العازلةُ هنا لا تحجبُ الطين فحسب، بل تحجبُ الحقيقة.
إن الشعور بخشونة الحبيبات تحت جلدي، ورطوبة الأرض التي تختزنُ أنفاسَ الراحلين وأحلامَ القادمين، وتلك الرائحة النديّة العميقة التي تفوحُ كأنها زفيرُ الأرض بعد صمتٍ طويل؛ تلك الرائحة التي تعيدنا حتماً إلى طينتنا الأولى، كلها تفاصيلُ تنسجُ حواراً سرمدياً يتجاوزُ ضيقَ اللغات. إنه نبضُ الحديقةِ الخفيّ حين يصافحُ نبضي؛ اتصالٌ حسيّ وعشرةٌ لمسية تشاركني فيها الأرض أسرارها، فأستعيدُ بها ما تشتتَ من أسراري في صخبِ الأيام.
هذا الرابط المادي يأخذني برفق من صخب انشغالاتي المهنية ليعيدني إلى حضن الأرض. في تلك اللحظة، يتجلى لي خاطرٌ عذب: نحن وهذه الأرض حكاية واحدة، وكل بذرة نودعها باطن الثرى، هي بصمةُ حياةٍ نتركها في جوهر أنفسنا.
بينما أتأمل أشجار الزيتون، تصبح الدروس أكثر دقة وعمقاً وضاربة في القدم. إن لمس جذع الزيتونة المتعرج والملتوي هو بمثابة لمس نصب تذكاري حي لحكمة الندوب؛ فهذه التجاويف العميقة واللحاء الخشن ليست علامات اضمحلال، بل هي السجل المادي للنجاة في وجه العواصف.
تزدهر شجرة الزيتون في التربة الصخرية الفقيرة حيث تذبل النباتات الأخرى، لتثبت أن القوة تُصاغ في أتون الحاجة لا في رغد الرفاهية. فلا عجب أن يتحدث عنها الشاعر الفلسطيني درويش بمثل هذه الكثافة؛ فبالنسبة له، لم تكن هذه الشجرة مجرد نبات، بل كانت قريبة وشاهدة وكياناً سيادياً يعكس هوية الأرض وأهلها. لقد سما بها من مجرد كائن نباتي إلى شخصية محورية في مقاومته الشعرية والفلسفية، إذ يقول :” شجرة الزيتون لا تبكي ولا تضحك.. هي سيدة السفوح المحتشمة. بظلها تغطي ساقها، ولا تخلع أوراقها أمام عاصفة. تقف كأنها جالسة، وتجلس كأنها واقفة” وأيضاً “لو يذكُر الزيتون غارسه لصار الزيت دمعاً”.
والزيتونة في طبيعتها مُرّة، لا يسيغها المذاق حتى تخضع لضغط المعصرة أو لصبر النقع في الملح، وحينها فقط تطلق زيتها؛ تلك المادة التي خدمت البشرية لآلاف السنين كنور للمصباح وشفاء للجراح. والعبرة هنا جلية: إن مرارتنا والضغوط التي نواجهها غالباً ما تكون هي المحفزات التي تهذب شخصياتنا وتحولها إلى شيء يمكنه أن يمنح الضوء للآخرين. وهناك أيضاً تلك الزهور التي، في اللحظة التي تسبق الغروب تماماً، تطوي بتلاتها بعناية؛ فهل تراه هو وقت هجوعها؟ أم هو وقت صلاتها؟ هل هو انغلاقُ بتلاتها الرقيقة وحواسها المرهفة خجلاً وذعراً من الفظائع التي يقترفها البشر بحماقتهم؟ أم تراهُ الملاذ الذي تفرُّ إليه من صخب الوجود، لتنشد السكينة في محراب التأمل بخالقها؟
أستحضر هنا المفهوم الإسلامي “للشجرة الطيبة”، تلك الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ فهي تمثل التوازن الأمثل في حياة الإنسان، أن يكون المرء متجذراً في قيمه وتاريخه وإخلاصه لدرجة تمنحه المتانة البنيوية للارتقاء نحو سماوات الفكر والروح. إن الحديقة تعمل كذكرى لنا بأننا لسنا أسياداً لهذه الأرض، بل نحن مستخلفون فيها، وثمة استمرارية تتسم بنكران الذات في فعل الزراعة؛ فنحن نعتني بأشجار قد لا نجلس أبداً في ظلها، ولا نتذوق ثمارها يوماً.
وتعود بي الذاكرة إلى أيام الطفولة، حين كانت جدتي تقصّ علينا بحبٍ أن ليلة القدر إذا حلت ، سجد كل شيء للخالق، بما في ذلك الأشجار؛ ففي يقيننا، كانت تلك الأشجار كائنات حية تحمل أسراراً لا يعلمها إلا الله، لذا كنا نضع عملة معدنية فوق غصن شجرة، ثم نهرع في الصباح لنتفقدها، ظناً منا أن سجودها سيُسقط تلك العملة ويمنحنا بركتها. وقد تعمق هذا الربط الروحي بفضل الأم التي علمتنا أن نحاور النباتات ونعاملها برفق، فكانت تضع لها موسيقى هادئة وجميلة حين ترويها، وهو إرث لا نزال نحافظ عليه بوفاء. اليوم، حين أتذكّر ذلك الماضي، وأتأمّل هذه النباتات في ورشة الاعتناء الربيعية التي أقوم بها سنويًّا، أشعر بأنّها، ببتلاتها وأغصانها وأوراقها النضرة، ربما تخبر ربّ العالمين عن اليد التي غرست وكبّرت وأحبّت وأروت. أتخيّلها اليوم ترسل إلى والدتي حبّها، وربما نفحاتٍ من جنّات النعيم.
جعل القرآن الكريم من الخضرة والزرع آيات من آيات الله المبهرة، فالله هو فالق الحب والنوى، وهو الذي أنبتنا من الأرض نباتا، وضرب لنا المثل بالكلمة الطيبة كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ليعلمنا أن المؤمن كالزرع في نماء مستمر وعطاء متجدد، وأن عمارة الأرض بالخضرة هي عبادة وتسبيح صامت. إن النبات والشجر يسجدان لخالقهما، وكل بذرة نضعها في جوف الأرض هي صلة وصل بيننا وبين الملكوت، ودليل على أن الحياة، بجمالها وعطائها، هي أمانة مقدسة بين أيدينا.
ومع بداية مغيب الشمس، وبينما أغسل أخيراً آثار التربة عن يديّ، أدرك أن الحديقة قد أعادت مرة أخرى ضبط إيقاع روحي؛ فقد استبدلت وتيرة العالم المتسارعة بالانضباط المتناغم لصيرورة النمو لتعلمني أن الصمود ليس قوة صاخبة أو عدوانية، بل هو دفع هادئ ومستمر نحو الشمس. نحن جميعاً مشاريع لم تكتمل بعد، بذور في الظلام، وجذوع في مهب الريح، وأغصان تتوق للوصول إلى جلال الخالق. وإذا ما أصغينا جيداً لما يهمس ب الترتب لأيدينا العارية، فسنتعلم أنه ما دامت جذورنا عميقة ووجوهنا متجهة نحو الضوء، فإن حياتنا ستثمر دوماً في موسمها المقدس الخاص.
وهنا، أتذكر جلال الدين الرومي وهو يعلمنا أن الحب الإلهي هو المحرك الخفي لكل نمو؛ فكما تتفتح الوردة بفضل الهمسات الإلهية، تتفتح القلوب للحب والجمال. وأتذكر قوله بأن أفكارنا هي التي تشكل عالمنا؛ فإذا كانت الأفكار جميلة، غدا الكيان نفسه بستاناً من الورود وإن الوردة تظل مبتسمة ليس بتفريد بتلاتها فحسب بل بوجودها كله، حتى وإن تمزقت، وفي ذلك رمزية عميقة للقوة الروحية التي لا تُهزم. ولعل أروع ما قاله هو أن الجوهر الأندر للوردة يكمن في الشوك، مما يوحي بأن الجمال والنضج يخرجان غالباً من رحم الألم والشدائد، وأن الأرض الصخرية القاسية لا يمكن للربيع أن ينبت فيها حديقة، لذا يحث الإنسان أن يتحول إلى تراب، أن يتواضع ويلين، لكي تنمو فيه زهور بألوان شتى. إن الطواف في حقول الورد ليس مجرد نزهة، بل هو استحقاقٌ لا يناله إلا من انتزع أشواك القسوة من أعماقه؛ فالمسافة بيننا وبين الجمال تبدأ دائماً بتصالحنا مع ذواتنا. لذا، علينا أن نؤمن بقدسية المسار ولا نستعجل قطاف الأرواح قبل نضجها؛ فكما تترقب الزهرة قُبلة الشمس في ميعادها المقدر، تتفتح الروح الإنسانية حتماً حين يكتمل نورها الداخلي.
في هذا الكون الفسيح، يظل الدرس الأبدي هامساً في آذاننا: ارفع كلماتك لا صوتك، فالمطر هو الذي يُنبت الزهور لا الرعد. وكما تفتح السماءُ في كل ليلة أزهار نجومها بصمتٍ مهيب، يبقى السلام اللامتناهي نصيب من أدرك الحقيقة الكبرى: أن السر الذي هُمِس به للوردة لتتفتح، هو ذاته اللحن الخفي الذي يُحيي الوجود في كل حين، ويجعل من الحياة، رغم آلامها، قصيدةً تستحق أن تُعاش .. أو ربما ملحمةً تستحق أن تُروى.