أسباب عدم مخافة العبد وخشيته من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى :

بقلم الشيخ : جمال عبد الحميد ابراهيم
عضو لجنة صانعي السلام والمنظمة العالمية لخريجي الأزهر

أولا : الغفلة : فإن الغفلة إذا رانت على القلب، طبعته فلا يمكن أن يكون مستقيماً ولا يعي الذكر ولا يفهم أبداً, وقد ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن لبعض الناس قلوباً لكن لا يفقهون بقلوبهم, ولهم أسماع لكن لا يسمعون بها, ولهم أعين ولكن لا يبصرون بها, يعيشون بها في الحياة الدنيا ولكن عليها الران, فهي لا تعرف ولا تفهم ولا تتلقن, ولذلك ذكر الله في القرآن الكريم قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق:37].

والناس كلهم لهم قلوب, لكن بعضهم له قلب حي وبعضهم له قلب ميت, فالذي له قلب حي فهو صاحب القلب, أما الآخر فلا. قال تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:24].

ثانيا : من أسباب عدم الخوف من الله تعالى : المعاصي : فالمعاصي أعظم ما يحجب العبد عن مولاه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, وهي الحجب.. (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) [النور:40]

وكلما كثرت المعاصي رانت على القلب, وأول ما تحدث الغين، ثم تحدث الران، ثم تحدث الطبع, فالطبع آخرها وهو الذي يصيب الكافر, والران يصيب الفاسق, والغين يصيب المؤمن, وفي صحيح مسلم -: (عَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِىِّ – وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِى وَإِنِّى لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِى الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ».

أما الران فيقول سبحانه: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين:14] أي: تراكم عليها وحدث لها، وهذا يشمل الفاسق والكافر,

وأما الكافر فإنه يتحد وينفرد بالطبع, وإذا طبع الله على القلب فلو تناطحت جبال الدنيا بين عينيه ما اتعظ أبداً, ولو وعظته بعلوم الأولين والآخرين ما سمع أبداً, قال الله تعالى :

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (6) ،(7) البقرة

وقال الله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) المائدة 25،

وقال الله تعالى : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) النحل (108) ،(109)

ثالثا : من أسباب عدم الخوف والخشية من الله : كثرة المباحات : وهذه التي وقعنا فيها جميعاً, التفاخر في الدنيا والتكاثر منها, والتوسع فيها وتقديمها على أغراض الآخرة وعلى مطالب الآخرة, ومطالب ما عند الله عز وجل, هذه من الأمور المضنية: كثرة المباحات من أكل وشراب وخلطة بالناس وملبوس ومركوب ومسكون كلها من الأمور التي تصد عن مخافة الله. قال الله تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (14) ،(15) آل عمران

رابعا : من أسباب عدم الخوف والخشية من الله : ضياع الوقت : فكثير من المسلمين لا يحسبون للوقت حساباً, يحسبون الدرهم والدينار, لكن تذهب الأيام والليالي فلا يتفكرون فيها أبداً, ولذلك يقول جل ذكره: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) [المؤمنون:115-117].