بين التحقيق والاندفاع: خطر التكفير بلا علم


بقلم الشيخ : أحمد أبو المجد الأزهرى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وبعد؛

معلوم أن الحكم على الشئ فرع عن تصوره، والحيثيات معتبرة ، فهذه الجملة ” سبحاني” أو غيرها من الكلمات المستبشعة لا شك في ذلك، لكن لابد أن ننظر إلى المقولة ثم إلى القائل هل هو مسلم أم غير مسلم، ثم ننظر إلى حاله ثم نضع في عين الاعتبار أشياء مهمة وهي:

1- حمل اللفظ على معهود القائل.

لو قال شخص عبارة “عيسى يحيي الموتى”، فإن السياق والقرائن الحالية للمتكلم هي التي تحدد المراد.

المسلم: يُحمل قوله على المجاز العقلي أو السببية القدرية (بإذن الله)، لأن أصل إيمانه يمنع اعتقاد الاستقلالية في الخلق.

غير المسلم: يُحمل قوله على ظاهر معتقده في الطبيعة اللاهوتية، فالمسلم لا يكفر بلفظ يحتمل وجهاً من وجوه التوحيد.

2. غلبة الحال (السُكر المعنوي)

وهو المعروف بحالات “الوجد” أو “الفناء” يلحقها العلماء بباب “الخطأ في حال شدة الفرح أو الغضب أو الذهول”، كحديث الرجل الذي أضاع راحلته في الصحراء، فلما وجدها قال من شدة الفرح: “اللهم أنت عبدي وأنا ربك”، قال النبي ﷺ: “أخطأ من شدة الفرح”.

هذا الرجل نطق بصريح الكفر، لكن لم يكفر لأن القصد (الإرادة) قد تخلف بسبب ذهول العقل.

3. الفرق بين عبارات المغلوب عليه والردة

وسأذكر لكم علماء فرقوا بين عبارات:

المرتد: الذي يقصد المعنى الكفري بإرادته.

المغلوب عليه: الذي يغلب عليه حال يغيب فيه عن شهود نفسه، فيتكلم بلسان “الفناء”، وهو حال يعرض لبعض السالكين بحيث لا يشهد إلا مسببه، فيظن أنه هو، وهذا ليس كفراً مخرجاً من الملة لعدم القصد.

4- أقوال الأئمة من أهل السنة (كالغزالي وابن حجر الهيتمي والسيوطي)وغيرهم كابن تيمية وابن القيم.

وأبد أ بابن تيمية: رغم شدته في نقد الاتحاد والحلول، إلا أنه كان منصفاً جداً مع “أصحاب الفناء “، فكان يقول عنهم: “هؤلاء سكروا من خمرة المحبة، والغائب عن عقله لا يُؤاخذ”.

يقول ابن تيمية: “وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد؛ فإن الاتحاد فيه حق وباطل لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه ولم يكن ذلك بذنب منه: كان معذورا غير معاقب عليه ما دام غير عاقل فإن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق؛ وإن كان مخطئا في ذلك كان داخلا في قوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وقال: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به}.

وهذا كما يحكى أن رجلين كان أحدهما يحب الآخر فوقع المحبوب في اليم فألقى الآخر نفسه خلفه. فقال: أنا وقعت فما الذي أوقعك؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني. فهذه الحال تعتري كثيرا من أهل المحبة والإرادة في جانب الحق وفي غير جانبه وإن كان فيها نقص وخطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن عرفانه وبمشهوده عن شهوده وبموجوده عن وجوده فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده؛ فقد يقول في هذه الحال: أنا الحق أو سبحاني أو ما في الجبة إلا الله ونحو ذلك وهو سكران بوجد المحبة الذي هو لذة وسرور بلا تمييز” .

وفي منهاج السنة قال: وَمَا يُذْكَرُ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: ” مَا فِي الْجُبَّةِ إِلَّا اللَّهُ ” وَقَوْلِهِ: ” أَيْنَ أَبُو يَزِيدَ؟ أَنَا أَطْلُبُ أَبَا يَزِيدَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ ” وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَقَدْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ; وَلِهَذَا يُقَالُ عَنْهُ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا أَفَاقَ أَنْكَرَ هَذَا.

فَهَذَا وَنَحْوُهُ كُفْرٌ، لَكِنْ إِذَا زَالَ الْعَقْلُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ الْإِنْسَانُ، كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ، لَمْ يَكُنْ مُؤَاخَذًا بِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ فِي حَالِ عَدَمِ التَّكْلِيفِ .

قال ابن القيم: الْحَالُ تَأَثُّرٌ عَنْ نُورٍ مِنْ أَنْوَارِ الْأَحَدِيَّةِ وَالْفَرْدَانِيَّةِ. يَسْتُرُ الْعَبْدَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيُبْدِي ظُهُورَ مَشْهُودِهِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي هَذَا الْحَالِ قَدْ يُعْتَقَدُ أَنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْمَشْهُودُ. حَتَّى قَالَ أَبُو يَزِيدَ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ: ‌سُبْحَانِي ‌سُبْحَانِي، وَمَا فِي الْجُبَّةِ إِلَّا اللَّهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ زُورٌ. وَأَنَّ سَبَبَهُ نُورٌ مِنْ أَنْوَارِ الْأَحَدِيَّةِ، وَصَاحِبُهُ مَعْذُورٌ. مَا دَامَ مَسْتُورًا عَنْ نَفْسِهِ بِوَارِدِهِ. فَإِذَا رُدَّ إِلَى رَسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَحِسِّهِ: حَالَ ذَلِكَ الْحَالُ وَزَالَ، وَعَلِمَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ كَانَ زُورًا. حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْمَشْهُودُ.

فَإِنْ أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ فَلَا كَلَامَ مَعَكُمْ. وَإِنِ اعْتَرَفْتُمْ بِهِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ .

وفي طريق الهجرتين: علق على قول أبي يزيد قائلاً: “ونحو هذا من الشطحات التى نهايتها أَن يغفر له ويعذر لسكره وعدم تمييزه فى تلك الحال .

الإمام الغزالي: كان يرى أن هذه الكلمات (مثل “سبحاني”) تُطوى ولا تُحكى، وأن قائلها إن كان صاحب حال ومستقيماً في شرعه، يُؤول كلامه أو يُعذر بغلبة الحال.

قال الغزالي في المقصد الأسنى: وَقَول أبي يزِيد رَحمَه الله إِن صَحَّ عَنهُ ‌سبحاني مَا أعظم شأني إِمَّا أَن يكون ذَلِك جَارِيا على لِسَانه فِي معرض الْحِكَايَة عَن الله عز وَجل كَمَا لَو سمع وَهُوَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني لَكَانَ يحمل على الْحِكَايَة وَإِمَّا أَن يكون قد شَاهد كَمَال حَظه من صفة الْقُدس على مَا ذكرنَا فِي الترقي بالمعرفة عَن الموهومات والمحسوسات وبالهمة عَن الحظوظ والشهوات فَأخْبر عَن قدس نَفسه وَقَالَ ‌سبحاني وَرَأى عظم شَأْنه بِالْإِضَافَة إِلَى شَأْن عُمُوم الْخلق فَقَالَ مَا أعظم شأني وَهُوَ مَعَ ذَلِك يعلم أَن قدسه وَعظم شَأْنه بِالْإِضَافَة إِلَى الْخلق وَلَا نِسْبَة لَهُ إِلَى قدس الرب تَعَالَى وتقدس وَعظم شَأْنه وَيكون قد جرى هَذَا اللَّفْظ فِي سكره وغلبات حَاله فَإِن الرُّجُوع إِلَى الصحو واعتدال الْحَال يُوجب حفظ اللِّسَان عَن الْأَلْفَاظ الموهمة وَحَال السكر رُبمَا لَا يحْتَمل ذَلِك فَإِن جَاوَزت هذَيْن التَّأْويلَيْنِ إِلَى الِاتِّحَاد فَذَلِك محَال قطعا فَلَا ينظر إِلَى مناصب الرِّجَال حَتَّى يصدق بالمحال بل يَنْبَغِي أَن يعرف الرِّجَال بِالْحَقِّ لَا الْحق بِالرِّجَالِ.

وفي مرآة الزمان لسبط بن الجوزي:

فصل: قال المصنِّفُ رحمه الله: وقد نقلتُ عنه ألفاظًا من باب الشطح والدعاوى، والجوابُ مختصر؛ وهو أن للمشايخ أحوالًا، حالُ قبض وبسط، وفناء وبقاء، وقد يطرأُ على الإنسان أحوالٌ فتغيِّبه عن الموجودات.

وقيل للجنيد: قد قال أبو يزيد: ‌سبحاني!

فقال: الرجل مستهلَكٌ في شهود الجلال، أذهلَه الحقُّ عن رؤية ما سواه، فوصفَه بما لا يليقُ إلَّا به سبحانه ، إن صح ما ذكروا عنه في هذا الباب أنَّ للرجل حالين، حال بسطٍ وحال قبض، ففي حالة البسط ينطقُ عن وجده بلسان الفناء، وفي حالةِ القَبْضِ ينطق بما يردُ عليه من الواردات، فيغيبُ عن الموجودات فلا يشاهدُ إلَّا مُوجِدَها، وهذه الأحوالُ ينكرُها من لا يعرفها، ويعرفها من لابَسها:

يَعرِفُهُ الباحِثُ من جِنْسِه … وسائرُ الناسِ له مُنكِرُ

وهذا الرجلُ – رضي الله عنه – كان يغرفُ من بحرٍ عميق لا يزاحمُه فيه غيره، ولا يفهمُه إلَّا من حصلَ له من الذوقِ ما حصل له، ثمَّ إنَّ الأقوال التي نُقِلت عنه من هذا، إن صحَّت عنه، فهي متأوَّلَةٌ محتمِلةٌ، والله أعلم .

قال السيوطي في الحاوي: وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيُّ:

‌سُبْحَانِي مَا أَعْظَمَ شَانِي، فَهُوَ فِي مَعْرِضِ الْحِكَايَةِ عَنِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ أَنَا الْحَقُّ مَحْمُولٌ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَلَا يُظَنُّ بِهَؤُلَاءِ الْعَارِفِينَ الْحُلُولُ وَالِاتِّحَادُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَظْنُونٍ بِعَاقِلٍ، فَضْلًا عَنِ الْمُتَمَيِّزِينَ بِخُصُوصِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْيَقِينِ وَالْمُشَاهَدَاتِ، وَلَا يُظَنُّ بِالْعُقَلَاءِ الْمُتَمَيِّزِينَ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ بِالْعِلْمِ الرَّاجِحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْمُجَاهَدَةِ وَحِفْظِ حُدُودِ الشَّرْعِ الْغَلَطُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ .

يقول ابن حجر الهيتمي: وَمَا حكى عَن أبي يزِيد رَضِي الله عَنهُ من قَوْله سبحاني حاشا الله أَن يعْتَقد فِي أبي يزِيد أَن يَقُول مثل ذَلِك إِلَّا على معنى الْحِكَايَة عَن الله تَعَالَى قَالَ وَذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَن يعْتَقد فِي الحلاج رَحمَه الله فِي قَوْله أَنا الْحق ثَانِيهَا إِن ذَلِك وَقع مِنْهُم فِي حَال الْغَيْبَة وَالسكر الناشئين عَن الفناء فِي الْمحبَّة وَالشُّهُود لموارد الْأَحْوَال المزعجة للقلب الآخذة لَهُ من صحوه وتمييزه أَلا ترى أَن بعض الهموم أَو الواردات الدُّنْيَوِيَّة إِذا وَردت على الْقلب أذهلته وأذهبت تَمْيِيزه لشدَّة تمكنها مِنْهُ واستغراقه فِي فكره وخطرها فَإِنَّهُ إِذا كَانَ هَذَا فِي الْأُمُور السافلة الَّتِي لَا تقاوم جنَاح بعوضة فَكيف بواردات الْحق على الْقُلُوب ولواعج الْمحبَّة المذهلة عَن كل مَطْلُوب ومرغوب وعوالم الملكوت المنكشفة لَهُم فِي منازلاتهم ومشاهدة عجائب الْقُدْرَة فِي ترقياتهم فَإِن ذَلِك لَا يبْقى فِي الْقلب شعورا وَلَا تمييزا بل يصير صَاحبه كَالسَّكْرَانِ الثمل فَحِينَئِذٍ ينْطق بِمَا رسخ فِي خلده قبل وَيرجع بطبعه قهرا عَلَيْهِ إِلَى مَكَان يلحظه ويعول عَلَيْهِ فينطق لِسَانه بطبق تِلْكَ الْأَحْوَال لَكِن بعبارات لَا يقْصد بهَا مَا يُوهِمهُ ظَاهرهَا من اتِّحَاد أَو حُلُول أَو انحلال فَتَأمل ذَلِك وعول عَلَيْهِ تسلم وكل سكر نَشأ عَن سَبَب جَائِز فصاحبه غير مُكَلّف وَمِمَّنْ اعْتمد هَذَا المسلك القطب الرباني عبد الْقَادِر الجيلاني نفع الله بِهِ.

وختاماً:

اعلم أخي القارئ أن منهج “التماس الأعذار” في الألفاظ الموهمة هو صمام أمان لك، أخي لست مجتهداً لتحكم على فعل ولا قول، ولست قاضياً لتحكم على شخص، والأمر جد خطير، فلا تُسلم عقلك لمن يوهمك أنك قادرٌ أن تحكم على الناس وعقائدهم، أصلحنا الله وإياهم.

ـــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

ابن تَيْمِيَّة: (تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨هـ):مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية ١٩٩٥م، ج2 ، ص396.

ابن تيمية: منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، تحقيق، محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1986م، ج5، ص358.

ابن القيم ( ت751هـ): مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤١٦ هـ – ١٩٩٦م، ج2، ص274.

ابن القيم ( ت751هـ): طريق الهجرتين وباب السعادتين، دار السلفية، القاهرة، مصر، الطبعة: الثانية، ١٣٩٤هـ، ص23.

أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت 505هـ): المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، تحقيق، بسام عبد الوهاب الجابي، الجفان والجابي – قبرص، 1987م، ص154.

سبط ابن الجوزي( ت ٦٥٤ هـ): مرآة الزمان في تواري

خ الأعيان، : دار الرسالة العالمية، دمشق – سوريا، 2013م، ج15، ص443.

عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١هـ): الحاوي للفتاوي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، 2004م، ج2، ص162.

أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس (المتوفى: ٩٧٤هـ): الفتاوى الحديثية، دار الفكر، ص422.