من الدعوة إلى السياسة: كيف أُفرغ الدين من مقاصده؟

بقلم الدكتور حاتم عبد المنعم أستاذ علم الاجتماع البيئى بجامعة عين شمس 

سلسلة الدين والسياسة السماء الصافية والبحر العميق المقال التاسع :

تعليق عام الدين والسياسة صناعة غربية ماسونية النشأة :

هناك تاريخ طويل لعملية استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، وحديثًا نتذكر القاعدة التي قامت بتأسيسها أمريكا بمساعدة دولتين كبيرتين في الوطن العربي لمواجهة تدخل الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وارتد إليهم السهم حينما انقلبت القاعدة على أمريكا ومن ساعدوها، ولم يتعلم أحد الدرس، وتكرر مع الرئيس السادات، وهذا يقودنا للبدايات الأولى لظهور الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، وهو يرتبط لحد كبير بظهور فكر حسن البنا ومحمد عبد الوهاب في السعودية والخليج، وبالنسبة للفكر الوهابي فقد أعلن مسؤول كبير بشجاعة في حديثه المنشور بصحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 27 مارس 2018 أن بلاده ساعدت في نشر فكر الإسلام المتطرف بناء على رغبتكم وأصدقائنا في الغرب؛ لمواجهة انتشار الفكر الشيوعي وتمدد الفكر الناصري وانتشاره.

وأنها وسيلة سياسية لمساعدة الحلفاء وبناء على طلب الغرب، والآن علينا إعادة التفكير في تهمة الشيوعية التي كانت تلصق بأي نظام أو حاكم ضد إسرائيل وامريكا وخاصة بعد التصريح الأخير ويعنى بوضوح إنه صراع سياسى وليس ديني ولكنه يستغل للتأثير على الجماهير لتشويه سمعة نظام أو حاكم وهذا يؤكد أن استغلال الدين لأغراض سياسية صناعة غربية وماسونية المنبع، وللأسف شارك في صنعها أو على الأقل استوردها بعض المسئولين العرب، ولذلك كانت تهمة الشيوعية تلصق بأي حاكم أو نظام غير مرضى عنه من أمريكا وإسرائيل وأتباعهم بوجه عام، وللأسف تم تجنيد منظومة إعلامية عالمية وأعمال فنية ضخمة لنشر هذا الوهم.

وقاد هذه الحملات للأسف بعض المسئولين العرب والإعلاميين وبعض رجال الدين، وبالطبع شارك بعضهم بناء على معرفة بالحقائق لخدمة بعض النظم أو بمقابل وأيضًا المؤسف مشاركة الكثيرين في هذه الحملات بدون معرفة أو دراية كاملة باللعبة السياسية وأغراضها وأصحابها.

والواقع أن معظم إن لم يكن كل النظم السياسية في العالم الآن بعيدة لحد كبير عن جوهر الأديان السماوية بوجه عام والمحرك الأول؛ بل يكاد يكون المحرك الوحيد هي المصالح السياسية والاقتصادية؛ لأنه من التبسيط المخل مثلا ربط الدول الغربية بالديانة المسيحية أو التدين بوجه عام، ونفس الحال بالنسبة للدول الإسلامية، مقابل روسيا الشيوعية، وحتى لو ربطنا بينهما فالواقع أن روسيا الشيوعية أعطتنا السلاح والمدفع والطيارة التي ندافع بها عن أنفسنا وأطفالنا، وروسيا ساعدتنا في بناء المصنع الذي يعمل به أولادنا وينتج سلاحنا، وذلك راجع لتوافق مصالح روسيا مع مصالحنا فهي مصالح أولا وأخيرًا، فأي منطق هذا الذي يعتبر الصديق كافرًا والعدو مؤمنًا، وهل لاحظنا أن جميع الحكام الموالين للغرب لم يتعرض أحد منهم لأى تهمة أو انتقاد، ولكن من وقف ضد الغرب تم اتهامه بالشيوعية والتكفير ونشر الإلحاد وخرجت فتاوى رسمية من بعض الدول العربية والجماعات والله سبحانه وتعالى يقول لرسوله “صلى الله عليه وسلم:﴿فإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾(الشورى 48)، وفى آية أخرى ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف 188) وفى آية أخرى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 22).

ومن ثم فالحكم على تدين الشخص لله وحده وليس من حق أحد ادعاء العصمة مثلما يدعي البعض بأنهم الإخوان المسلمون، وهل من يرفضكم يصبح غير مسلم؟

الخلاصة من يخلط السياسة بالدين يسعى لمنافع دنيوية، فالدين لله ويمكن لأي حزب سياسي أن يحدد ما يشاء من مبادئ دينية داخل برنامجه ويدخل منافسة سياسية والدين يكون من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية المبكرة من مراحل الطفولة ومن القاعدة لينشأ المجتمع سليم.

 وبالنسبة لفكر الإخوان فيرجع نشأته أيضًا للغرب، والشواهد كثيرة ومنشورة بداية من مذكرات حسن البنا مؤسس الجماعة الذي يذكر صراحة في مذكراته بأن الإنجليز وتحديدًا شركة قناة السويس الإنجليزية هي أول من تبرع بشيك قيمته تساوى 500 جنيه مصري لتأسيس الجماعة، وهذا مبلغ كبير بمقياس هذا الوقت، وتم به شراء مكان وإجراءات تأسيس الجماعة.

وهنا السؤال لماذا تبرع الإنجليز للإخوان وهم المستعمرين لمصر في هذا الحين؟ ولمصلحة من دفع هذا المبلغ؟ هل لمصلحة نشر الإسلام الذي يرفض الاحتلال والتبعية؟ ما هي مصلحة إنجلترا وهي تحتل مصر في تأسيس جماعة إسلامية؟ إلا إذا كانت هذه الجماعة تابعة لها وتخدم مصالحها هذه بديهة تغيب عن الكثيرين.

وبعد ذلك من هو حسن البنا مؤسس الجماعة؟ وما هي أصوله وجذوره؟ في هذا الشأن تحدث الكاتب الكبير عباس العقاد في جريدة الأساس عدد يناير 1949 أن حسن البنا جذوره يهودية من المغرب؛ حيث جاءت أسرته إلى مصر في الحرب العالمية الأولى.

وأن حسن البنا عضو في جماعة الماسونية، وهذا كان عام 1949 قبل ثورة يوليو، وهي منشورات موجودة وليست كلامًا مرسلًا وتزيد هذه الشكوك في كتاب الشيخ محمد الغزالي موكب الدعوة عام 1952 قبل الثورة أيضًا؛ حيث تحدث فيه صراحة الشيخ الغزالي عن انتشار الماسونية وسط جماعة وقيادات الإخوان، وأن هناك العديد من أعضائها وقياداتها تتبع الماسونية العالمية، ومنهم تحديدا حسن الهضيبي قائد الجماعة؛ الذي يؤكد الغزالي أن الماسونية نجحت في أن توليه قيادة الجماعة؛ لأنه يتبع الماسونية. وللأسف حذف الغزالي هذا الجزء من الطبعات التالية بدون ان يوضح الاسباب

وتمتد الشجرة المثمرة بالولاء للغرب والخارج حينما يعترف سيد قطب بنفسه في مقاله الشهير في مجلة التاج المصري بتاريخ 23 أبريل عام 1943 بأنه ماسوني، وكان عنوان المقال لماذا صرت ماسونيًا ويفتخر بذلك، ومن يراجع أدبيات الماسونية وجماعة الإخوان يجد أوجهًا كثيرة للتشابه مثل نظام الرتب داخل الجماعتين والسرية وغير ذلك. والآن بغض النظر عن صحة هذه الاتهامات للجماعة ماذا قدم حسن البناء للإسلام هل يوجد كتاب واحد ساهم في نشر الفكر الإسلامي أو يعد إضافة للمكتبة الإسلامية مثل بعض المفكرين العاديين.

فهل كل ما سبق صدفة من اتهامات العقاد إلى الغزالي إلى اعترافات حسن البنا وسيد قطب، ثم مذكرات هيلاري كلينتون الأخيرة كل ذلك يؤكد أن الإسلام السياسي صناعة غربية صنعها العدو لتدميرنا، ولم يكن يسعى لنشر الإسلام والدين، كيف غابت هذه الحقائق عن أعين الكثيرين؟ ماذا قدمت النظم التي تدعى الإسلام للعالم الإسلامي؛ وهي نظم كثيرة مثل النظام التركي أو الإيراني وغيرهما؟ ثم وبعد ذلك ما هي الأفكار التي تحملها هذه الجماعات وعلاقتها بالإسلام؟ هذا قضية مهمة تحتاج لحوار مجتمعي كبير لأهمية القضية وتأثيراتها الكبيرة على الأمن والاستقرار لعالمنا العربي والإسلامي. وهذا ينقلنا الى الفصل الأخير عن جماعة الاخوان