حب آل البيت في عصر التريند بين المدرسة الأزهرية والمتمسلفة
22 مارس، 2026
منبر الأزهريين

بقلم الشيخ: محمد رجب أبو تليح
عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف
إن ما حدث في السوشيال ميديا منذ صلاة عيد الفطر يعكس أزمة “فقه الأولويات” و”فقه الموازنات”. فالتيارات المتشددة تركز على ألفاظ قد تحتمل التأويل، وتتجاهل المقاصد العظمى من الصلاة والعيد والوحدة الوطنية.
لم تكن المعركة حول عقيدة كبرى، ولا حول حكم شرعي مجمع على تحريمه، بل كانت حول “دعاء” خرج من قلب إمام، حمل في طياته حبا لآل بيت النبي ﷺ، واستمطر به رحمة الله لوطنه مصر.
إن الاعتراض الذي شنته بعض التيارات المتشددة على دعاء الشيخ سيد عبد الباري: “اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها، والسر الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم”، ليس مجرد نقد لفظة، بل هو اختبار حقيقي لمدى استيعابنا لـ “روح الإسلام” مقابل “حرفية النص”.
إننا هنا لا ندافع عن شخص، بل ندافع عن “المساحة الروحية” التي يسمح بها الإسلام للمؤمن ليقرب بها إلى ربه، مستندين في ذلك إلى نور الكتاب والسنة، بعيدين عن الغلو الجافي أو التفريط الغالي.
ومن ثوابت عقيدة هؤلاء التي خالفوا بها عقيدة أهل السنة: “تحريمهم التوسل بالنبي ﷺ وآله.
غير آخذين بأدلة أهل الحق فتراهم مضعفين لها أو منكرين، وما هذا إلا الجهل والكبر بعينه.
ومن تلك الأدلة على جواز التوسل بالنبي ﷺ ما ورد في الحديث الصحيح عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه، أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: “ادع الله أن يعافيني وأن يرد علي بصري”، فقال له النبي: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت»، قال: بل ادع، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يقول: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي اللهم شفعه في وشفعني في نفسي ». (رواه الترمذي وصححه).
فهذا الحديث هو العمدة في جواز التوسل بالنبي ﷺ، وإذا جاز التوسل بالنبي وهو سيد الخلق، فالتوسل بآل بيته الطاهرين الذين هم جزء منه جائز.
وإن الهجوم على ذكر أسيادنا: “فاطمة وعلي والحسن والحسين”، في غير موضعه لا الشرعي ولا العقلي.
إذ كيف يُعترض على دعاء يذكر فيه أهل البيت الذين أمرنا الله بالصلاة عليهم في الصلاة تبعا للصلاة على جدهم النبي ﷺ؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
وكيف يعترض على ذكرهم والتشفع بهم في الدعاء وهم سبل الهداية وموضع العناية الرحمانية، واحب الخليفة الإنسانية إلى الله عز وجل، ووصية النبي ﷺ؟!.
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً… ثم قال: *”ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فاستمسكوا بكتاب الله وخذوا به، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي” (رواه مسلم).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: « إنِّي تارِكٌ فيكم الثَّقَلَيْنِ أحَدُهما أكبَرُ مِن الآخَرِ كتابُ اللهِ حبلٌ ممدودٌ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ وعِتْرتي أهلُ بيتي وإنَّهما لن يتفرَّقا حتَّى يرِدَا علَيَّ الحوضَ». أخرجه الترمذي (3788)، وأحمد (11104).
فالإمام في خطبته لم يبتدع بدعة، بل سار على هدي السلف في الاستشفاع بأحب الخلق إلى الله.
وكانت الغاية من الدعاء هي “مصر”. ﴿لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم﴾. وهذا يعكس وطنية إسلامية أصيلة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة قال: «والله إنك لأحب أرض الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت». (رواه الترمذي).
فحب الوطن غريزة فطرية، والدعاء له فرض.
وإننا ندعو هؤلاء إلى التهدئة، والعودة إلى منهج الأزهر الشريف، الذي طالبوه بالتدخل وكأن الشيخ قد ارتكب جرما عظيما، فمنهج أهل السنة والجماعة، الذين نعرفهم وليس كل من يدعي هذه النسبة،. يتسع للتنوع في الأذكار والأدعية ما لم تخالف نصاً قطعياً. وإن دفاعنا عن الإمام هو دفاع عن “حرية الروح المؤمنة” في أن تناجي ربها بما يشاء من أحب الأسماء وأكرم الوسائل، دون وصاية من متشدد يظن أن الغلظة هي الدين، وأن الجفاء هو التقوى.
فلنترك الضجيج، ولنستمع لصدى المئذنة الذي يدعونا للحب، ففي حب آل البيت قربة، وفي الدعاء لمصر نجاة، وفي وحدة الصف عزّة. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.