حين تكون الصدقة نجاةً للفقير وفوزًا للمتصدق
4 يوليو، 2026
منبر الدعاة

بقلم الشيخ مصطفى أحمد مصطفى
إنَّ من قرأ القرآن الكريم، وتدبَّر معانيه، وفهم مراده، وأمعن النظر في آياته، وجد أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الصدقة من أجلِّ الأعمال وأعظم القربات، وكذلك الزكاة، إلا أن الصدقة بابٌ واسع من أبواب الخير، وهي من أفضل الأعمال الصالحة التي تُنجي العبد يوم القيامة.
ولذلك نجد أن معظم من يتمنَّون الرجوع إلى الدنيا يوم القيامة يكون سبب أمنيتهم هو الإكثار من الصدقة. قال الله تعالى:
﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وعندما نتأمل هذه الآية الكريمة نجد أن الإنسان الذي قصَّر في عمل الصالحات يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليكثر من الصدقة، لما رأى من عظيم أثرها وثوابها عند الله تعالى.
وفي أيامنا هذه نجد أن كثيرًا من الناس يقتصرون على أداء الزكاة المفروضة كل عام، ويغفلون عن فضل الصدقة، مع أنها باب عظيم من أبواب النجاة في الآخرة. فالصدقة التي تعطيها لسائلٍ إذا سأل، أو لمسكينٍ متعفف، أو لفقيرٍ لا يحب أن يمد يده إلى الناس، بل يجتهد ويعمل حتى لا يكون عالةً على غيره، قد تكون سببًا في نجاته من مرض، أو سداد دين، أو كسوة أطفاله، أو توفير طعامٍ كريم له ولأسرته، أو إعانته على مقاومة صعوبات الحياة.
فلا تظن أن المبلغ القليل الذي تتصدق به لا قيمة له؛ فأنت لا تعلم حاجة ذلك الفقير إلى هذا القدر اليسير من المال، فقد يكون عنده أعظم من الكثير عند غيره.
إن الصدقة تُعفُّ الفقراء والمساكين والسائلين عن الوقوع في الحرام، أو السرقة، أو ارتكاب ما يغضب الله من أجل تحصيل المال. ولذلك ينبغي علينا أن نحافظ على الصدقة، فإنها تُنمي المال بالبركة، وتجعل صاحبه يرى أثر الخير في رزقه، فلا ينفد ماله من حيث البركة، بل يبارك الله له فيه.
فالصدقة بالنسبة إلى المحتاج لها أثرٌ عظيم، وبالنسبة إلى المتصدق سببٌ في بركة المال، ورفعة المنزلة عند الله تعالى؛ لأنه لم ينسَ عباد الله المحتاجين.
وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ، وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا، وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ، وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ».
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا الحديث الشريف نفهم أن النجاة في الآخرة تكون بسبب الصدقة، وأن المتصدق قد شُبِّه بالكريم؛ لأن الكرم من الصفات المحمودة التي يحبها الله تعالى، والمقصود بالكريم هنا هو كثير العطاء، لا البخيل الذي يمسك ماله وممتلكاته عن المحتاجين.
وفي حديثٍ آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار».
فلابد أن نحافظ على الصدقة بكل وسيلة من الوسائل؛ بالمال، أو بالملبس، أو بالطعام، أو بقضاء حاجات الفقراء، وجلب ما يحتاجون إليه من شتى الأمور. فلا ينبغي أن نترك الفقير وحده، بل يجب أن نغرس في نفسه أن المجتمع من حوله يهتم به، ولن يتركه فريسةً للحاجة، حتى لا يضطر إلى سلوك طريق الحرام، والعياذ بالله.
وقد قال الله سبحانه وتعالى في فضل الصدقة:
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
ولذلك فإن فضل الصدقة عظيم، وثوابها كبير؛ فهي عفافٌ للفقير في الدنيا، ونجاةٌ للمتصدق في الآخرة، وقد تكون سببًا في استمرار ثواب العبد بعد موته إذا كانت صدقةً جارية.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له».
وفي الختام، أسأل الله تعالى أن يتقبل صدقاتنا، وأن يجعلها سببًا في إغناء فقرائنا، وأن يرزقهم العفاف، ويكفيهم ذلَّ السؤال، وأن يبارك للمتصدقين في أموالهم وأعمارهم، وأن يجعل صدقاتهم نورًا لهم في الدنيا والآخرة.
اللهم آمين.