وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ

بقلم/ د. إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام المصرية

بين “الرغبة البشرية” و”الاختيار الإلهي” مسافة شاسعة يملؤها اليقين بأن اختيار الخالق هو الأكمل والأجمل دائمًا، فقد نذرت امرأة عمران ما في بطنها لخدمة المحراب، وهي كانت تظن أن القوة في الذكورة، فجاء الرد القرآني ليحطم قيود الموروث ويؤصل لمفهوم جديد للتميز؛ فليس الذكر الذي تمنيتهِ كهذه الأنثى التي اصطفيتُها.

في هذا المقال، نبحر في أعماق آيةٍ أعادت صياغة مفهوم المسئولية الإيمانية، وأعلت من شأن الأنثى في سياقٍ عجزت عن إدراكه الحسابات الأرضية.

تتجلى عظمة النظم القرآني في قوله تعالى “وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ” بوصفها حقيقةً تتجاوز حدود المقارنة البشرية الضيقة لتستقر في آفاق التكريم الإلهي الذي يقلب المقاييس الموروثة رأسًا على عقب.

ففي محراب قصة امرأة عمران، نجد نفسًا مؤمنةً قد نذرت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، وهي تحمل في وعيها الجمعي أن هذه المهمة الجليلة لا يقوى على أعبائها إلا الرجال، فلما جاء المولود على غير ما تمنت، انبعث منها صوت الاعتذار بقلب وجل “رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ”.

وهنا يأتي التعقيب الإلهي الفاصل ليصحح المسار الذهني للتفكير الإنساني عبر التاريخ؛ “وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ” فليس الذكر الذي كنتِ ترجين وتتمنين لخدمة بيت المقدس كالجلال والقداسة التي وهبها الله لهذه الأنثى المصطفاة.

إن المدلول العميق لهذا النص يخبرنا بأن التفضل الإلهي ليس نوعًا لصالح الذكر، كما توهمت العادات، بل هو تفرد للمقام الذي وُضعت فيه مريم عليها السلام، فهي التي اصطفاها الله وطهرها على نساء العالمين، وهي التي أصبحت، بآية ولادتها للمسيح، معجزةً خالدةً.

إن آية “وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ” ترسي قاعدةً إيمانيةً مفادها أن المقاصد الربانية غالبًا ما تكمن في المنح التي نراها في ظاهرها خلاف ما أردنا، فامرأة عمران طلبت من الله خادمًا للمسجد، فرزقها الله بمن صار ابنًا لها نبيًا من أولي العزم، ومن طهرت الأرض بذكره وسيرته.

ويبرز الإعجاز في تقديم “الأنثى” هنا في سياق الاصطفاء، ليبطل نظرة الجاهلية التي كانت ترى في الأنثى نقصًا أو مرتبةً أدنى، مؤكدًا أن موازين السماء تعتمد على التقوى والرسالية لا على القوة البدنية المجردة.

إننا أمام نص يرسخ المسئولية الأخلاقية في الرضا بقضاء الله، ويفتح الباب للتأمل في كيف أن أنثى واحدةً كانت أمةً بمفردها، وحملت من أمانة الرسالة والابتلاء ما تنوء به الجبال، ليبقى قوله تعالى “وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ” شعارًا للتفرد الذي يمنحه الخالق لمن يشاء، محطمًا به قيود التوقعات البشرية، ومعليًا من شأن الأمومة في أبهى صورها الإنسانية.

إن استحضار قصة امرأة عمران وآية “وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ” في واقعنا المعاصر، يضعنا أمام ضرورة مراجعة “الموروث الاجتماعي” الذي لا يزال في بعض جوانبه يحصر تميز الأنثى في قوالب ضيقة. فإذا كانت امرأة عمران قد ظنت أن خدمة بيت المقدس حكر على الذكور، فإن الواقع اليوم يثبت أن الأنثى حين تُمنح أمانة المسئولية، فإنها تقدم نموذجًا من العطاء يتجاوز “القوة البدنية” إلى “القوة الرسالية” والأخلاقية.

وفي عصرنا الحالي، لم يعد التميز مرتبطًا بالنوع، بل بالأثر الذي يتركه الإنسان في مجتمعه. فالأنثى اليوم، باقتدائها بالنموذج المريمي في الطهر والعزم، أصبحت تشغل مواقع المسئولية في الطب، والتعليم، والفكر، والإصلاح الاجتماعي، وغيرها من الميادين، مبرهنةً على أن “الاصطفاء” الإلهي للموهبة والقدرة لا يعترف بقيود الجاهلية الحديثة التي قد تحاول تهميش دورها.

إن الدرس المعاصر الذي نستلهمه من هذا النص، هو أن “خيبة الأمل” الظاهرية التي قد يشعر بها البعض عند عدم تحقق سقف توقعاتهم البشرية، هي في الحقيقة “بوابة لمنحة” إلهية أعظم؛ فكم من أنثى في واقعنا كانت لأهلها ولمجتمعها خيرًا من ألف ذكر، وكم من ابنةٍ بارّةٍ، أو كادرٍ نسائيٍ مخلصٍ استطاع تغيير مجرى الأحداث في محيطه بفضل اليقين والعمل، تمامًا كما غيرت مريم عليها السلام تاريخ البشرية بميلاد المسيح.

إننا بحاجة اليوم إلى ترسيخ هذا المفهوم في تربية الأجيال؛ بأن القيمة ليست في “النوع”، بل في “نوعية” العطاء والإخلاص للمسئولية الملقاة على عاتق الفرد، ليبقى التميز الإنساني محلقًا بجناحي الذكورة والأنوثة في تناغمٍ ربانيٍ فريد.