عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ… أَيَّامٌ أَقْسَمَ اللهُ بِهَا وَفَتَحَ فِيهَا أَبْوَابَ الرَّحْمَاتِ

بقلم  : د. محمد سعد الواعظ بالأزهر الشريف

الحمدُ للهِ الَّذي جَعَلَ لِعِبادِهِ مَواسِمَ لِلطَّاعاتِ، يَتَزَوَّدُ فيها المؤمنونَ مِنَ الخيراتِ، وتَسْمُو فيها الأرواحُ إلى بارئِها، وتَتَطَهَّرُ فيها القلوبُ مِنْ أدرانِ الذنوبِ والغفلاتِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، الَّذي كانَ أحرصَ الناسِ على اغتنامِ الأوقاتِ المباركةِ، وتعليمِ أمَّتِهِ أبوابَ النجاةِ والفلاحِ.
أمَّا بعدُ…

فإنَّ مِنْ أعظمِ نِعَمِ اللهِ على عبادِهِ أنْ جَعَلَ لهم مواسمَ للخيراتِ، يفتحُ فيها أبوابَ الرحمةِ، ويُضاعفُ فيها الأجورَ، ومن أعظمِ هذهِ المواسمِ المباركةِ: أَيَّامُ الْعَشْرِ الأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، تلكَ الأيَّامُ الَّتي اختصَّها اللهُ بالفضلِ العظيمِ، والشرفِ الكبيرِ، حتى أقسمَ بها في كتابِهِ العزيزِ فقالَ سبحانهُ:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.

قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما: هيَ عشرُ ذي الحجةِ، وإذا أقسمَ اللهُ بشيءٍ فإنَّما يُقسمُ لعِظَمِ شأنِهِ وعلوِّ مكانتِهِ.

أَيَّامٌ هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا

جاءَ في الحديثِ الشريفِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قالَ:
«ما مِنْ أَيَّامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِنْ هذهِ الأيَّامِ».
قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟
قالَ: «ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلَّا رجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالِهِ فلم يرجعْ مِنْ ذلكَ بشيء».

فأيُّ فضلٍ أعظمُ مِنْ أنْ تكونَ دقائقُ هذهِ الأيَّامِ أحبَّ إلى اللهِ مِنْ غيرِها؟!
وأيُّ خسارةٍ أكبرُ مِنْ أنْ تمرَّ هذهِ المواسمُ على العبدِ وهو غافلٌ عنها؟!
إنَّها أَيَّامُ الذِّكرِ، وأَيَّامُ التوبةِ، وأَيَّامُ القربِ مِنَ اللهِ، فيها تُسكَبُ العبراتُ، وتُرفَعُ الدعواتُ، وتُعتَقُ الرقابُ مِنَ النيرانِ.

لِمَاذَا فُضِّلَتْ هَذِهِ الْأَيَّامُ؟
لقد اجتمعَ في هذهِ العشرِ ما لم يجتمعْ في غيرِها مِنَ العباداتِ والطاعاتِ؛ ففيها:
الصلاةُ،
والصيامُ،
والصدقةُ،
والحجُّ،
وذِكرُ اللهِ،
وقراءةُ القرآنِ،
والتكبيرُ والتهليلُ.

ولهذا كانتْ أعظمَ مواسمِ الطاعةِ في العامِ كلِّهِ.
التَّكْبِيرُ… شِعَارُ الْعَشْرِ

ومِنْ أعظمِ ما يُشرَعُ في هذهِ الأيَّامِ: الإكثارُ مِنَ التكبيرِ والتهليلِ والتحميدِ.
قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم:
«فأكثروا فيهنَّ مِنَ التهليلِ والتكبيرِ والتحميدِ».
وكانَ ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهما يخرجانِ إلى الأسواقِ يُكبِّرانِ، فيُكبِّرُ الناسُ بتكبيرِهِما.

فما أجملَ أنْ تعودَ بيوتُ المسلمينَ عامرةً بالتكبيرِ:
اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، وللهِ الحمدُ.
إنَّ التكبيرَ يُحيي القلوبَ، ويزرعُ في النفسِ معاني التعظيمِ للهِ، ويُشعرُ المؤمنَ بأنَّ اللهَ أكبرُ مِنْ همومِهِ، وأكبرُ مِنْ أحزانِهِ، وأكبرُ مِنْ كلِّ شيء.

صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ
ويأتي يومُ عرفةَ تاجًا على رأسِ هذهِ الأيَّامِ المباركةِ، وهو يومُ المغفرةِ والرحمةِ وإجابةِ الدعاءِ.

قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عن صيامِهِ:
«أحتسبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنةَ التي قبلَهُ والسنةَ التي بعدَهُ».
يا لها مِنْ تجارةٍ رابحةٍ!

يومٌ واحدٌ يكونُ سببًا في تكفيرِ ذنوبِ عامينِ كاملينِ.
وفي يومِ عرفةَ يباهي اللهُ بأهلِ الموقفِ ملائكتَهُ، وتتنزَّلُ الرحماتُ، وتفيضُ العبراتُ، وتُفتحُ أبوابُ السماءِ للدعواتِ الصادقاتِ.
الأُضْحِيَّةُ… رِسَالَةُ طَاعَةٍ وَتَسْلِيمٍ

ومِنْ أعظمِ شعائرِ هذهِ الأيَّامِ الأضحيةُ، وهيَ سُنَّةُ أبينا إبراهيمَ عليهِ السلامُ حينَ امتثلَ أمرَ ربِّهِ بكلِّ يقينٍ وتسليمٍ.
إنَّ الأضحيةَ ليستْ مجرَّدَ ذبحٍ، بل هيَ معنى عظيمٌ للطاعةِ والبذلِ والتقوى.
قالَ تعالى:
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.
فالمقصودُ الأعظمُ هو صدقُ القلبِ وإخلاصُ النيَّةِ للهِ تعالى.

مَاذَا نَفْعَلُ فِي الْعَشْرِ؟
ينبغي للمؤمنِ أنْ يضعَ لنفسِهِ برنامجًا إيمانيًّا في هذهِ الأيَّامِ، ومن ذلكَ:
المحافظةُ على الصلواتِ في أوقاتها.
الإكثارُ مِنْ قراءةِ القرآنِ.
كثرةُ الاستغفارِ والتوبةِ.
الإكثارُ مِنَ الصلاةِ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.
صيامُ ما تيسَّرَ مِنَ الأيَّامِ.
برُّ الوالدينِ وصلةُ الأرحامِ.
الصدقةُ على الفقراءِ والمحتاجينَ.
قيامُ الليلِ ولو بركعاتٍ يسيرةٍ.
حفظُ اللسانِ عن الغيبةِ والنميمةِ والخصوماتِ.
رِسَالَةٌ إِلَى الْغَافِلِينَ
يا مَنْ أثقلتْكَ الذنوبُ…
يا مَنْ أرهقتْكَ الدنيا…
يا مَنْ يبحثُ عن الطمأنينةِ والراحةِ…
هذهِ الأيَّامُ فرصةٌ جديدةٌ مع اللهِ، فلا تُضيِّعْها.

قد يكونُ ذنبٌ واحدٌ صادقُ التوبةِ فيهِ سببًا في نجاتِكَ، وقد تكونُ دمعةٌ في السَّحرِ سببًا في تبديلِ حياتِكَ كلِّها.
كمْ مِنْ عبدٍ دخلَ هذهِ الأيَّامَ مهمومًا فخرجَ مطمئنًّا، ودخلَها مذنبًا فخرجَ مغفورًا لهُ، ودخلَها بعيدًا عن اللهِ فعادَ بقلبٍ جديدٍ.
خَاتِمَةٌ

إنَّ العاقلَ هو الَّذي يعرفُ قيمةَ الأوقاتِ قبلَ فواتِها، ويعلمُ أنَّ مواسمَ الطاعةِ لا تدومُ طويلًا.

فاستقبِلُوا عشرَ ذي الحجةِ بقلوبٍ مُقبلةٍ على اللهِ، وألسنةٍ عامرةٍ بالذِّكرِ، وأيدٍ ممدودةٍ بالصدقةِ والخيرِ، ونفوسٍ تائبةٍ راجعةٍ إلى ربِّها.

اللهمَّ اجعلْنا ممَّنْ أدركوا فضلَ هذهِ الأيَّامِ فاغتنموها، ولا تجعلْنا مِنَ الغافلينَ المحرومينَ، واكتبْ لنا فيها توبةً نصوحًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، ودعاءً مستجابًا.

وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.