
بقلم : أ . جيهان بدر الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية ( سما الشاطبى )
وددت أن أكتب عن هذا الجرح الخفي الذي يتسلل إلى القلوب دون استئذان فكان سوء الظن قديما يولد من كلمة عابرة أو نظرة متغيرة أو مجلس نقل الكلام بين الناس أما اليوم فقد صار يولد من إشعار هاتف واختفاء صورة وغياب رد وإلغاء متابعة وحظر على الواتس أو حذف صداقة على الفيس فأصبحت العلاقات الإنسانية عند كثير من الناس معلقة بأزرار إلكترونية لا يعلم حقيقتها إلا الله وصاحبها وربما لا يعلم صاحبها نفسه كيف حدث الأمر فهاتف يلمس بالخطأ يحذف وأطفال تعبث بالأجهزة وخوارزميات المواقع تغير وتضيف وتحذف دون قصد ثم يأتي الشيطان ليزرع في القلب ألف تفسير وكلها قائمة على الوهم لا على اليقين
تأملت كثيرا كيف أفسد سوء الظن صفاء العلاقات في هذا الزمان لأن الناس صارت تبني الأحكام على الظنون لا على الحقائق وعلى التوقعات لا على التثبت حتى صار الإنسان يخاصم ويقاطع ويحزن ويهدم سنوات من الود بسبب حالة ظهور أو رسالة لم يرد عليها أو متابعة أزيلت أو حظر قد يكون وقع خطأ أو بسبب عطل أو بفعل فاعل ثم ينسى كثير من الناس أن الله سبحانه وتعالى قال (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) وقال سبحانه (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)
بحثت في كلام العلماء فوجدت أن الفقه الإسلامي لم يبن العلاقات على الأوهام وإنما بناها على البينة والتثبت وحمل المسلم على السلامة ما وجد إلى ذلك سبيلا وكان العلماء يقولون التمس لأخيك سبعين عذرا فإن لم تجد فقل لعل له عذرا لا أعلمه لأن النفوس المؤمنة لا تتلذذ بإدانة الناس ولا تستريح لسوء الظن وإنما تبحث عن المعاذير وتخاف أن تظلم أحدا بكلمة أو شعور أو اتهام
وقفت طويلا أمام الجانب العلمي والنفسي فوجدت أن العقل حين يغيب عنه التفسير الصحيح يبدأ في صناعة القصص والتوقعات فيملأ الفراغ بالمخاوف والشكوك ولذلك فإن كثيرا من المشكلات الحديثة ليست حقائق وإنما تحليلات نفسية خاطئة صنعها التوتر والقلق وفرط التعلق بالعالم الافتراضي حتى صار بعض الناس يقيس مكانته عند الآخرين بعدد الرسائل وسرعة الرد ونوع التفاعل وكأن القلوب تقرأ من خلف الشاشات مع أن المشاعر الصادقة لا تختصر في تطبيق ولا تختفي بزر
أعدت النظر في كثير من العلاقات التي انهارت فوجدت أن الإنسان إذا وجد من حذفه أو تأخر عنه أو تغير عليه فلا ينبغي أن يجعل أول أبواب قلبه سوء الظن بل يسأل ويتثبت ويهدأ ولا يعطي الشيطان فرصة ليفسد عليه علاقته بالناس فكم من قطيعة بدأت بوهم وكم من محبة انتهت بسبب تفسير خاطئ وكم من بريء ظلم لأن أحدهم صدق ظنه وكذب الحقيقة
وخلصت بعد تأمل طويل إلى أن المؤمن العاقل لا يحاكم الناس بما يظهر على الشاشة وإنما بما يعرفه من أخلاقهم ومواقفهم وصدقهم فالقلوب أكبر من التطبيقات والعلاقات أعمق من زر إعجاب والإنسان الراقي لا يجعل التكنولوجيا تقوده إلى الظلم ولا يسمح لخياله أن يتحول إلى قاض يصدر الأحكام دون دليل
مجلة روح الاسلام فيض المعارف