أئمة التصوف ينكرون سفاهات المنتسبين (3)

بقلم : د . طه عبد الحافظ أحمد الوزيري

حجة الإسلام الغزالي وانتقاده للمنتسبين إلى التصوف :

إن أكثر مَن وُجّهت له سهام النقد والاتهام هو الصوفي الشهير والإمام العظيم أبو حامد الغزالي.

وليست هذه الصفحات لحديث عن عظمته وورعه وفقهه بل إننا نبيّن هنا موقف شيخ التصوف من بدع بعض الصوفية لقد انتقد الإمام الغزالي المغرورين من الصوفية أبلغ الانتقاد وأشده، وهو انتقاد العالم النحرير والمربي الخبيروقد قسمهم إلى عشر فرق.

(مصدر الفرق كلها: إحياء علوم الدين، الإمام: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفي: 505هـ) ج3 ص404 – 406. الناشر: دار المعرفة – بيروت).

الفرقة الأولى:
يقول الغزالي: “الصنف الثالث المتصوفة وما أغلب الغرور عليهم والمغترون منهم فرق كثيرة:

ففرقة منهم وهم متصوفة أهل الزمان إلا من عصمه الله اغتروا بالزي والهيئة والمنطق فساعدوا الصادقين من الصوفية في زيّهم وهيئتهم وفي ألفاظهم وفي آدابهم ومراسمهم واصطلاحاتهم وفي أحوالهم الظاهرة في السماع والرقص والطهارة والصلاة والجلوس عَلَى السَّجَّادَاتِ مَعَ إِطْرَاقِ الرَّأْسِ وَإِدْخَالِهِ فِي الْجَيْبِ كَالْمُتَفَكِّرِ وَفِي تَنَفُّسِ الصُّعَدَاءِ وَفِي خَفْضِ الصوت في الحديث إلى غير ذلك من الشمائل والهيئات، فلما تكلفوا هذه الأمور وتشبهوا بهم فيها ظنوا أنهم أيضاً صوفية وَلَمْ يُتْعِبُوا أَنْفُسَهُمْ قَطُّ فِي الْمُجَاهَدَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَمُرَاقَبَةِ الْقَلْبِ وَتَطْهِيرِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ مِنَ الْآثَامِ الْخَفِيَّةِ وَالْجَلِيَّةِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَوَائِلِ مَنَازِلِ التصوف ولو فرغوا عن جميعها لما جاز لهم أن يعدوا أنفسهم في الصوفية كيف ولم يَحُومُوا قَطُّ حَوْلَهَا وَلَمْ يَسُومُوا أَنْفُسَهُمْ شَيْئًا منها بل يتكالبون على الحرام والشبهات وأموال السلاطين ويتنافسون في الرغيف والفلس والحبة ويتحاسدون على النقير والقطمير ويمزق بضعهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء من غرضه.

وهؤلاء غرورهم ظاهر ومثالهم مثال امرأة عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال من المقاتلين ثبت أسماؤهم في الديوان ويقطع لكل واحد منهم قطر من أقطار المملكة فتاقت نفسها إلى أن يقطع لها مملكة فلبست درعاً ووضعت على رأسها مغفراً وتعلمت من رجز الأبطال أبياتاً وتعودت إيراد تلك الأبيات بنغماتهم حتى تيسرت عليها وتعلمت كيفية تبخترهم في الميدان وكيف تحريكهم بالأيدي وتلقفت جميع شمائلهم في الزي والمنطق والحركات والسكنات ثم توجهت إلى المعسكر ليثبت اسمها في ديوان الشجعان فلما وصلت إلى المعسكر أنفذت إلى ديوان العرض وأمر بأن تجرد عن المغفر والدرع وينظر ما تحته وتمتحن بالمبارزة مع بعض الشجعان ليعرف قدر عنائها في الشجاعة فلما جردت عن المغفر والدرع فإذا هي عجوز ضعيفة زمنة لا تطيق حمل الدرع والمغفر فقيل لها أجئت للاستهزاء بالملك وللاستخفاف بأهل حضرته والتلبيس عليهم خذوها فألقوها قدام الفيل لسخفها فألقيت إلى الفيل.

فكهذا يكون حال المدعين للتصوف في القيامة إذا كشف عنهم الغطاء وعرضوا على القاضي الأكبر الذي لا ينظر إلى الزي والمرقع بل إلى القلب”.

الفرقة الثانية:
“وفرقة أخرى زادت على هؤلاء في الغرور إذ شق عليها الاقتداء بهم في بذاذة الثياب والرضا بالدون فأرادت أن تتظاهر بالتصوف ولم تجد بداً من التزين بزيهم فتركوا الحرير والإبريسم وطلبوا المرقعات النفيسة والفوط الرقيقة والسجادات المصبغة ولبسوا من الثياب ما هو أرفع من الحرير والإبريسم، وظن أحدهم مع ذلك أنه متصوف بمجرد لون الثوب وكونه مرقعاً ونسي أنهم إنما لونوا الثياب لئلا يطول عليهم غسلها كل ساعة لإزالة الوسخ، وإنما لبسوا المرقعات إذ كانت ثيابهم مخرقة فكانوا يرقعونها ولا يلبسون الجديد فأما تقطيع الفوط الرقيقة قطعة قطعة وخياطة المرقعات منها فمن أي يشبه ما اعتادوه فهؤلاء أظهر حماقة من كافة المغرورين فإنهم يتنعمون بنفيس الثياب ولذيذ الأطعمة ويطلبون رغد العيش ويأكلون أموال السلاطين ولا يجتنبون المعاصي الظاهرة فضلا عن الباطنة وهم مع ذلك يظنون بأنفسهم الخير، وشر هؤلاء ما يتعدى إلى الخلق إذ يهلك من يقتدي بهم ومن لا يقتدي بهم تفسد عقيدته في أهل التصوف كافة ويظن أن جميعهم كانوا من جنسه فيطول اللسان في الصادقين منهم وكل ذلك من شؤم المتشبهين وشرهم”.

الفرقة الثالثة:
“وفرقة أخرى ادَّعَتْ عِلْمَ الْمَعْرِفَةِ وَمُشَاهَدَةَ الْحَقِّ وَمُجَاوَزَةَ الْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمُلَازَمَةَ فِي عَيْنِ الشُّهُودِ وَالْوُصُولَ إِلَى الْقُرْبِ، وَلَا يَعْرِفُ هَذِهِ الْأُمُورَ إِلَّا بِالْأَسَامِي وَالْأَلْفَاظِ لِأَنَّهُ تَلَقَّفَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّامَّاتِ كَلِمَاتٍ فَهُوَ يُرَدِّدُهَا وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ أَعْلَى مِنْ عِلْمِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الْفُقَهَاءِ والمفسرين والمحدثين وأصناف العلماء بعين الإزراء فَضْلًا عَنِ الْعَوَامِّ حَتَّى إِنَّ الْفَلَّاحَ لَيَتْرُكُ فلاحته والحائك يترك حياكته ويلازمهم أياماً معدودة وَيَتَلَقَّفُ مِنْهُمْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْمُزَيَّفَةَ فَيُرَدِّدُهَا كَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْوَحْيِ وَيُخْبِرُ عَنْ سِرِّ الْأَسْرَارِ ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء، فيقول في العباد إنهم أجراء متعبون، ويقول في العلماء إنهم بالحديث عن الله محجوبون ويدّعي لنفسه أنه الواصل إِلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ عِنْدَ الله من الفجار الْمُنَافِقِينَ وَعِنْدَ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ مِنَ الْحَمْقَى الْجَاهِلِينَ، لَمْ يُحْكِمْ قَطُّ عِلْمًا وَلَمْ يُهَذِّبْ خُلُقًا وَلَمْ يُرَتِّبْ عَمَلًا وَلَمْ يُرَاقِبْ قَلْبًا سِوَى اتباع الهوى وتلقف الهذيان وحفظه”.

الفرقة الرابعة:
“وفرقة أخرى وَقَعَتْ فِي الْإِبَاحَةِ وَطَوَوْا بِسَاطَ الشَّرْعِ وَرَفَضُوا الأحكام وسووا بين الحلال والحرام فبعضهم يزعم إِنَّ اللَّهَ مُسْتَغْنٍ عَنْ عَمَلِي فَلِمَ أُتْعِبُ نفسي، وبعضهم يقول قد كلف الناس تطهير القلوب عن الشهوات وعن حب الدنيا وذلك محال فقد كلفوا ما لا يمكن وإنما يغتر به من لم يجرب وأما نحن فقد جربنا وأدركنا أن ذلك محال.

ولا يعلم الأحمق أن الناس لم يكلفوا قلع الشهوة والغضب من أصلهما بل إنما كلفوا قلع مادتهما بحيث ينقاد كل واحد منهما لحكم العقل والشرع.

وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الْأَعْمَالُ بِالْجَوَارِحِ لَا وَزْنَ لَهَا وَإِنَّمَا النَّظَرُ إِلَى الْقُلُوبِ وَقُلُوبُنَا وَالِهَةٌ بِحُبِّ اللَّهِ وَوَاصِلَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَإِنَّمَا نَخُوضُ في الدنيا بأبداننا وقلوبنا عاكفة في حضرة الرُّبُوبِيَّةِ فَنَحْنُ مَعَ الشَّهَوَاتِ بِالظَّوَاهِرِ لَا بِالْقُلُوبِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ تَرَقَّوْا عَنْ رُتْبَةِ الْعَوَامِّ. وَاسْتَغْنَوْا عَنْ تَهْذِيبِ النَّفْسِ بِالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ وَأَنَّ الشهوات لا تصدهم عن طريق الله لقوتهم فيها ويرفعون درجة أنفسهم على درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ كانت تصدهم عن طريق الله خطيئة واحدة حتى كانوا يبكون عليها وينوحون سنين متوالية وأصناف غرور أهل الإباحة من المتشبهين بالصوفية لا تحصى وكل ذلك بناء على أغاليط ووساوس يخدعهم الشيطان بها لاشتغالهم بالمجاهدة قبل إحكام العلم ومن غير اقتداء بشيخ متقن في الدين والعلم صالح للاقتداء به وإحصاء أصنافهم يطول”.

الفرقة الخامسة:
“وفرقة أخرى جاوزت حد هؤلاء واجتنبت الأعمال وطلقت الحلال واشتغلت بتفقد القلب وصار أحدهم يدّعي المقامات من الزهد والتوكل والرضا والحب من غير وقوف على حقيقة هذه المقامات وشروطها وعلاماتها وآفاتها، فمنهم من يدّعي الوجد والحب لله –تعالى- ويزعم أنه واله بالله ولعله قد تخيل في الله خيالات هي بدعة أو كفر فيدعي حب الله قبل معرفته ثم إنه لا يخلو عن مقارفة ما يكره الله -عز وجل- وعن إيثار هوى نفسه على أمر الله وعن ترك بعض الأمور حياء من الخلق ولو خلا لما تركه حياء من الله تعالى.

وليس يدري أكل ذلك يناقض الحب، وبعضهم ربما يميل إلى القناعة والتوكل فيخوض البوادي من غير زاد ليصحح دعوى التوكل وليس يدري أن ذلك بدعة لم تنقل عن السلف والصحابة، وقد كانوا أعرف بالتوكل منه فما فهموا أن التوكل المخاطرة بالروح وترك الزاد بل كانوا يأخذون الزاد وهم متوكلون على الله تعالى لا على الزاد، وهذا ربما يترك الزاد وهو متوكل على سبب من الأسباب واثق به وما من مقام من المقامات المنجيات إلا وفيه غرور وقد اغتر به قوم وقد ذكرنا مداخل الآفات في ربع المنجيات من الكتاب فلا يمكن إعادتها”.

الفرقة السادسة:
“وفرقة أخرى ضيّقت على نفسها في أمر القوت حتى طلبت منه الحلال الخالص وأهملوا تفقد القلب والجوارح في غير هذه الخصلة الواحدة، ومنهم من أهمل الحلال في مطعمه وملبسه ومسكنه وأخذ يتعمق في غير ذلك وليس يدري المسكين أن الله تعالى لم يرض من عبد بطلب الحلال فقط ولا يرضى بسائر الأعمال دون طلب الحلال بل لا يرضيه إلا تفقد جميع الطاعات والمعاصي.
فمن ظن أن بعض هذه الأمور يكفيه وينجيه فهو مغرور”.

الفرقة السابعة:
“وفرقة أخرى ادَّعَوْا حُسْنَ الْخُلُقِ وَالتَّوَاضُعَ وَالسَّمَاحَةَ فَتَصَدَّوْا لِخِدْمَةِ الصُّوفِيَّةِ فَجَمَعُوا قَوْمًا وَتَكَلَّفُوا بِخِدْمَتِهِمْ وَاتَّخَذُوا ذَلِكَ للرياسة وجمع المال وإنما غرضهم التكبر وهم يظهرون الخدمة والتواضع، وغرضهم الارتفاع وهم يظهرون أن غرضهم الإرفاق وغرضهم الاستتباع، وهم يظهرون أن غرضهم الخدمة والتبعية، ثم إنهم يجمعون مِنَ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ وَيُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ لِتَكْثُرَ أَتْبَاعُهُمْ وينشر بالخدمة اسمهم وبعضهم يأخذ أموال السلاطين ينفق عليهم وبعضهم يأخذها لينفق في طريق الحج على الصوفية ويزعم أن غرضه البر والإنفاق وباعث جميعهم الرياء والسمعة وآية ذلك إهمالهم لجميع أوامر الله –تعالى- عليهم ظاهراً وباطناً ورضاهم بأخذ الحرام والإنفاق منه.

ومثال من ينفق الحرام في طريق الحج لإرادة الخير كمن يعمر مساجد الله فيطينها بالعذرة ويزعم أن قصده العمارة”.

الفرقة الثامنة:
“وفرقة أخرى اشتغلوا بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها وصاروا يتعمقون فيها، فاتخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خدعها علماً وحرفة فهم في جميع أحوالهم مشغولون بالفحص عن عيوب النفس واستنباط دقيق الكلام في آفاتها، فيقولون هذا في النفس عيب والغفلة عن كونه عيباً عيب والالتفات إلى كونه عيباً عيب، ويشغفون فيه بكلمات مسلسلة تضيع الأوقات في تلفيقها ومن جعل طول عمره في التفتيش عن عيوب النفس وتحرير علم علاجها كان كمن اشتغل بالتفتيش عن عوائق الحج وآفاته ولم يسلك طريق الحج فذلك لا يغنيه”.

الفرقة التاسعة:
“وفرقة أخرى جاوزوا هذه الرتبة وابتدأوا سلوك الطريق وانفتح لهم أبواب المعرفة، فكلما تشمموا من مبادئ المعرفة رائحة تعجبوا منها وفرحوا بها وأعجبتهم غرابتها فتقيدت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكر فيها وفي كيفية انفتاح بابها عليهم وانسداده على غيرهم، وكل ذلك غرور لأن عجائب طريق الله ليس لها نهاية فلو وقف مع كل أعجوبة وتقيد بها قصرت خطاه وحرم الوصول إلى المقصد وكان مثاله مثال من قصد ملكاً فرأى على باب ميدانه روضة فيها أزهار وأنوار لم يكن قد رأى قبل ذلك مثلها فوقف ينظر إليها ويتعجب حتى فاته الوقت الذي يمكن فيه لقاء الملك”.

الفرقة العاشرة:
“وفرقة أخرى جاوزوا هؤلاء ولم يلتفتوا إلى ما يفيض عليهم من الأنوار في الطريق ولا إلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة ولم يعرجوا على الفرح بها والالتفات إليها جادّين في السير حتى قاربوا فوصلوا إلى حد القربة إلى الله –تعالى- فظنوا أنهم قد وصلوا إلى الله فوقفوا وغلطوا….”( ).

هذا قول أكبر أئمة الصوفية على مدار تاريخهم، هل رأيته وهو ينتقد ويصوّب ويصحح؟

هل رأيته وهو يُفصّل القول ويُظهر لهم ما خفي من أمرهم، ويقيّد ذلك في سفر أسماه: (إحياء علوم الدين)؟

فالذي يقول بأن علماء التصوف أجمعوا على البدعة، ولا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، وأنهم لا ينتقدون أتباعهم، فإنه يكفينا في الرد عليه ما ذكرناه من أقوال أئمة التصوف، وما تركناه أكثر مما أثبتناه.