حرمة الذات البشرية: بين القرآن وشرائع أهل الكتاب
16 أبريل، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم / الدكتور : محمود حسن محمود
ادارة التحرير والترجمة والنشر بالمجلس الاعلى للشئون الاسلامية
تعدُّ مسألة “الحياة” في الوعي الديني قضيةً مركزية لا تقبل التفاوض؛ فهي ليست ملكيةً خاصة للفرد يتصرف فيها كيفما يشاء، بل هي أمانة مستودعة وهبةٌ من الخالق. ومن هنا جاء الاتفاق بين الشرائع السماوية على تجريم الانتحار ووضعه في سياق “الاعتداء على ملك الله”، واعتباره خروجًا عن مقتضى الاستخلاف الإنساني في الأرض.
أولًا: التأصيل في الإسلام (الأمانة والابتلاء)
ينظر الإسلام إلى النفس البشرية باعتبارها ملكًا لله عز وجل، وقد وضع سياجًا من الحرمة والقدسية حولها. ينطلق التحريم في الإسلام من ركيزتين: النص الشرعي الصريح، والمقصد الكلي للشريعة وهو “حفظ النفس”، الذي صنفه الإمام الشاطبي في كتابه “الموافقات” كأهم الضرورات الخمس بعد حفظ الدين.
من القرآن الكريم: يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]. الاستدلال هنا واضح، حيث قرن الله النهي عن قتل النفس برحمته، إشارةً إلى أن اليأس من رحمة الله هو المحرك الأول لهذه الجريمة، وهو ما ينافي جوهر الإيمان.
من السنة النبوية: شددت الأحاديث على عِظم هذا الذنب؛ فقد ورد في “صحيح البخاري” (رقم 5778) و*”صحيح مسلم”* (رقم 109) عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا…». والهدف من هذا الوعيد هو الزجر والبيان بأن الهروب من آلام الدنيا المؤقتة إلى الانتحار يؤدي إلى “ألمٍ أبدي”. كما ورد في حديث آخر في “صحيح البخاري” (رقم 3463) في شأن رجل قتل نفسه: «قال الله تعالى: بَادَرَنِي عَبْدِي بنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عليه الجَنَّةَ».
ثانيًا: المسيحية (الجسد هيكل الروح)
في الفكر المسيحي، يُعتبر الجسد أداةً لتمجيد الله وليس ملكًا شخصيًا. ينطلق التحريم من الوصية السادسة في “سفر الخروج” (20: 13): “لاَ تَقْتُلْ”، وهي وصية عامة تشمل قتل النفس والآخرين.
المنظور اللاهوتي: يُنظر إلى الجسد بقدسية شديدة، استنادًا إلى ما ورد في “رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس” (3: 16-17): “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟… إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ”.
التأصيل الفلسفي: يُعد القديس “أغسطينوس” في كتابه “مدينة الله” (Book I, Ch. 17-27) من أوائل من أصّلوا قطعية التحريم، معتبرًا الانتحار جريمة تمنع صاحبها من التوبة، ورفضًا لفضيلة “الرجاء”. كما أكد توما الأكويني في “الخلاصة اللاهوتية” أن الانتحار خطيئة ضد الطبيعة وضد المجتمع وضد الله.
ثالثًا: اليهودية (قدسية الحياة – Pikuach Nefesh)
تُقدّم اليهودية مفهوم “قدسية الحياة” على كل شيء تقريبًا، ويُعتبر الانتحار في الشريعة اليهودية (الهلاخاه) جريمة نكراء لأنه إنكار بأن الإنسان خُلق على صورة الله.
التوثيق من التوراة: يُستند في التحريم إلى ما ورد في “سفر التكوين” (9: 5): “وَمُطَالِبٌ أَنَا بِدِمَائِكُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَقَطْ”، ويفسرها الربانيون (مثل “راشي”) بأن الله سيحاسب المرء على إزهاق روحه بنفسه.
التشريع (الهلاخاه): ذكر موسى بن ميمون في كتابه “مشناه توراة” (فصل شرائع القتل) أن الذي يقتل نفسه “عمدًا” يُعتبر سفاك دم، ويُحرم من بعض مراسم الحداد والتشريفات الجنائزية زجرًا لغيره. ويبرز هنا مبدأ “Pikuach Nefesh” (حفظ النفس) الوارد في “التلمود البابلي”، الذي يوجب كسر أي وصية دينية أخرى من أجل إنقاذ حياة الإنسان.
رابعًا: القواسم المشتركة والفلسفة الأخلاقية
تلتقي الشرائع عند نقاط جوهرية تُشكل سدًا منيعًا ضد اليأس:
رفض القنوط: الشرائع تعزز مبدأ الصبر؛ فالحياة رحلة اختبار، والانتحار هو “انسحاب غير مشروع” وفشل في الثقة بحكمة الخالق.
المسؤولية الاجتماعية: انتحار الفرد يمثل تمزيقًا للنسيج الأسري والاجتماعي، وهو ما ترفضه الشرائع التي تركز على التكافل.
المنظور الأخلاقي: اتفقت الشرائع على أن “الحق في الحياة” هو حق أصيل لا يملك الفرد التنازل عنه.
خاتمة :
إن تأصيل حرمة الانتحار ليس مجرد “منع قانوني”، بل هو دعوة للتمسك بالأمل وإعلاء لقيمة الإنسان. فالدين يعمل كحائط صد يذكر المرء بأن المعاناة جزء من التجربة البشرية، وأن “الخروج الاضطراري” لا يحل الأزمة بل ينقلها إلى سياق المحاسبة الإلهية. ومع ذلك، تفرق المؤسسات الدينية المعاصرة (كدار الإفتاء أو المجامع الكنسية) بين “المتعمد” وبين “المريض النفسي” الذي غُلب على عقله، إرساءً لقواعد الرحمة والعدل الإلهي.