
بقلم الاستاذ الدكتور: نعيم شرف العميد السابق لكليةالدراسات الإسلاميةوالعربية بجامعة الأزهر
لماذا أضحت البيوت المصرية زجاجية بعدما كانت فولاذية؟
تراجعت في السنوات الأخيرة القيم الأصيلة من المجتمع المصري وبيوته التي أصبحت – في كثير منها- زجاجية بعدما كانت فولاذية؛ حيث حَلَّت النذالة والخِسَّة مَحَلَّ الشهامة والمروءة والرجولة، وحَلَّ الازدراء والاحتقار والامتهان محل الاحترام والتوقير والتبجيل، والهيبة والوقار، وحلّ الكذب والخِداع والدجل والبهتان والتضليل والتزييف والنَّصب، والمراوغة، مَحَلّ الصدق والنزاهة والصراحة، وحلّ الغِش والتدليس والمكر والخيانة محلّ النزاهة والعفة والاستقامة والأمانة، وحَلَّت الوقاحة والبذاءة والصفاقة والسفاهة محل الحياء والخجل والاحتشام والعَفاف، وحلّ العقوق والجحود والجفاء وقطع الرحم محل البر بالوالدين وتوقيرهما ورعايتهما والإحسان إليهما، وحلّ التفكك، وسوء التواصل، وغياب الحوار العاطفي محل الترابط الأسري، وحلَّ الاستخفاف وسوء الأدب محل احترام الكبير وتقديره وتكريمه، وحَلَّ الجَوْر والظلم والبَغْي والتَّعسُّف والطُّغْيان والإجحاف مَحَلَّ العدل والحق والاستقامة، وحل النكث والحنث والغدر محل الوفاء بالعهد والوعد..
إلى غير ذلك مما طرأ على حياتنا في العصر الحاضر من تغير واضح في السلوك الاجتماعي والأخلاقي عند كثير من أفراد المجتمع، وهذا التحول الخبيث الذي دخل على منظومة القيم الأصيلة، وأدى إلى تفتيت الأسرةبل المجتمع إنما يعود إلى أسباب عديدة وفتن كثيرة، أبرزها يتعلق بعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية، وأهمها هو الذي يتعلق بالمال، والشهوات، ونشر الرذائل، وعدم الرضا والقناعة، وتراجع دور الأسرة، والضغوط المعيشية، وغياب القدوة الصالحة، والعولمة، والأعمال الدرامية التي تعتمد على البلطجة، والسلوك الإجرامي، والانفلات الأخلاقي، وضعف الوازع الديني.. هذه هي أهم العوامل التي تسببت في الانهيار السريع لمنظومة العادات والتقاليد والقيم الأخلاقية الأصيلة التي نشأنا عليها في المجتمعات العربية والإسلامية.
والغريب الذي يدعو للدهشة أن تلكم السلوكيات الخبيثة قد تشرّبها كثير من أفراد المجتمع، وأصبحت هي المُحرِّك المعتاد الذي يُقَيِّم السلوكيات العامة في ضوء المستجدات الأخلاقية الخبيثة، حتى أضحت الخبيثات مرجعية ثقافية يعللون لها بالواقعية، أو بمواكبة متغيرات العصر، أو تمشيا مع العولمة..
إن التغير أو التحول سمة من سمات المجتمعات البشرية، بل هو سنة من سنن الحياة، التي تعكس الظروف المحيطة بالسياق الاجتماعي والثقافي والسياسي والإعلامي، لكن هناك تغيرا محمودا وآخر مذموما، ونحن الآن نمر بتحول سريع في حياتنا الاجتماعية والخُلُقية يُعَدُّ –في اعتقادي- أسوأ تغيير عرفه المصريون منذ العهد القديم؛ حيث كان التغير في العصور السالفة -على أكثر تقدير- ينتقل من حضارة عريقة بمعظم ألوان التقدم والرقي إلى حياة يشوبها التخلف والفقر، ولكنه مع ذلك كان يحتفظ بالمبادي والأخلاق والالتزام بتعاليم الإسلام، أما الآن فبئس التغيير هو ما نمر به الآن؛ حيث تلاشت عند كثير من أفراد المجتمع المُثُل العليا، والمبادئ، والعادات، كما انتشر بينهم كثير من المحرمات والرذائل؛ كسفك الدماء، والانتحار، والكذب، والخيانة، وهتك العِرْض، والسرقة، والروتين، والنفاق.. إلى غير ذلك من ألوان التغير الأليم؛
ورحم الله تعالى أمير الشعراء، أحمد شوقي الذي قال:
إنما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ ** فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُمْ ذَهَبُوا
نسمع عن كثير من الذين يتولون المناصب العليا، -بعد أن كانوا من بين الصعاليك- حين يسارعون قبل فوات الأوان أو قبل أن يتركوا مناصبهم -إلى جمع المال، وتلقي الرشاوى، واحتكار السلع، وحيازة الأراضي، وأفخم السيارات، وإشادة الفلل والقصور والأبراج، وما شيدوا -لو يعلمون- إلا قبورا دفنوا فيها ضمائرهم وسعادتهم ومستقبل أُسَرِهِم، وأبنائهم من بعدهم.
ومما يجعل الخَطْب أفظع، والمصاب أجَلّ أن هذا التغيير البغيض لم يشمل فقط الجيل الجديد بل استطاع أن يؤثر في نفوس كثير من أفراد الجيل القديم، الذين كانوا يحترمون عاداتهم وأخلاقهم، ثم صاروا الآن لا يهتمون بتلك الأمور؛ معتقدين أنها لاتصل بهم إلى الغنى والثراء، فالعجب أن الناس هم الناس، ولكن أحوالهم هي التي تنَكَّرت وتبدلت، ومثل ذلككمثل القُرْط الذهبي تأخذه صاحبته إلى الصائغ ليصوغ لها منه قُرطا آخر، فيأخذه الصائغ ويصهره ثم يصوغ منه قرطا له شكل آخر، فالقرط المصوغ هو الأول؛ لأن المادة الذهبية واحدة، إلا أن الصياغة تغيرت،
ولقد أحسن الشاعر القديم الذي قال:
فلا الناس بالناس الذين عهدتهم ** ولا الدار بالدار التي كنت أعرف
فرحم الله هذا الشاعر! وكيف لو أدرك زماننا هذا؟! بعد أن استشرى الفساد في النفوس، حتى النفوس الطيبة ما لبثت أن جرفها التيار
لعل المال هو أهم الدوافع التي دعت إلي هذا التحول الخطير؛ حيث إن المال في هذا الزمان العجيب يلعب دورا خطيرا وبارزا في تدهور أخلاق الناس ومعاملاتهم، بل في السياسة العامة بين البشر، فالمال هو المقياس اللعين لمقاييس البشر في هذا الزمان؛ إذ به يصير الجاهل عالما، والعجوز شابا يافعا عند الفتاة التي لم تتجاوز العشرين، والمال هو الديمقراطية لمن يُقْرَع بالعصا، وهو العدل ولا عدل غيره، وهو الكرامة، ومن دونه المهانة والتحقير، وهو الأمن والأمان، وبعدمه يتولد الخوف والتهديد وفقدان الاستقرار، والمال هو القوة لمن كان ضعيفا، والقدرة لمن كان عاجزا، وهو الخير كله، بل هو الحياة، ولاحياة لمن ليس له مال..!.
أين ذلك كله من حياة أجدادنا الهادئة التي كانت تقتنع بالقليل، بل بأقل القليل، ومع ذلك كانوا ينعمون بالسعادة والصحة، ويتفقون في الآراء والعادات والتقاليد، وكان الصغير يحترم الكبير، ويعطف الأخير على الصغير
لقد هَبَّتْ علينا رياح المدنية الغربية الحديثة؛ فتهالكنا وتكالبنا عليها، ولم نقف موقف الناقد البصير، فنستثمرها ونحسن القيام عليها، أو نمجها، ولا نعمل بها، فمثلا إذا هم أرسلوا إلينا مسلسلا تليفيزيونيا هو في أصله لا يدعو إلا إلى ارتكاب الأثام والدعارة وتفتيت القيم والمبادئ الشرقية الأصيلة، فإنه يجب على القائمين بذلك الجهاز الخطير منعه وعدم عرضه، وإذا هم عرضوه فيجب على رب الأسرة منعها من مشاهدته؛ لأن الواضح من ذلك أنها عملية مقصودة تهدف إلى هدم الأسرة وتفتيت الجماعة والمجتمع من خلال تلك النماذج المنحرفة التي تتصدر المشهد وتهيمن على الساحة، رغم افتقارها لأي حصيلة قيمية، أو مخزون أخلاقي إنساني
هذا وليس كل ما قذف به الغرب إلينا سيئا؛ إذ إن جُلَّه قد نادى به ديننا الحنيف وشريعتنا السمحاء، ولكننا في غفلة عن ذلك، فالجدية في العمل والإنتاج والتقدم التكنولوجي والتصدى للجريمة والحكم فيها سريعا، لا بتأجيلها سنوات عديدة، والبِرّ بالوالدين، واحترام الكبير، والمواعيد.. إلى غير ذلك مما هو نابع من تعاليم الإسلام السمحة، وقد نادى به القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة
لكن على الرغم من قتامة المشهد، وما نعيشه من حاضر متخلف، ومستقبل مظلم ينتظره المجتمع المصرى بل الشعوب العربية، تظل إمكانية الإصلاح قائمة؛ فالوقت لم يفت لإصلاح انهيار القيم، المهم أن نسعى إلى ذلك بالاستيقاظ من ثباتنا العميق؛ وذلك من خلال عدد من المحاور، يأتي في مقدمتها:
الحوار البناء، والتخطيط الجيد، وتكاتف الجهود، واتباع القدوة الصالحة والنماذج الإيجابية المشرفة، والرقابة الواعية، وتوسيع دائرة الخطاب الديني المعتدل، في ضوء الالتزام بتعاليم الإسلام، وبتقاليدنا الشرقية الموروثة، وخير من يقوم بهذا الدور الكبير هو مؤسسة الأزهر الشريف جامعا وجامعة ومعاهد دينية، فالأزهر الشريف هو منارة العلم والإسلام والمسلمين، وهو الذي يكشف عن الانحرافات الفكرية والسلوكية، ويتصدى -على مَرِّ الزمان وكَرِّ الدهور- لشبهات الملاحِدة، والزنادقة، والمرتدين، والمارقين، وغيرهم..
والأزهر الشريف يلتزم بكتاب الله تعالى القرآن الكريم، وسنة سيدنا محمد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو الذي ينشر الفهم الصحيح عن الإسلام، ويحافظ على ثوابته ومبادئه، من دون أن يتعصب لمذهب أو لإمام من الأئمة.. الأزهر الشريف يمثل وسطية الإسلام، والفهم المعتدل المبني على الحوار الهادف والمناقشات الإيجابية..
لذلك كله يجب أن نمج كل ما يخالف ذلك، تحت شعار الحرية، أو التقدم، أو التجديد، أو التقليد، أو (الإتيكيت) أو تحت أي مسمى آخر؛ لأن ذلك لن يتولد عنه سوى استشراء الفساد، وتفَتّك الأسر والمجتمعات، فاللهم انفث في نفوسنا نارا تَنْهَى عدونا أن يظن بنا التسليم لطغيانه، واجعل الشهادة في سبيلك غايتنا، واستمنحك يا ربي الهداية والتوفيق للصواب، وأن تجنبنا الزلل والهوى في الرأي والتقدير، وأن تنفع بهذه الكلمة العرب والمسلمين، لك العزة في السموات والأرض، وأنت نعم المولى ونعم النصير.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف