خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ (الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) للشَّيْخِ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
2 فبراير، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ (الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)
بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
من علماء الازهر الشريف
التَّارِيخُ: ١٨ شَعْبَان ١٤٤٧ هـ – ٦ فِبْرَايِر ٢٠٢٦ م
عَنَاصِرُ الْخُطْبَة:
-
مَقَامُ الدَّعْوَةِ: وَظِيفَةُ الْعُمْرِ وَسِرُّ بَقَاءِ الرِّسَالَةِ.
-
فِقْهُ الْحِكْمَةِ: كَيْفَ نَضَعُ الدَّوَاءَ عَلَى الدَّاءِ بِرِفْقٍ؟ (قَصَصٌ نَبَوِيَّةٌ بَلِيغَةٌ).
-
جَمَالُ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ: كَيْفَ نَفْتَحُ الْقُلُوبَ بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ؟ (قَصَصُ السَّلَفِ).
-
التَّحْذِيرُ مِنَ التَّشَدُّدِ وَالْغُلُوِّ: مَنْهَجُ الْوَسَطِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ التَّنْفِيرِ.
-
أَثَرُ الدَّعْوَةِ الْحَكِيمَةِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ (نَمَاذِجُ مِنَ الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ).
-
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: مَعْرَكَةُ الْوَعْيِ ضِدَّ الْمُغَالَاةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ..
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لَنَا مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ مَعْرَاجًا لِلْقُلُوبِ، وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ، أَمَرَنَا بِالْبَلَاغِ الْمُبِينِ، وَجَعَلَ الدَّاعِيَ إِلَيْهِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَقُدْوَتَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَيْرُ مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ، وَأَعْظَمُ مَنْ رَبَّى النَّاسَ عَلَى الرَّحْمَةِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ..
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ.. إِنَّ أَجَلَّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ أَنْ يَكُونَ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، دَاعِيًا إِلَى الْهُدَى، دَالًّا عَلَى الرَّشَادِ. إِنَّ مَقَامَ الدَّعْوَةِ هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي اصْطَفَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَبَقَاءُ هَذَا الدِّينِ مَرْهُونٌ بِقِيَامِ أَهْلِ الْحَقِّ بِدَعْوَتِهِمْ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.
١. مَقَامُ الدَّعْوَةِ: وَظِيفَةُ الْعُمْرِ وَمِيرَاثُ الْأَنْبِيَاءِ : لَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَبْطَالَ الدَّعْوَةِ الصَّامِدِينَ. تَأَمَّلُوا قِصَّةَ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي مَكَثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، يَدْعُوهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا، وَلَمْ يَتَطَرَّقِ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِهِ، بَلْ كَانَ يُقَابِلُ أَعْرَاضَهُمْ بِالْإِصْرَارِ، وَغِلْظَتَهُمْ بِالرَّحْمَةِ.
وَانْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ دَعَا أَبَاهُ “آزَرَ”، لَمْ يَقُلْ لَهُ يَا كَافِرُ أَوْ يَا ضَالُّ، بَلْ كَانَ يَتَلَطَّفُ مَعَهُ فَيَقُولُ: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، وَكَرَّرَ “يَا أَبَتِ” لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ الصِّلَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ سَبِيلٌ لِلْهِدَايَةِ.
أَمَّا سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ كَانَ حَالُهُ مَعَ الدَّعْوَةِ أَعْظَمَ مَقَامٍ؛ فَقَدْ جَاءَهُ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَلَكِ الْجِبَالِ يَوْمَ الطَّائِفِ لِيُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ بَعْدَمَا آذَوْهُ وَأَدْمَوْا قَدَمَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ، فَمَاذَا قَالَ الدَّاعِي الرَّحِيمُ؟ قَالَ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
يَقُولُ سَيِّدُنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ». هَذَا هُوَ الرِّبْحُ الْحَقِيقِيُّ، أَنْ تَنْقِذَ نَفْسًا مِنَ النَّارِ.
> نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُ، لَا تَظُنَّ أَنَّ الدَّعْوَةَ خَاصَّةٌ بِالْعُلَمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بَلِّغْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَوْ آيَةً، اجْعَلْ حَيَاتَكَ نَمُوذَجًا صَالِحًا، فَرُبَّ صَمْتٍ بَوِقَارٍ خَيْرٌ مِنْ كَلَامٍ بِنُفُورٍ.
٢. فِقْهُ الْحِكْمَةِ: كَيْفَ نَضَعُ الدَّوَاءَ عَلَى الدَّاءِ؟ : الْحِكْمَةُ هِيَ مِفْتَاحُ الْقُلُوبِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. وَالْحِكْمَةُ هِيَ أَنْ تَعْرِفَ نَفْسِيَّةَ مَنْ تَدْعُوهُ.
تَأَمَّلُوا قِصَّةَ ذَلِكَ الشَّابِّ الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُ فِي “الزِّنَا”! صَدَمَ الْحَاضِرِينَ بِطَلَبِهِ، فَهَمَّ النَّاسُ بِهِ، لَكِنَّ الرَّسُولَ الْحَكِيمَ ﷺ قَالَ لَهُمْ: «أَدْنِهِ»، فَقَرَّبَهُ وَبَدَأَ يُخَاطِبُ فِيهِ “الْمُرُوءَةَ” لَا “الْخَوْفَ”، فَقَالَ لَهُ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟.. أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟..»، حَتَّى قَالَ الشَّابُّ: “لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ”. فَمَسَحَ عَلَى صَدْرِهِ فَدَعَا لَهُ، فَخَرَجَ الشَّابُّ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الزِّنَا.
وَمِنْ قَصَصِ الصَّحَابَةِ، مَا فَعَلَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي تَرَكَ الصَّلَاةَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ فِي الشَّامِ، فَلَمْ يُكَفِّرْهُ أَوْ يَطْرُدْهُ، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رِسَالَةً فِيهَا صَدْرُ سُورَةِ “غَافِرٍ”: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾، وَقَالَ لِلصَّحَابَةِ: «ادْعُوا اللَّهَ لِأَخِيكُمْ أَنْ يُقْبِلَ بِقَلْبِهِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ». فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَقْرَؤُهَا وَيَبْكِي حَتَّى تَابَ. هَذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ: أَنْ تَمُدَّ يَدَكَ لِلْغَرِيقِ لَا أَنْ تُغْرِقَهُ.
> نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَحَ مُخْطِئًا، فَلَا تَنْصَحْهُ وَأَنْتَ “مُتَفَوِّقٌ” عَلَيْهِ بِإِيمَانِكَ، بَلْ انْصَحْهُ وَأَنْتَ “خَائِفٌ” عَلَيْهِ، وَاخْتَرْ لَهُ الْوَقْتَ الْمُنَاسِبَ وَالْكَلِمَةَ الرَّقِيقَةَ فِي السِّرِّ.
٣. جَمَالُ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ: سِحْرُ الرِّفْقِ وَاللِّينِ : الْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الْكَلَامُ الَّذِي يَدْخُلُ الْقَلْبَ فَيَهُزُّ مَشَاعِرَهُ بِلُطْفٍ. يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
يُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ لَهُ جَارٌ إِسْكَافِيٌّ يُؤْذِيهِ بِصَوْتِهِ وَغِنَائِهِ لَيْلًا وَهُوَ سَكْرَانُ، وَكَانَ يَقُولُ: “أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا”. فَفَقَدَهُ الْإِمَامُ لَيْلَةً فَعَلِمَ أَنَّهُ سُجِنَ، فَذَهَبَ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ لِيَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ الْوَالِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ رَكِبَ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: «يَا فَتًى، هَلْ أَضَعْنَاكَ؟»، فَبَكَى الرَّجُلُ وَتَابَ مِنْ فَوْرِهِ بِمَا رَأَى مِنْ جَمَالِ مَوْعِظَةِ الْإِمَامِ بِفِعْلِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ.
وَكَانَ سَيِّدُنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «الْمُؤْمِنُ يَسْتُرُ وَيَنْصَحُ، وَالْفَاجِرُ يَهْتِكُ وَيُعَيِّرُ». فَالدَّاعِي لَيْسَ شُرْطِيًّا يَتَرَبَّصُ بِأَخْطَاءِ النَّاسِ، بَلْ هُوَ طَبِيبٌ يُدَاوِي عِلَلَهُمْ. تَلَمَّسُوا أَعْذَارَ النَّاسِ، وَخَاطِبُوا رُوحَهُمْ، فَالْقُلُوبُ كَالْأَقْفَالِ وَالْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ مِفْتَاحُهَا.
> نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: عَوِّدْ لِسَانَكَ عَلَى الْكَلَامِ الطَّيِّبِ حَتَّى مَعَ مَنْ يُخَالِفُكَ؛ فَإِنَّ “الْقَوْلَ اللَّيِّنَ” مَأْمُورٌ بِهِ حَتَّى مَعَ الْجَبَابِرَةِ، فَكَيْفَ بِإِخْوَانِكَ الْمُقَصِّرِينَ؟
٤. التَّحْذِيرُ مِنَ التَّشَدُّدِ وَالْغُلُوِّ: مَخَاطِرُ التَّنْفِيرِ : أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، إِنَّ التَّشَدُّدَ آفَةٌ تَهْدِمُ الدِّينَ. يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، قَالَهَا ثَلَاثًا. التَّشَدُّدُ هُوَ أَنْ تَرَى الدِّينَ سِجْنًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَنْ تَنْظُرَ لِلنَّاسِ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ وَالتَّكْفِيرِ.
يُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبْكِي بَعْدَ مَوْتِ وَلَدِهِ، وَرَأَى رَجُلًا آخَرَ يُعَنِّفُهُ وَيَقُولُ لَهُ: “اتَّقِ اللَّهَ وَاصْبِرْ، أَنْتَ بَاكٍ جَزِعٌ!”. فَقَالَ الْحَسَنُ لِلْمُعَنِّفِ: «دَعْهُ، فَقَدْ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّ الْقَلْبَ يَحْزَنُ وَالْعَيْنَ تَدْمَعُ». لَقَدْ صَحَّحَ الْحَسَنُ مَفْهُومَ التَّشَدُّدِ الَّذِي يَمْنَعُ الرَّحْمَةَ.
إِنَّ الْغُلُوَّ يَا سَادَةُ يَجْعَلُ الشَّبَابَ يَهْرُبُونَ مِنَ الْمَسَاجِدِ. رَأَيْنَا مَنْ يُحَرِّمُ الْمُبَاحَاتِ، وَيُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ حَيَاتَهُمْ بِلَا دَلِيلٍ، فَيَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ، وَالْإِسْلَامُ مِنْ هَذَا بَرِيءٌ. الدِّينُ يُسْرٌ، وَسَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا.
> نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: لَا تُحَمِّلْ غَيْرَكَ مَا لَا يُطِيقُ مِنَ النَّوَافِلِ، وَلَا تَجْعَلْ تَدَيُّنَكَ سَبَبًا فِي نُفُورِ مَنْ حَوْلَكَ، بَلْ كُنْ سَمْحًا سَهْلًا قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ كَمَا كَانَ سَيِّدُكَ ﷺ.
٥. أَثَرُ الدَّعْوَةِ الْحَكِيمَةِ: بَقَاءُ الْأُمَّةِ : الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ هِيَ الَّتِي حَفِظَتِ الْإِسْلَامَ فِي بِلَادِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ. انْظُرُوا كَيْفَ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ فِي “إِنْدُونِيسْيَا” عَنْ طَرِيقِ التُّجَّارِ الَّذِينَ كَانُوا أَبْطَالًا بِأَمَانَتِهِمْ وَحِكْمَتِهِمْ.
وَمِنْ قَصَصِ الصَّالِحِينَ، أَنَّ سَيِّدَنَا مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَمْشِي فَرَأَى ثَمِلًا (سَكْرَانًا) يَقُولُ: “اللَّهُ.. اللَّهُ” وَيُتَرْبِكُ اسْمَ الْجَلَالَةِ بِالطِّينِ، فَقَامَ مَالِكٌ وَغَسَلَ فَمَ الرَّجُلِ بِالْمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: «فَمٌ يُذْكَرُ فِيهِ اللَّهُ لَا يُتْرَكُ لِلطِّينِ». فَلَمَّا أَفَاقَ الرَّجُلُ وَعَلِمَ مَا فَعَلَهُ مَالِكٌ، بَكَى وَتَابَ. فَقَالَ اللَّهُ لِمَالِكٍ فِي مَنَامِهِ: «يَا مَالِكُ، غَسَلْتَ فَمَهُ مِنْ أَجْلِنَا، فَغَسَلْنَا قَلْبَهُ مِنْ أَجْلِكَ».
هَذِهِ هِيَ الدَّعْوَةُ الَّتِي تَصْنَعُ الْمُعْجِزَاتِ؛ أَنْ تَرَى الْعَاصِيَ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ لَا بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ.
> نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: اجْعَلْ دُعَاءَكَ لِلْمُذْنِبِينَ بِالْهِدَايَةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَمِّكَ لَهُمْ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ..
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (الْمُغَالَاةُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ)
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ﷺ.. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ.. إِنَّ مَنِ الْحِكْمَةِ فِي الدَّعْوَةِ أَنْ نَتَصَدَّى لِأَوْجَاعِ النَّاسِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمَوَاجِعِ الْيَوْمَ مَا نَرَاهُ مِنْ (طُوفَانِ الْمُغَالَاةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ). لَقَدْ تَحَوَّلَ الزَّوَاجُ مِنْ “سَكَنٍ نَفْسِيٍّ” إِلَى “سِجْنٍ مَالِيٍّ”، وَمِنْ “بِنَاءٍ لِلْأُسْرَةِ” إِلَى “هَدْمٍ لِلْمُرُوءَةِ”.
١. زَوَاجُ الْبَرَكَةِ فِي مَدْرَسَةِ النُّبُوَّةِ:
يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً» [رَوَاهُ أَحْمَدُ]. تَأَمَّلُوا قِصَّةَ زَوَاجِ سَيِّدَتِنَا فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، ابْنَةِ سَيِّدِ الْخَلْقِ، حِينَ زَوَّجَهَا مِنْ سَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا دِرْعٌ حُطَمِيَّةٌ بَاعَهَا لِيُجَهِّزَ بَيْتَهُ بِأَشْيَاءَ بَسِيطَةٍ. هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَاجِزًا عَنْ أَنْ يَجْعَلَ لَهَا “جِهَازًا” يَمْلَأُ الدُّنْيَا؟ كَلَّا، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ لَنَا مَنْهَجَ “التَّيْسِيرِ”.
وَمَاذَا نَقُولُ فِي سَيِّدِنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟ أَغْنَى أَغْنِيَاءِ الصَّحَابَةِ، تَزَوَّجَ عَلَى “وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ” فَقَطْ! لَمْ يُقِمْ سُرَادِقَاتٍ لِلْمُبَاهَاةِ، بَلْ بَنَى بَيْتًا عَلَى التَّقْوَى.
٢. قِصَّةُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: عِزَّةُ الْعَالِمِ وَتَيْسِيرُ الْحَالِ:
سَيِّدُنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، سَيِّدُ التَّابِعِينَ، كَانَتْ عِنْدَهُ ابْنَةٌ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ وَأَعْلَمِهِنَّ، فَخَطَبَهَا الْخَلِيفَةُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِابْنِهِ الْوَلِيدِ (وَلِيِّ الْعَهْدِ)، فَرَفَضَ سَعِيدٌ عِزَّ الدُّنْيَا! وَبَعْدَ أَيَّامٍ، مَاتَتْ زَوْجَةُ تِلْمِيذِهِ (أَبِي وَدَاعَةَ)، فَسَأَلَهُ سَعِيدٌ: “لِمَ لَا تَتَزَوَّجُ؟”، قَالَ: “وَمَنْ يُزَوِّجُنِي وَلَا أَمْلِكُ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ؟”، قَالَ سَعِيدٌ: “أَنَا أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي”. وَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا عَلَى “دِرْهَمَيْنِ” فَقَطْ! وَأَرْسَلَهَا إِلَى بَيْتِهِ فِي لَيْلَتِهَا، لِيُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ “الرَّجُلَ” هُوَ الَّذِي يُشْتَرَى، لَا “الْمَتَاعُ”.
٣. مَخَاطِرُ الْمُغَالَاةِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ:
أَيُّهَا السَّادَةُ، إِنَّ مَا نَرَاهُ الْيَوْمَ مِنْ طَلَبَاتٍ تَعْجِيزِيَّةٍ: “نَيْشٌ” لَا يُسْتَخْدَمُ، وَ”قَائِمَةُ مَنْقُولَاتٍ” تُصْبِحُ مِشْنَقَةً لِلشَّابِّ، وَمُبَاهَاةٌ بِأَعْدَادِ الْمَفْرُوشَاتِ؛ كُلُّ هَذَا حَرْبٌ عَلَى “الْعَفَافِ”.
إِذَا صَعُبَ الْحَلَالُ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْحَرَامِ. كَمْ مِنْ شَابٍّ عَفِيفٍ تَرَكَ الزَّوَاجَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ “ثَمَنَ الْمَظَاهِرِ”؟ وَكَمْ مِنْ بَيْتٍ خَرِبَ بَعْدَ شَهْرٍ لِأَنَّهُ بُنِيَ عَلَى الدُّيُونِ وَالتَّبَاهِي؟
يَقُولُ الشَّاعِرُ فِي ذَمِّ التَّبَاهِي:
إِنَّ الْقُنُوعَ غِنًى لَا نَفَادَ لَهُ … وَفِي التَّكَلُّفِ ذُلٌّ لَيْسَ يَنْقَطِعُ
فَاجْعَلْ حَيَاتَكَ فِي يُسْرٍ تَعِشْ مَلِكًا … وَلَا تَبَعْ دِينًا لِلنَّاسِ يُصْطَنَعُ
نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ: أَيُّهَا الْأَبُ الْكَرِيمُ، يَا مَنْ تُرِيدُ سَتْرَ ابْنَتِكَ؛ بُطُولَتُكَ الْيَوْمَ أَنْ تَقُولَ لِلنَّاسِ: “أَنَا اشْتَرَيْتُ رَجُلًا”. خَفِّفُوا عَنِ الشَّبَابِ، وَاجْعَلُوا “الْجِهَازَ” عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لَا عَلَى قَدْرِ الْمُفَاخَرَةِ. وَأَنْتِ أَيَّتُهَا الْأُمُّ، لَا تَنْظُرِي إِلَى مَا فَعَلَتْهُ “جَارَتُكِ”، بَلِ انْظُرِي إِلَى سَعَادَةِ ابْنَتِكِ مَعَ زَوْجٍ لَا تُثْقِلُهُ الدُّيُونُ، فَيَكْرَهُ نَفْسَهُ وَيَكْرَهُ بَيْتَهُ.
الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، يَا مَنْ هَدَيْتَنَا لِلْإِسْلَامِ، اجْعَلْنَا دُعَاةً لَكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ نُفُوسِنَا. اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِشَبَابِنَا الْحَلَالَ، وَحَصِّنْ فُرُوجَهُمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي أَرْزَاقِهِمْ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَنَا، وَاحْفَظْ جُنُودَنَا، وَبَارِكْ فِي مِصْرَنَا وَأَهْلِهَا. اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا، وَاجْعَلْ بَلَدَنَا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ رَئِيسَ جُمْهُورِيَّتِنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
عِبَادَ اللَّهِ.. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.