بقلم الشيخ : سعد طه
تطل علينا في كل عام أيام مباركة، هي خير أيام الدنيا، حيث أقسم الله سبحانه وتعالى بها في كتابه الكريم قائلاً: “وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ”. إنها العشر الأوائل من ذي الحجة، تلك المحطة الإيمانية التي تجتمع فيها أمهات العبادات من صلاة وصيام وصدقة وحج، ولا يجتمع هذا الفضل في غيرها من أيام السنة.
لماذا نغتنم هذه الأيام؟
أحب الأعمال إلى الله: أخبرنا النبي ﷺ أن العمل الصالح في هذه الأيام أحب إلى الله من العمل في غيرها، حتى أن الجهاد في سبيل الله لا يفضلها إلا في حالة واحدة وهي استشهاد المجاهد وفقدانه لماله ونفسه.
يوم عرفة: فيها يوم عرفة، وهو اليوم الذي يباهي الله به ملائكته، وصيامه يكفر ذنوب السنة الماضية والسنة القادمة.
كثرة الذكر: هي أيام الذكر والتكبير والتحميد، حيث يُستحب للمسلم إظهار التكبير المطلق في المساجد والبيوت والأسواق.
قصة ثمامة بن أثال: أول من لبّى في مكة معتمرًا
بينما نعيش أجواء التلبية والحج، نستذكر قصة صحابي جليل سطر اسمه في التاريخ كأول من دخل مكة ملبياً بشعار التوحيد بعد إسلامه، وهو ثمامة بن أثال الحنفي.
من الأسر إلى الهداية
كان ثمامة سيداً من سادات بني حنيفة وملكاً لليمامة، وفي إحدى السرايا النبوية، تم أسره وجيء به إلى المدينة المنورة، فرُبط في سارية من سواري المسجد النبوي. كان النبي ﷺ يمر عليه ويسأله: “ما عندك يا ثمامة؟”، فيرد بعزة الأنفة: “إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت”.
لم يعنفه النبي ﷺ، بل أمر بإطلاق سراحه بعد ثلاثة أيام دون مقابل. هذا العفو النبوي والتعامل الراقي لمس قلب ثمامة، فذهب فاغتسل ثم عاد للمسجد معلناً إسلامه قائلاً: “يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي”.
أول تلبية في قلب مكة
بعد إسلامه، قرر ثمامة التوجه إلى مكة لأداء العمرة. وعندما دخل مكة، رفع صوته بالتلبية: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”.
ذُهل كفار قريش من جراءته، فهذه كانت المرة الأولى التي يصدح فيها صوت بالتوحيد علانية في معقلهم. حاول بعضهم إيذاءه، لكنهم تذكروا أنه ملك اليمامة، وأن ميرة قريش (أرزاقهم وطعامهم) تأتي من أرضه.
الموقف الاقتصادي الصارم
لم يكتفِ ثمامة بالتلبية، بل أعلن موقفاً سياسياً واقتصادياً لدعم المسلمين، فقال لقريش: “والله لا تأتيكم حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ”. وبالفعل حاصرهم اقتصادياً حتى اشتد الجوع بصناديد قريش، فاضطروا للتوسل بالنبي ﷺ ليرفع عنهم هذا الحصار، فأرسل النبي ﷺ إلى ثمامة ليخلي بينهم وبين أقواتهم، ضارباً أروع الأمثلة في الرحمة حتى مع الأعداء.
تظل قصة ثمامة بن أثال رمزاً للعزة بالإسلام، وتلبيته في المسجد الحرام تذكيراً لكل مسلم في عشر ذي الحجة بأن التوحيد هو جوهر العبادة وأساس الفلاح.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف