جِنَايَةُ قَانُونِ الأُسْرَةِ الجَدِيدِ: تَفْكِيكُ بَنْدِ “الزَّوَاجِ بِلَا وَلِيٍّ” وَمُخَالَفَتُهُ الصَّارِمَةُ لِلدِّينِ وَالعُرْفِ

بقلم: الباحث والمؤرخ الأديب/ سيد الرشيد

طهارة الفطرة وصون الهوية

إن الأسرة في المنظور الإسلامي والعربي التليد، ليست مجرد عقد مدني عابر أو شراكة مادية نفعية، بل هي “ميثاق غليظ” وبنيان مقدس يقوم على الفطرة الإلهية السوية التي تحكمها قيم المروءة، والحشمة، واللحمة الاجتماعية المحمية برباط الوجاهة والمسؤولية.

ومن هنا، فإن التلويح ببنود مستحدثة تبيح تزويج المرأة لنفسها دون إذن وليها في مسودة قانون الأسرة الجديد، يمثل شرخاً عميقاً في جدار السلم المجتمعي، وجناية صريحة على العادات والتقاليد المستقرة، وخطوة قسرية نحو إلغاء دور الأب والولي، مما يفتح الباب على مصراعيه لتهديد استقرار البيوت وعزل الفتاة عن سندها الطبيعي في الحياة.

أولاً: الأدلة الشرعية من محكم التنزيل

لقد اعتنى التشريع الإسلامي الحكيم بضبط مؤسسة الزواج، فجعل الولي ركناً أساسياً يحفظ للمرأة كرامتها، ويحميها من الذئاب والجهال، وجاء الخطاب القرآني موجهاً للأولياء في آيات النكاح دلالةً على استحقاقهم وولاية أمرهم.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة:

{“وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا”}

فخاطب الرجال (الأولياء) بلفظ “تُنكحوا” (بضم التاء)، ولم يخاطب النساء، فدل على أن النكاح بيد الأولياء.

ويقول جل جلاله في موضع آخر من سورة البقرة:

{“…فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ…”}

والعضل هو المنع، والمنع لا يكون إلا ممن يملك حق التزويج والولاية أصلاً، فنزلت الآية تعاتب الولي إن هو تعنت، لكنها ثبتت حقه في أصل الولاية.

ثانياً: الشواهد من السنة النبوية المطهرة

أما السنة النبوية المشرفة، فقد جاءت حاسمة، قاطعة لأي تأويل، مبيِّنة أن طهارة العقد وشرفه مرتبطان بوجود الولي؛ لقطع دابر النكاح السري أو المستهتر.

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: “أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ”. (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه).

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ”. (رواه أحمد وأبو داود).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةُ، وَلَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا”. (رواه ابن ماجه والدارقطني).

ثالثاً: أقوال الفقهاء وأئمة الهدى

وعلى هذا الهدي القرآني والنبوي، سار جمهور أئمة المذاهب الفقهية، معتبرين الولي شرطاً لصحة النكاح لا ينفك عنه:

مذهب جمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة): أجمعوا على أن الولي شرط صحة في عقد النكاح، فلا تملك المرأة – بكراً كانت أم ثيباً – أن تباشر عقد نكاحها بنفسها، ولا أن توكل غير وليها، وإن فعلت كان العقد باطلاً لا يترتب عليه أثر شرعي.

فلسفة المذاهب وسد الذرائع: اعتبر الفقهاء أن خروج الفتاة لتزويج نفسها دون علم أهلها خرم للمروءة، ومجلبة للعِيب، وإسقاط لهيبة الأسرة. حتى إن المذهب الحنفي – الذي أجاز للمرأة العاقلة البالغة تزويج نفسها في حالات مخصوصة – اشترط “الكفاءة المطلقة” وجعل للولي حق الاعتراض الفوري وفسخ العقد عبر القضاء إن لم يكن الزوج كفئاً، حفظاً لسمعة العائلة ومنعاً للحسرة والندم.

رابعاً: نقض البند المستحدث في قانون الأسرة الجديد

إن القوانين الحداثية التي تحاول تجريد الولي من مهامه بذريعة “الحرية الفردية” أو “الاستقلالية القانونية”، هي قوانين تنسلخ من فطرة الله التي فطر الناس عليها، وتصطدم مباشرة بالعادات العربية الأصيلة وقيم القبيلة التي تجعل الأب والأخ والعم سنداً، وحصناً، وعزاً للمرأة.

ونقض هذا البند يتجلى في أبعاد ثلاثة:

تدمير السند الاجتماعي والأسري: إن تزويج الفتاة لنفسها يقطع الأواصر الرحمية، ويجعل الفتاة تقف وحدها في مواجهة عواصف الحياة دون سند “الظهر” وعزوة الأهل، فإذا غضب الزوج أو ظلمها، وجدها بلا حامٍ يذود عن كرامتها.

إسقاط هيبة الولي والأب: الأب الذي سهر، وربى، وصان، يُراد له عبر قانون الأسرة الجديد أن يكون غريباً ومهمشاً في أهم قرار يخص ابنته، مما يورث الحسرة والقطيعة، ويهدم التراتبية العائلية المستقرة منذ آلاف السنين.

فتح باب الزواج السري والمستتر: إن إلغاء الولي يلغي ركناً هاماً من أركان “الإشهار” العائلي، مما يحول الزواج إلى طقس سري يُعقد ويفسخ في دهاليز مظلمة، وهو ما ترفضه الأنفة والشريعة الغراء.

-اعلموا أن العبث بالقوانين التشريعية والاجتماعية المستقرة هو إيذان بخراب البيوت. إن السعي لحفظ كيان الأسرة هو جهاد حقيقي في عصر انفتحت فيه أمواج الفتن. فعلينا التمسك بشرعه، وإعادة الهيبة للأب والولي، لتبقى بيوتنا حصينة مستورة على فطرة الله وطاعته.