نظرية الانفجار الكوني بين الملحدين وحقائق الإسلام

بقلم: محمد رجب أبو تليح الأزهري
عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف

سلسلة قراءة في عقل الملحد المقال الثانى :

إن من أخطر قناعات الملحدين، نظرتهم إاى وجود الكون نتيجة الصدفة، وذلك نتيجة ما يسمونه، بنظرية: (الانفجار الكوني العظيم).

وهناك كلمة تغنينا عن الرد عليهم ذكرت في مصطلحهم هذا، وهي : (الانفجار)، ولو أدركوا معناها ما تكلموا.

فالعقل يقول: متى وكيف ينتج عن الانفجار نظام دقيق بديع؟ وهذا ما نراه في أنفسنا وفي الكون من حولنا.

فالانفجار لا ينتج عنه إلا الدمار والخراب وعدم النظام.

لكن التعبير القرآني: (الفتق)، كما سيأتي معنا في الآية، هو أدق وأحق بالقبول، فهو يعني الفصل والتقسيم، ولكنه العناد، الذي غيب عقولهم.

فلم يكُنْ عالمُ الفيزياءِ البريطانيُّ فريد هويل، أحدَ أبرزِ منكري نشأةِ الكونِ من نقطةٍ واحدةٍ، يتوقّعُ أنَّ تعبيرَهُ الساخرَ «الانفجارُ الكبير» (Big Bang) سيصبحُ لاحقًا الاسمَ العلميَّ لأعظمِ نظرياتِ الكونِ الحديثة. فقد كانَ هويلُ يرى أنَّ الكونَ أزليٌّ لا بدايةَ له، لكنَّ الأدلةَ الرصينةَ من خلفيةٍ إشعاعيةٍ كونيةٍ إلى اتساعِ الفضاءِ، دحَضتْ رأيَهُ، وأثبتتْ أنَّ الكونَ بدأ من حالةٍ شديدةِ الكثافةِ والحرارةِ، ثم انفجرَ واتّسعَ.

وهنا، حيثُ يتعثّرُ الملحدُ في سؤالِ البداية: “من أين جاءت هذه النقطة؟”. يقفُ المسلمُ واثقًا، يُشيرُ إلى قولِ ربِّهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ فَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30).

فـ”الرتق” هو الالتحامُ والالتصاقُ، و”الفتق” هو الشقُّ والفصلُ، فهذا تصويرٌ قرآنيٌّ دقيقٌ للحظةَ الانفجارِ الكونيِّ، حينَ كانتِ السماواتُ والأرضُ جُرمًا واحدًا، ثم فتَقَهُ اللهُ فانفصلتْ مكوّناتُهُ، وبدأتْ قوانينُ الفيزياءِ بالعملِ بإذنه، وانبثقتْ المادةُ والطاقةُ والزمانُ والمكانُ بإرادته.

واتساع الكون يتجلى في أبهى صوره، ليثبت الإعجازٌ القرآني قبلَ التلسكوباتِ، فإنه لم يكُنْ بإمكانِ أحدٍ في القرنِ السابعِ الميلاديِّ أنْ يُدركَ أنَّ الكونَ يتوسّعُ، ولا يزال . لكن الله تعالى أثبت ذلك في كتابه من قبل ان يصل العلم الحديث إلى تلك الحقيقة، فقال جل شأنه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: 47).

فالضميرُ في: “لَمُوسِعُونَ” يعودُ على اللهِ، والإخبارُ عن السماءِ بأنها في حالةِ اتساعٍ مستمرٍّ، وليسَ فقط أنها واسعةٌ.

وهذا الأمر هو ما أثبتهُ عالمِ الفلكِ الأمريكيِّ إدوين هابل عامَ 1929، حينَ لاحظَ أنَّ المجرّاتِ تبتعدُ عن بعضِها البعضَ، وكأنَّ الكونَ يتنفّسُ بإرادةِ خالقِهِ.

ولا يدري أن الفرآن قد سبق بذكر هذه الحقيقة من لدن حكيم عليم.

ونجد الملحدُ هنا يقفُ حائرًا متسائلا: كيفَ لكتابٍ نزلَ على أمّيٍّ في صحراءِ العربِ أنْ يسبقَ العلمَ الحديثَ بأربعةَ عشرَ قرنًا؟!

أما المؤمنُ فيرى في ذلكَ برهانًا على أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، لا كلامُ البشرِ.

ومن هذه الحقيقة تتجلى في تصورات العقلاء حقيقة لحظةُ الخلقِ التي أذهلتِ ذوي الألباب.

فقد أجمع علماءُ الكوزمولوجيا اليومَ على أنَّ الكونَ لم ينشأْ من فراغٍ عشوائيٍّ، بل من نظامٍ دقيقٍ لا الصدفةُ كما يراها الملحدون.

فلو اختلّتْ قيمةُ ثابتِ الجاذبيةِ أو سرعةِ الضوءِ بنسبةٍ ضئيلةٍ، لما وُجدتْ نجومٌ، ولا كواكبُ، ولا حياةٌ. يقولُ الفيزيائيُّ البريطانيُّ بول ديفيز:

“الكونُ يبدو وكأنهُ قد صُمّمَ خصيصًا لظهورِ الحياةِ”.

وهذا تمامًا ما أخبرَ بهِ القرآنُ الكريمُ في قول الحق: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21)،

وقوله سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل: 88).

لتدرك العقول عظمة ربها جل شأنه وأنه: خلقَ كلَّ شيءٍ بقدر.

وأنه لا مجالَ للصدفةِ في كونٍ محكومٍ بالمقاديرِ الإلهيةِ، ولا مكانَ للإلحادِ أمامَ دقةِ الخلقِ وتناسقهِ.

وهنا تستبين السبل بينَ سبيل الإلحادِ وسبيل العلمِ بمفارقةٌ لا تُحتملُ الإنكتر ولا العناد.

فمن سفاهة الفكر الإلحادي، أن بعضُ الملحدينَ يظنون أن نظريةَ الانفجارِ الكونيِّ تُبرهنُ على غيابِ الخالقِ، لكنَّ العكسَ هو الصحيحُ: فهي تفتتحُ بابَ السؤالِ الأعظم: “من الذي أوجدَ النقطةَ الأوليةَ؟ ومن الذي وضعَ القوانينَ التي تحكمُ اتساعَ الكونِ؟”.

والعلمُ يُجيبُ عن “كيف؟”، أما “لماذا؟” و”من؟” فهما سؤالا الإيمانِ. ولذلكَ قالَ الفيزيائيُّ ستيفن هوكينغ رغمَ إلحادِهِ: “حتى لو وُجدَ قانونٌ يفسّرُ الكونَ، فسيظلُّ السؤالُ: من وضعَ هذا القانون؟”.

أما القرآنُ الكريمُ فيُجيبُ دونَ تردّدٍ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الرعد: 16).

فها هو الكونُ كتابٌ مفتوحٌ، والقرآنُ مفتاحُهُ، ونظريةُ الانفجارِ الكونيِّ مرآةً تعكسُ عظمةَ الخالقِ. فالكونُ الذي بدأَ من “رتقٍ” ثم فُتِقَ، والذي يتوسّعُ بإرادةٍ إلهيةٍ، والذي يسيرُ بنظامٍ لا يُخطئُ، هو ذاتُهُ الكونُ الذي أقسمَ اللهُ بهِ في كتابِهِ، ودعانا إلى التأمّلِ فيهِ.

فليتأمّلِ الملحِدُ في آياتِ الكونِ، وليقرأْ آياتِ القرآنِ، فإنَّ الحقَّ يتجلى لمن طلبَهُ بصدقٍ، قال الحق جل وعلا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53).

وإلى لقاء يتجدد