الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلا مي الجزء الثالث
21 أبريل، 2026
العلمانية وغزو بلاد العرب

أحداث السقيفة والبيعة والشورى بين توقير الصحابة وافتراءات المغرضين
بقلم / د. بدر الفيومي
دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر
إذا ما انتقلنا من المحطات السابقة إلى هذا الطرح، نجد أننا ما زلنا داخل الدائرة نفسها، غير أننا هذه المرة نقترب من واحدة من أكثر الوقائع دقةً وحساسيةً في التاريخ الإسلامي المبكر، وهي وقائع السقيفة، والبيعة، والشورى، ثم ما تلا ذلك من استقرار أمر الخلافة في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم.
وليس المقصود هنا أن نستعيد أخبارًا قديمة على نهج السرد البارد، ولا أن نكرر ما في بطون الكتب تكرارًا لا يضيف جديدًا، وإنما المقصود أن نتأمل كيف تحولت هاتيك الوقائع، مع مرور الزمن، من أحداث تاريخية محددة إلى مادة كبرى راسخة في الوعي الجمعي الإسلامي، الأمر الذي جعلها في حاضرنا المعيش مجالًا واسعًا للأخذ والرد، وموضعًا يتكلم فيه قادة الرأي، ويدخله المشككون، ويعبث به المجدفون، ويقتحمه المجترئون والمجتزئون، كلٌّ بحسب نهجه، وضمن النسق الذي يتحرك فيه.
ذلك أن كثيرًا من الكتابات المعاصرة لا تنظر إلى أحداث السقيفة والبيعة والشورى باعتبارها وقائع اجتهادية جرت في لحظة استثنائية وعصيبة من تاريخ الأمة، بل يبدوا أنها تتعامل معها وكأنها كانت البداية الحقيقية للانقسام، والمنبع الأول للخصومة، والمولد المباشر للصراع الكبير الذي عرفه التاريخ الإسلامي بعد ذلك.
وهذا في الحقيقة خلل منهجي بيّن، الأمر الذي يقوددنا إلى زيغ في الفهم قبل أن يوقعنا في اضطراب الحكم. لأن الخلاف الذي وقع في الصدر الأول لم يكن في ذاته تأسيسًا للفرقة، ولا إعلانًا عن سقوط الجماعة، ولا كان خروجًا عن أصل الدين أو نهج الأمة، وإنما كانت الخطورة الكبرى فيما صنعه المتأولون بعد ذلك، حين انتزعوا الوقائع من سياقاتها، ثم أعادوا تركيبها داخل نسق آخر، يخدم نهوج الفرق، ويفتح الباب للأغيار، ويمنح المشككين مادة جاهزة للطعن في خير القرون.
ومن هنا، حري بنا ألّا نتعامل مع هذه الأخبار بعاطفة الوقت المعيش، ولا بانفعالات حاضرنا المعيش، ولا بالأحكام الجاهزة التي يرددها بعض المتأسلمين، أو يروجها بعض المجدفين، ممن يعتمدون على روايات مبتورة، أو نصوص مجتزأة، أو خلاصات سريعة، ثم يظنون أنهم بذلك قد أحاطوا بلباب التاريخ، وكشفوا خفيّه.
والحق أن التاريخ الإسلامي المبكر لا يقرأ بهذه العجلة، ولا يفهم بهذا التبسيط، ولا يمر من غير غرابيل التحقيق والتمحيص. بل لا بد من رد الأخبار إلى أصولها، ووزنها بميزان العلم، والنظر فيها ضمن البنية الكلية التي حكمت تصرفات الصحابة رضي الله عنهم، لأن أولئك لم يكونوا أهل هوى، ولا أصحاب دنيا، ولا ممن تحركهم العصبيات الضيقة، بل كانوا صفوة هذا الدين، وأعرف الناس بمقاصده، وأحرصهم على جمع الكلمة، وصيانة الجماعة، وإغلاق الثغرات التي قد ينفذ منها المشككون والمجترئون.
أحداث السقيفة والبيعة بين توقير الصحابة وافتراءات المغرضين:
لما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت الصدمة شديدة على المسلمين، حتى ذهل بعض الصحابة لهول المصاب. وهنا برز أبو بكر الصديق رضي الله عنه في موقف من أعظم مواقف الإسلام، حين دخل على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكشف عن وجهه، وقبله، وقال كلمته المملوءة وفاءً ومحبةً ويقينًا، ثم خرج إلى الناس فخطبهم خطبته المشهورة: من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم). وهنا نجد أنفسنا أمام مشهد لا يكشف فقط عن قوة شخصية أبي بكر، بل يكشف كذلك عن رسوخ النسق الإيماني في وعيه. إذ لم يكن ما فعله مجرد تهدئة للناس، بل كان ردًّا للأمة إلى أصلها المؤسس (القرآن، والثبات، واليقين).
وهذا الأمر الذي ينبغي أن نتنبه إليه جيدًا؛ لأن بعض المجترئين يقرؤون ذهول بعض الصحابة بوصفه اضطرابًا في العقيدة، وهذا من التجديف المعرفي الذي لا يقوله منصف، إذ الذي وقع لم يكن خلافًا في أصل الدين، وإنما كان رجّة بشرية طبيعية أمام أعظم مصيبة نزلت بالأمة. وفي أثناء ذلك كان علي بن أبي طالب، والعباس، والفضل، وغيرهم من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم منشغلين بتجهيزه وغسله ودفنه، وهو شرف عظيم ومقام جليل.
وفي المقابل اجتمع بعض الأنصار في سقيفة بني ساعدة للنظر في أمر القيادة بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم -. وهنا تبدأ الواقعة التي أكثر فيها المجدفون، وعبث بها المشككون، وبنى عليها الوضاعون كثيرًا من السرديات المتأخرة. والحق أن السقيفة، إذا قرئت قراءة منصفة، لا تكشف عن صراع على السلطان كما يٌدعى، بل تكشف عن حيوية الجماعة في لحظة الفراغ السياسي، وسرعة انتقالها من الصدمة إلى تدبير المصلحة العامة.
ولكي لا يبقى الكلام في السقيفة مجالًا للتلقي المجتزأ، أو العبث الذي يمارسه المشككون والمجدفون، نعرض الروايات كما وردت، ثم نمررها عبر غرابيل التحقيق، لا عبر انفعالات الوقت المعيش، ولا عبر النسق الذي يروّجه المتأولون وأصحاب الأهواء. ولذلك، فإننا نذكر أولًا ما أورده الطبري في تاريخه نقلًا عن (أبي مخنف)، ذلك الرجل الذي عُرف عند المحدثين بضعفه وكذبه، وكثرة ما دسّه في الأحداث التاريخية مما ينتقص من شأن الصحابة رضي الله عنهم، ويصورهم وكأنهم كانوا يتنازعون الدنيا، ويتدافعون السلطان، ويغلب عليهم الهوى، وهي صورة طالما تلقفها المغرضون الحاقدون، ثم جعلوها في حاضرنا المعيش مادة جاهزة للطعن، والتشكيك، وإثارة الشبهات.
ثم بعد ذلك نذكر الرواية الصحيحة التي ذكرها الإمام البخاري، ثم نقارن بين الروايتين، حتى يتبين موضع الزيادة، وموطن التلفيق، وحجم ما أُلصق بالقصة مما لا يثبت. ومثل هذا سيأتينا أيضًا في قصتي الشورى والتحكيم، حيث نجد النسق نفسه يتكرر، واليد نفسها تعبث، والنهج نفسه يعيد تشكيل التاريخ على صورة ترضي الأغيار، وتغذي نهوج الفرق.
أولا/رواية أبي مخنف التي أوردها الطبري، وخلاصتها أن الأنصار لما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: نولي هذا الأمر سعد بن عبادة، وتكلم بعضهم بما يدل على أن لهم السابقة والنصرة، وأن العرب إنما دانت للإسلام بأسيافهم، ثم قيل: إن أبت قريش، قلنا: منا أمير ومنكم أمير. ثم يذكر الخبر أن عمر رضي الله عنه بلغته هذه المقالة، فأخبر أبا بكر، فذهبا ومعهما أبو عبيدة إلى السقيفة، وأن أبا بكر تكلم، وأن الحباب بن المنذر اشتد في الكلام، وحض الأنصار على التمسك بالأمر، ثم يذكر أبو مخنف بعد ذلك زيادات طويلة، منسوبة إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه، فيها وعيد وتهديد، وكلام يوهم أنه صار في خصومة مفتوحة مع الصحابة، بل زاد هذا الراوي ما هو أشنع من ذلك، فزعم أن سعدًا كان لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجمعتهم، ولا يفيض بإفاضتهم، وأنه ظل على هذا حتى مات أبو بكر رضي الله عنه.
وهنا نجد أنفسنا أمام رواية متضخمة، يبدوا فيها أثر الصنعة، ويظهر فيها نفس القصاصين الذين لا يكتفون بنقل أصل القصة، بل يضيفون إليها ما يشحنها، ويجعلها أصلح لخطاب الفتنة، وأقرب إلى هوى المجترئين والمجتزئين. فإن مثل هذه الزيادات ليست مجرد تفصيلات عابرة، بل هي التي صنعت عند كثير من الشيعة وغيرهم من المغرضين صورة ذهنية مستقرة عن السقيفة، حتى صار كثير من الباطل عندهم وكأنه من المسلمات، مع أنه لم يقم على نقل صحيح، ولا على ميزان منصف.
ثانيا/أما الرواية التي أخرجها الإمام البخاري من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فهي أوضح، وأقصر، وأقرب إلى طبيعة الواقعة نفسها؛ إذ فيها أن الأنصار اجتمعوا إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، وقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة رضي الله عنهم، وأراد عمر أن يتكلم، فأسكته أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر رضي الله عنه، فذكر أن المهاجرين هم الأمراء، وأن الأنصار هم الوزراء، فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير.
فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، ثم قال: هم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة. فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخذ بيده فبايعه، وبايعه الناس. ثم وقع ما جاء في الرواية من قول قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله.
وهذه الرواية الصحيحة، على اختصارها، تكشف حقيقة ما جرى في السقيفة ( اجتماع، ثم نقاش، ثم ترجيح، ثم حسم، ثم بيعة). فلا اقتتال، ولا مؤامرة، ولا ذلك التهويل الذي امتلأت به رواية (أبي مخنف). وهذا هو الفرق بين الرواية التي تأتي من طريق الثقات، فتؤدي المعنى من غير تكلّف، وبين الرواية التي تعبث بها الأهواء، فتجعل من الواقعة المحدودة قصة طويلة مملوءة بالتوتر والخصام والوعيد.
ومن هنا، فإن ما زاده أبو مخنف منسوبًا إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه، من قوله: أٌقاتلكم، أو من زعمه أنه ترك الصلاة معهم، والجمعة معهم، والحج معهم، وما إلى ذلك من التفصيلات، كل ذلك أباطيل لا تثبت، ولا تقوم على ساق عند التحقيق.
فقصة السقيفة، في ظاهرها، لم تكن بتلك الضخامة التي صوّرها هذا الراوي -أبو مخنف-، ولم تستغرق ما يجعلها ذلك المشهد الملتهب الذي تحب بعض النهوج المعاصرة أن تعيد رسمه. وإنما ضُخّمت القصة لاحقًا، وأُلحقت بها زيادات، حتى خرجت من حدودها التاريخية المحدودة إلى صورة درامية تخدم قصد الطعن، لا قصد الفهم.
وأما ما يتعلق بسعد بن عبادة رضي الله عنه خاصة، فإن رواية الإمام أحمد من حديث حميد بن عبد الرحمن تعطي صورة مغايرة تمامًا لما يحاوله أصحاب الأهواء؛ إذ فيها أن أبا بكر رضي الله عنه تكلم، فلم يترك شيئًا أنزل في الأنصار، ولا شيئًا قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضلهم، إلا ذكره، ثم قال: (لقد علمت يا سعد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم. فقال سعد: صدقت، نحن الوزراء، وأنتم الأمراء).
وهذه الرواية أليق بمقام الصحابة، وأقرب إلى ما نعرفه من فضلهم، ومن حرصهم على الجماعة، وبعدهم عن النهوج التي يريد المشككون إلصاقها بهم. وأما قول عمر رضي الله عنه:
وصفوة القول في ذلك أن الرواية التي رويت في السقيفة من طريق أبي مخنف ليست إلا مثالًا واضحًا على الكيفية التي اشتغل بها بعض الرواة على تشويه التاريخ الإسلامي المبكر، وإدخال الزيادات التي تنال من صفاء صورة الصحابة في الوعي الجمعي.
أما الرواية الصحيحة، فقد كشفت أن ما جرى كان نقاشًا محدودًا في لحظة استثنائية، انتهى إلى البيعة، واستقر به أمر الأمة، من غير ما يروجه المجدفون، ولا ما يتلقفه المغرضون. ولهذا فإن الروايات المرسلة التي يشهد لها أصل صحيح، وتأتي في سياق منضبط، تظل -مع ما فيها- أقوى بكثير من روايات أولئك الكذابين الذين جعلوا التاريخ ميدانًا للتزيد، وبابًا للنيل من خير القرون.
وللحديث بقية …