في رحاب عيد الفطر المبارك


بقلم : أ.د – طلعت عبد الله أبو حلوة أستاذ البلاغة والنقد
ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر

لقد امتن الله -سبحانه وتعالى- علينا معشر المسلمين بعيدين مباركين: هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وفي ذلك إشعار بسماحة الإسلام ويسر شريعته، حيث راعى طبيعة الإنسان المكون من جسد وروح، ووازن بينهما، وأوجد لكل واحد منهما غذاءه، ويَسَّرَ له سبيله، وأباح للنفس -وهي المَلول النَّفور- الاستمتاع باللهو المباح؛ تنشيطًا لها على الاستمرار في الطاعة، وحتى يعلم أهل الكتاب أن في ديننا فُسْحة، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قالت: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ(1)، قالت: وَلَيْسَتا بِمُغَنِّيَتَيْنِ(2)، فقال أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يا أَبا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وهذا عِيدُنَا» رواه البخاري ومسلم.

والعيد فَرَحٌ مشروع للصائمين، وسرور مباح، حيث يفرحون بفطرهم وإتمام صيامهم، ويسعدون بفضل الله عليهم، ورحمته لهم، يقول تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 58)، ويقول النبي -ﷺ-: “للصائمِ فَرْحَتانِ: فَرْحةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحةٌ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِ” رواه مسلم.

ويستحب في يوم العيد إشاعة الفرح والسرور، وإدخالهما على الأهل والأولاد، فقد أذن النبي -ﷺ- لزوجه السيدة عائشة -رضي الله عنها- بمشاهدة الأحباش وهم يلعبون بالحِراب في مسجده يوم العيد بما لا يخالف الشرع، وسترها بردائه؛ لتنظر من خلفه من باب حجرتها، وأسندت وجهها على عاتقه، وتركها حتى أخذت راحتها، ولم يستعجلها حتى انصرفت، فقد جاء عنها أنها قالت: “دَخَلَ الحَبَشَةُ المَسْجِدَ يَلْعَبُونَ فقال لي: “يَا حُمَيْرَاءُ، أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيْهِمْ؟”، فَقُلْتُ: «نَعَمْ”، فَقَامَ بِالْبَابِ، وَجِئْتُهُ فَوَضَعْتُ ذَقَنِي عَلَى عَاتِقَهُ، فَأَسْنَدْتُ وَجْهِي إِلَى خَدِّهِ» فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَسْبُكِ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَعْجَلْ، فَقَامَ لِي ثُمَّ قَالَ: «حَسْبُكِ» فَقُلْتُ: «لَا تَعْجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ» قَالَتْ: «وَمَا لِي حُبُّ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مَقَامُهُ لِي وَمَكَانِي مِنْهُ» رواه النسائي في السنن الكبرى.

والعيد فرصة لجمع شمل الأمة بتوحيد شعائرها ومشاعرها، وفرصة كذلك لنشر السلام والأمن والأمان بين المسلمين؛ لأنهم كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ويَحْسُن بالمسلم إذا وجد أخاه المسلم -ولو على كوكب غير الأرض- أن يُحْسِن إليه، وأن يعقد معه رباط المودة والحب والإخاء، والعيد فرصة أيضًا لتعاهد الأقارب والأهل والجيران بزيارتهم، وصلتهم، والسؤال عنهم، وتفقد أحوالهم، والاطمئنان عليهم، وقضاء حوائجهم، ومشاركتهم فرحتهم.
ومن جمال العيدين عندنا في الإسلام أن كل واحد منهما -الفطر والأضحى- مرتبط بفريضة من فرائض الإسلام، فعيد الفطر مرتبط بفريضة الصيام، وعيد الأضحى مرتبط بفريضة الحج.

والعيد ليس فقط لمن لبس الجديد، وأكل الشَّهِيَّ الطيّب اللذيذ، وإنما العيد حقًّا لمن اتقى الله صدقًا، وعمل واستعد ليوم الوعيد؛ ولذا فلا يفهم من العيد أنه انفلات من تعاليم الإسلام، وتحلل من أحكامه، إذ يبدأ المسلم يوم عيده بالتكبير، ثم الصلاة، ثم الاستماع إلى الذكر والموعظة، ويجب على المسلم أن يُحْسِن ظنه بالله -عز وجل- بأنه قبل صيامه وقيامه، وأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، واستجاب دعوته، فيمضي في حياته بعد ذلك ونفسه يملؤها الأمل، ويحدوها التفاؤل، فيقبل على فعل الخير، ويستزيد من أعمال البر.

والمؤمن الفَطِن الذّكِيّ هو من يعلم أن شهر رمضان ليس موسمًا مؤقتًا للطاعة والعبادة، وأن انتهاء الصيام ليس نهاية المطاف، وإنما ذلك بداية لانطلاقة جديدة، فمن علامات قبول الطاعة أن يُوَفَّق الإنسان لطاعة بعدها، ومن أسباب مغفرة السيئة أن يُتْبِعها الإنسان بحسنة تمحوها.