«وا إسلاماه»… من سيف الدين قطز إلى حاضر مصر: حين يتغير العدو وتبقى المعركة واحدة
6 مايو، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الشيخ : حسين السمنودي
حين دوّت صرخة «وا إسلاماه» في سهل عين جالوت، لم تكن مجرد صيحة حرب، بل كانت إعلانًا عن لحظة فاصلة بين السقوط والنجاة، بين أمة تُبتلع وأمة تقرر أن تقاوم. في ذلك الزمن، لم يكن الخطر غامضًا أو متخفيًا، بل كان واضحًا في جيوش المغول التي اجتاحت الأرض، وأسقطت بغداد، وهددت بابتلاع ما تبقى من العالم الإسلامي. وكانت مصر، كما هي اليوم، في قلب المواجهة… آخر الحصون، وأثقل المسؤوليات.
لكن إن نظرنا بعمق إلى حاضرنا، سنجد أن التاريخ لم ينتهِ، بل غيّر أدواته فقط. لم تعد الجيوش الجرارة وحدها هي التي تهدد الدول، بل ظهرت قوى أعقد وأكثر تشابكًا، قوى تمزج بين السياسة والاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا. وإذا كان المغول قد أتوا بالسيف والنار، فإن عالم اليوم يأتي بوسائل أكثر نعومة وخطورة في آنٍ واحد. وهنا يظهر المشهد الذي يراه كثيرون: مصر التي وقفت في وجه المغول بالأمس، تجد نفسها اليوم في مواجهة نفوذ قوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفي قلب صراع إقليمي يتصدره كيان مثل إسرائيل.
لكن المقارنة هنا لا يجب أن تكون سطحية أو انفعالية، بل عميقة واعية. فليس كل اختلاف في الزمن يعني اختلافًا في الجوهر. في عصر التتار، كان الخطر عسكريًا مباشرًا، أما اليوم فالتحدي مركب: ضغوط سياسية، تبعية اقتصادية، صراعات إقليمية، وحروب معلوماتية تؤثر في وعي الشعوب قبل أرضها. ومع ذلك، يبقى السؤال ذاته الذي واجهه قطز: كيف تتصرف أمة حين تشعر أن الخطر يقترب منها؟
في زمن قطز، كان هناك انقسام وخوف، وكانت بعض الأصوات تميل إلى الاستسلام، لكن القرار الحاسم جاء ليقطع التردد: لا بقاء بلا مواجهة. اليوم، لا يُطلب من مصر أن تخوض معركة سيوف، بل معركة وعي وإرادة واستقلال قرار. فالقوة لم تعد فقط في الجيوش، بل في الاقتصاد القوي، والتعليم المتطور، والإعلام الصادق، والقدرة على اتخاذ قرار وطني لا يُملى من الخارج.
لقد أدرك قطز أن انتظار العدو داخل الحدود يعني الهزيمة، فخرج إليه، واختار أرض المعركة، واستثمر كل ما لديه من إمكانات. أما في عصرنا، فإن “الخروج للمواجهة” لا يعني الحرب، بل يعني بناء الداخل بقوة، وتقليل الاعتماد على الخارج، وامتلاك أدوات التأثير بدل الاكتفاء بدور المتأثر. فالدولة التي لا تملك اقتصادها، لا تملك قرارها، والتي لا تملك وعي شعبها، يسهل توجيهها.
وفي الوقت الذي كان فيه المغول يعتمدون على القوة الغاشمة، تعتمد القوى الكبرى اليوم على النفوذ الناعم، وعلى خلق واقع يجعل الدول الأخرى تدور في فلكها دون أن تشعر. وهنا تكمن خطورة المرحلة: فالمعركة لم تعد تُرى بالعين، بل تُدرك بالعقل، ولم يعد السقوط احتلالًا مباشرًا فقط، بل قد يكون تبعيةً تُفرض تدريجيًا حتى تصبح واقعًا لا يُناقش.
ومع ذلك، فإن مصر اليوم ليست ضعيفة كما قد يتصور البعض، تمامًا كما لم تكن ضعيفة في زمن المغول رغم قسوة الظروف. الفارق الحقيقي دائمًا ليس في حجم التحديات، بل في طريقة التعامل معها. فمصر التي استطاعت أن توحد صفوفها في وجه خطر وجودي، قادرة – إن أرادت – أن تعيد ترتيب أولوياتها، وأن تبني قوتها من الداخل، وأن تحافظ على توازنها في عالم مليء بالصراعات.
إن الربط بين عصر المغول وعصرنا ليس دعوة للصدام، بل دعوة للفهم. فكما أن النصر في معركة عين جالوت لم يكن معجزة، بل نتيجة تخطيط ووحدة وإرادة، فإن أي نهوض اليوم لن يأتي بالشعارات، بل بالعمل الحقيقي. وكما أن الهزيمة لم تكن حتمية بعد سقوط بغداد، فإن التراجع اليوم ليس قدرًا مكتوبًا.
«وا إسلاماه» في زماننا ليست دعوة لحمل السلاح، بل نداء لإحياء الوعي، وبناء القوة، واستعادة الثقة. أن نفهم موقعنا في العالم، وأن ندرك أن التحديات الكبرى لا تُواجه بالانفعال، بل بالحكمة، ولا بالشعارات، بل بالإنجاز.
وفي ختام هذا المشهد الممتد بين الماضي والحاضر، ندرك أن صرخة «وا إسلاماه» لم تكن لحظة عابرة في معركة، بل كانت ميلاد وعيٍ أمةٍ أدركت أن بقاءها مرهون بإرادتها. فكما وقف سيف الدين قطز في وجه إعصار المغول غير آبهٍ بفارق القوة، بل مؤمنًا بأن الحق إذا سُند بالعزيمة لا يُهزم، تقف مصر اليوم في عالم أكثر تعقيدًا، تتشابك فيه المصالح، وتتصارع فيه القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وتتصاعد فيه أزمات المنطقة التي تتصدرها بؤر التوتر المرتبطة بـ إسرائيل، لكن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في مواجهة الخارج، بل في كيفية بناء الداخل ليكون قادرًا على الصمود والاستمرار.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أمة ليس قوة عدوها، بل ضعف يقينها بنفسها، وتآكل ثقتها في قدرتها على النهوض. فالمغول، رغم بطشهم، لم يكونوا أقوى من إرادة أمة قررت أن تقاتل، ولم تكن معركة عين جالوت مجرد انتصار عسكري، بل كانت انتصارًا للفكرة التي تقول إن الانكسار يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في ميادين القتال. واليوم، إذا كانت المعارك قد تغيّرت أشكالها، فإن جوهرها لم يتغير: معركة على الوعي، على الهوية، على الاستقلال، وعلى القدرة على اتخاذ القرار دون إملاء.
ولذلك، فإن استحضار الماضي لا يجب أن يكون للبكاء على أمجادٍ انتهت، بل لاستلهام قوانين النهوض التي لا تبلى. فكل عصر له «عين جالوت» الخاصة به، وكل جيل يُمتحن بطريقته، وليس المطلوب أن نكرر ما فعله السابقون، بل أن نفهم كيف فكروا، وكيف حسموا، وكيف تجاوزوا الخوف إلى الفعل. فالأمم لا تُقاس بما ترويه من قصص، بل بما تصنعه من واقع.
إن مصر اليوم، بتاريخها وثقلها وموقعها، ليست مجرد دولة في خريطة، بل ركيزة في توازن منطقة كاملة. وإذا كانت قد نجحت يومًا في وقف زحفٍ كاد أن يبتلع العالم، فهي قادرة – بإرادة أبنائها ووعيهم – على أن تحافظ على مكانتها، وأن تواجه تحدياتها، لا بالصدام الأعمى، بل بالقوة الواعية التي تبني ولا تهدم، وتثبت ولا تنكسر.
وهنا تكمن الرسالة الأعمق: أن صرخة «وا إسلاماه» لا تزال حية، لكنها لم تعد تُطلق من حناجر المقاتلين فقط، بل يجب أن تنطلق من ضمائر الأحياء، من عقول تفكر، وسواعد تعمل، وقلوب تؤمن بأن النهوض ممكن مهما اشتدت الأزمات. فإما أن نكون امتدادًا لتلك اللحظة المضيئة في التاريخ، أو نكتفي بأن نكون مجرد رواةٍ لها.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل جيل:
هل نملك الشجاعة لنصنع «عين جالوت» جديدة بطريقتنا؟
أم نكتفي بأن نحكي عن صرخة قطز… دون أن نسمع صداها في داخلنا؟