منهج الدكتور سعد الدين الهلالي في طـرح المسائـل


بقلم: الشيخ محمد هاشم

ليس كلُّ التُّراثِ حُجَّة: إهمالٌ عِلميٌّ لا إخفاء

في بادئِ الأمرِ، فإنَّ الدُّكتورَ سعدَ الدِّينِ الهلاليَّ من علماءِ الأزهرِ الشريف، ولا شكَّ أنَّه صاحبُ علمٍ في مجالِ الفقهِ المقارن.

لكنَّه – في الفترةِ الأخيرة – بدأ يطرحُ بعضَ المسائلِ بطريقةٍ تُخالِفُ المنهجَ العلميَّ المستقرَّ عند أهلِ الاختصاص.

تمهيدٌ منهجيّ: بينَ طَلَبَةِ العِلمِ والعامَّة

قد يَتساءلُ بعضُ الناس: لِماذا يُدرَّسُ لطلبةِ العلمِ ما لا يُطرَحُ للعامة؟

والجوابُ: أنَّ المسائلَ الفقهيَّةَ لا تَصِلُ إلى صورتِها المعتمدةِ ابتداءً، بل تمرُّ بمراحلَ من البحثِ والنظرِ والمناقشة، حتى تستقرَّ على القولِ الراجحِ أو الصحيح الذي يُفتى به.
وطلبةُ العلمِ يدرسون هذه المراحلَ كلَّها؛ ليَفهموا كيف نضجتِ المسألةُ، وكيف رُجِّحَ أو صحح بعضُ الأقوالِ على بعضٍ، وهذا من صميمِ التكوينِ العلميِّ.

أمَّا العامَّةُ، فإنما يُخاطَبون بما استقرَّ عليه العملُ، وما تبيَّن رجحانُه؛ لأنَّ المقصودَ في حقِّهم هو التطبيقُ والعمل، لا تتبُّعُ مساراتِ الخلافِ وتفاصيلِه.

ومن هنا، فإنَّ طرحَ جميعِ مراحلِ المسألةِ أمامَ العامَّة، دون بيانِ ما استقرَّ عليه الحكمُ، قد يُوقِعُ في اللبسِ والاضطراب.

ويُمكن تلخيصُ منهجِ الطرحِ – في هذا السياق – أن ما يقوم به الدكتور سعد الدين الهلالي يعود بنا إلى مربع الصفر ويطرح المسألة في طورها الأول ويمكن حصر منهجه في ثلاثِ طرقٍ:

🔹 الطَّريقةُ الأُولى: إرجاعُ المسألةِ إلى الحالةِ الصِّفريَّة

يقومُ – في كثيرٍ من طرحِه – بإرجاعِ المسألةِ الفقهيَّةِ إلى بداياتِها الأولى، متجاوزًا ما مرَّت به من مراحلَ طويلةٍ من التمحيصِ والتدقيق، حتى استقرَّ رأيُ العلماءِ فيها على قولٍ مُعتمدٍ يُفتى به للعامة.

ومعلومٌ أنَّ عرضَ هذه المراحلِ التفصيليَّة إنما يكونُ لطلبةِ العلم، لا لطرحِها للعامة على هيئةِ خياراتٍ مفتوحة.
ومن ثَمَّ، فإنَّ إعادةَ طرحِ هذه المسائلِ من بدايتِها أمامَ العامَّة تُحدِثُ بلبلةً، وتُفاجئُ الناسَ بأقوالٍ لم يألفوها، فينشأُ عن ذلك جدلٌ واضطراب.

🔹 الطَّريقةُ الثانية: الاعتمادُ على شواردِ الفتاوى والانفرادات

ومن أبرزِ ملامحِ هذا المنهجِ: إحياءُ بعضِ الأقوالِ الشاذَّة أو النادرة، التي لم يجرِ العملُ بها عند أهلِ العلم.

وهنا ينبغي التأكيدُ على حقيقةٍ مهمَّة:

أنَّ هذه الأقوالَ لم تُهمَل إهمالَ إخفاءٍ أو كتمان، بل قد خضعت لمناقشةٍ علميَّةٍ دقيقةٍ، وبُحثت في مظانِّها، ثم رُجِّحَ خلافُها، وتُرِكَ العملُ بها؛ لضعفِ دليلِها، أو لمخالفتِها لما هو أقوى منها.

🔸 ومن الأمثلة على ذلك:
ما نُقِلَ من بعضِ الأقوالِ في إباحةِ بعضِ صورِ الرِّبا بتأويلاتٍ ضعيفةٍ، وقد ناقشها العلماءُ وردُّوها، واستقرَّ الإجماعُ العمليُّ على تحريمِها.

وبعضُ الأقوالِ في إسقاطِ بعضِ شروطِ النكاح أو التوسُّعِ فيها توسُّعًا لا دليلَ عليه، وقد بيَّن الفقهاءُ ضعفَها، ولم يُفتوا بها.

وما وُجِدَ من آراءٍ نادرةٍ في بعضِ أبوابِ العبادات، كالاكتفاءِ بأقوالٍ شاذَّةٍ في الطهارةِ أو الصلاة، وقد بيَّن الأئمَّةُ عللَها، وتركوا العملَ بها.

فهذه الأقوالُ وأمثالُها لم تُحذَف من كتبِ التراث، بل هي مذكورةٌ ومُبيَّنٌ ضعفُها، ليطَّلعَ عليها طالبُ العلمِ، ويقفَ على سببِ ردِّها.

فإهمالُها كان إهمالَ تقييمٍ علميٍّ، لا إهمالَ طمسٍ أو إخفاء.

ومن هنا، فإنَّ إعادةَ طرحِ هذه الأقوالِ على العامَّة، مجرَّدةً عن سياقِها النقديِّ، يُوهِمُ أنَّها أقوالٌ معتبرةٌ مُهمَلة، أو أنَّ في التُّراثِ ما قد أُخفي عمدًا، وهذا غيرُ صحيح.

🔹 الطَّريقةُ الثالثة: تعميمُ الخاصِّ وإطلاقُ المقيَّد

ومن الأساليبِ التي تُلحظُ أيضًا: توسيعُ دائرةِ بعضِ الوقائعِ الخاصَّة، وإلباسُها ثوبَ العموم، أو نقلُ الأحكامِ المقيَّدةِ إلى الإطلاق، دون مراعاةِ ضوابطِ الفقهِ في التفريقِ بين العامِّ والخاصِّ، والمطلقِ والمقيَّد.

وهذا المسلكُ يُفضي إلى نتائجَ غيرِ منضبطة، ويُسهمُ في تقديمِ صورةٍ غيرِ دقيقةٍ عن الأحكامِ الشرعيَّة.

🔹 الخلاصة
إنَّ المنهجَ العلميَّ في طرحِ المسائلِ الشرعيَّة يقومُ على:
مراعاةِ مستوياتِ المتلقِّين
والتمييزِ بين ما يُدرَّسُ لأهلِ الاختصاص، وما يُفتى به للعامة
وبيانِ الأقوالِ مع تقويمِها وترجيحِ الصحيحِ منها
فليس كلُّ ما في التُّراثِ يُعملُ به، ولا كلُّ ما تُرِكَ كان إخفاءً له،
بل إنَّ كثيرًا منه قد نُوقِشَ، ومُحِّصَ، ثم تُرِكَ عن بيِّنةٍ وعلم.