بقلم فضيلة الشيخ : يوسف محمد السعداوى من علماء الأزهر والأوقاف
لاشك أن حسابات العالم بأسره للسنين والأعوام قائمة على حسابات التاريخ الميلادى حساب الشهور والأعوام والاعمار على رغم وجود التأريخ القمرى الهجرى والذى هو تقويم فلكى مرتبط ارتباطا وثيقا بمنازل القمر
إلا أن التاريخ الميلادى يعد تأريخا ثابتا وغير متغير كما فى التاريخ الهجرى الذى تدور دورة شهوره بدورة الأعوام فيمر على الفصول الأربعة وعلى كل أيام العام
ولكن العظة والعبرة أهم ما يعتبر فى مرور الأيام والشهور والاعوام
من أول يوم بل من أول ساعة ولحظة يولد فيها الإنسان يؤرخ لدنياه وتحسب له ايامه وشهوره فيها واعوامه
#ولكن للأسف الشديد الناس يظنون أن مرور الأيام وانقضاءها والاعوام وحسابها تقدم فى العمر , إنما هو تقدم نحو نهاية العمر
فما ينقضى من أيام وشهور واعوام إنما هو نقص من حساب أيامك التى لك على الدنيا وما يمر منها لا يعود
#وهو بمثابة سجل لأعمالك ينسخ فيه نسخاً كل عمل لك , ولكى تتأكد أن كل يوم هو بمثابة سجل لأعمالك يطوى بنهاية يومك ومنامك ويوضع فى ديوانك مكوناّ كتابك الذى سينشره الله لك يوم القيامة فتقرأه على الناس
إقرأ معى حديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى يقول فيه (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل)
فستجد أن النبى صلى الله عليه وسلم يعلمك أن يومك الذى تتيقظه أو ليلك إن كنت ممن يسهرون الليل هو ملزمة من مكون كتابك فيدلك على أن تقرأها جيدا قبل أن تطوى وتوضع فى كتابك , وتتدارك ما كان فيها من إساءة وآثام فتمحوها بالتوبة فما لم تمحوه منها مدون عليك إلى يوم النشور (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) وهنا دعوة إلى أن لا تترك يومك ينقضى بلا تفقد لأعمالك وحساب لها ،وتتلاشى خطر سيئها على نفسك فى الدنيا والآخرة
هذا فى انقضاء يوم أو ليلة تنقص من عمرك وتطوى بأعمالك فما بالنا بانقضاء عام والعمر أعوام أياً ما كانت حسبة الأعوام لديك بالميلادى أو بالهجرى فحساب اعوامك معلوم عند ربك كما أن حساب اعمالك أيضاً معلوم #رأس السنة علاما تحتفل؟ بانقضاء عام من عدة أعوام من عمرك ؟ ولماذا تحتفل ؟ هل تجاوزت فى هذا العام عقبة الحساب فخففت حِمل الذنوب والاثام وتحللت من مظالم العباد ؟ إن كنت فعلت ذلك فهنيئا لك الاحتفال وإقامة الليالى والاعياد
#ولكن ما اظن هؤلاء الذين يسهرون ويحتفلون بالمجون يتذكرون عقبة الحساب ويدركون طامة انقضاء عام وقد نسو حسابه ، فاجمعو امرهم أن يختموه بعظائم الأمور وقبائح الذنوب
إذا كان اليوم الذى ينشق فجره يناديك كما يقول الحسن البصرى رضى الله عنه (ما من يوم ينشق فجره إلا نادى مناد من قبل الحق العلى، يابن آدم: أنا يوم جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود منى بعمل صالح ،فإنى لا اعود إلى يوم القيامة)
كل يوم ينادى عليك هذا النداء !! فما بالنا بعام أفل وهل هلال عام جديد !!!
انما الأعمال بالنيات . كيف تنوى دخول عامك الجديد ؟ أنظر فيما تعده وأنت تحتفل بقدومه وبدايتك هى نهايتك (كما بدأكم تعودون) فمن بدأه بمجون عاشه بمجون ونهاه بمجون فأحذر والعمر هو العام والعام هو العمر لا تدرى أيهما ينقضى أولا !!
لاشك أن النفوس تحب الترويح والاحتفال , ولا حرج فى الفرح المباح إذا كان منضبطا بحدود الله وقبل الإحتفال افتح دفاترك , وما اظن المثقل بالديون تأتيه همة الاحتفال انت مديون مغبون مديون لربك فيما فرط وقصرت وضيعت من طاعته ولم تتوب منه. مديون فيما احدثت من ذنوب واثام ومظالم للعباد ولم تتحلل منها مديون بما اكلت وشربت واكتسيت وتمتعت ولم تشكر ربك عليها مغبون فى صحتك التى تبددها كل يوم فيما دون منفعة مغبون فى وقتك وفراغك التى تصرفهما فى اللهو واللعب فبأى حال تحتفل ؟ يقول بن القيم رحمه الله تعالى (إن ضياع الوقت اشد من الموت فالموت يقطعك من الدنيا والناس ، أما ضياع الوقت فيقطعك من الله والجنة)
ان الله غفور رحيم نعم ولكنه شرط لها اربعة شروط (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) تاب فاغتسل من ذنوبه الماضية . وكان حاله اليوم عمل صالح يتقرب به لله خالقه ، وعزم على المداومة دون انقطاع ، لأن إيمانه بيوم الحساب جعل ميزانه منصوب أمام عينه فى كل لحظه فاهتدى إلى أن يمحو سيئاته ويعظم حسناته (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)
يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه (ماندمت ندامتى على يوم غربت شمسه نقص فيه اجلى ولم يزد فيه عملى) هكذا حال من اهتدى وادرك معنى الوزن والميزان
#لكن العاجز عنها هو من صوره النبى صلى الله عليه وسلم بقوله (……والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى) يفعل ما يحلوا له ، ويمليه عليه شيطانه وهواه وتدفعه اليه نفسه ثم يقول (إن الله غفور رحيم) حقا عاجز
من انت انظر فى قرارة نفسك ماذا تنتوى وتضمر فى قرارة نفسك. اتنوى التوبة والاصلاح واستهلال عامك برجوع إلى الله وندم على ما فات ؟ يقول صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليندم على مافاته) إن فعلت فأنت مقبل على خير وسيؤتيك الله الخير ويكفيك شر ما اسلفت وقدمت (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) هذه ارجى آية فى كتاب الله كما قال العلماء
باب الله مفتوح فادخل فإن دخلت (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )يبدل الله سيئاتك حسنات بشرط مشروط فالمنح ليست للكع المتهاونين بل للرجال الصامدين فى ميدان جهاد النفس (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) فإنه يتوب بثبات عليها وتمسك بها ، لا مستهزءا بربه مضيعا لفرصته حتى يأتيه المصاب ويتمنى العودة للمتاب (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) فيصرخ ويتمنى أن يعود إلى الدنيا
فقد علم أن تسويفه ارداه ، واستهتاره اهلكه ، يطلب من الله العودة ليعمل صالحا ولكن هيهات ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ *لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
هذا ملخص الحياة عند نهايتها
فمن تدبر اليوم ادلج غداً ونجى من سوء الحساب ومن غفل اليوم فلا يلومن إلا نفسه أيام وشهور واعوام نحصى منها ما مضى ولا نحصى منها ما هو آت ولا ندرى إذا جنَّ ليلٌ هل نعيش إلى الفجر #من قال لا إله إلا الله فليستقم (قل لا إله إلا الله ثم استقم) فمن لم يستقم عليها حتماً متهم فى ولايته لربه
كل عام وانتم بخير عام سعيد على العالم اجمع بإذن الله تعالى