
بقلم المفكر الإسلامى د: أحمد سليمان أبو شعيشع
الأستاذ بجامعة كفر الشيخ – وخادم الساحة المنهلية
يُعدّ محمد الطالبي من أكثر الكتّاب المعاصرين إثارة للجدل في تناول التاريخ الإسلامي المبكر، لا بسبب اعتماده النقد التاريخي في حد ذاته، بل بسبب الطريقة التي مارس بها هذا النقد، والتي كثيرًا ما تجاوزت حدود المنهج العلمي إلى إعادة بناء الوقائع وفق تصورات فكرية مسبقة، ويبرز هذا الإشكال بوضوح في كتاباته المتعلقة بالفتوحات الإسلامية، ولا سيما حديثه عن عقبة بن نافع، حيث قدّم سردية تتناقض جذريًا مع ما استقر في المصادر التاريخية الإسلامية، دون أن يقدّم بديلًا موثقًا يرقى إلى مستوى الدليل.
يعتمد الطالبي في عدد من أعماله، مثل عيال الله وأمة الوسط، على مقاربة تقوم على التشكيك الشامل في الروايات الإسلامية المبكرة، واعتبارها نتاجًا “إيديولوجيًا” للسلطة، دون أن يميّز بين الروايات المختلفة أو يلتزم بقواعد نقد المصدر التاريخي. ففي حديثه عن الفتح الإسلامي لإفريقية، لا يورد نصًا صريحًا من مصدر مبكر يثبت ادعاءاته حول المجازر أو قتل المدنيين، بل ينتقل مباشرة إلى استنتاجات أخلاقية حادّة، يُقدّمها للقارئ وكأنها وقائع تاريخية ثابتة.
ومن الأمثلة الصارخة على ذلك اتهامه لعقبة بن نافع بارتكاب أعمال قتل جماعي داخل مسجد الزيتونة، هذا الادعاء لا يعاني فقط من غياب المصدر، بل يصطدم بخطأ تاريخي فادح، إذ تؤكد الدراسات التاريخية المتخصصة أن جامع الزيتونة لم يكن قائمًا كمسجد جامع زمن عقبة أصلًا. وقد بيّن حسن حسني عبد الوهاب في كتابه تاريخ جامع الزيتونة أن تطور المسجد كمؤسسة دينية مركزية تم في عصور لاحقة، بينما يقرّ عبد العزيز الدوري في تاريخ المغرب الإسلامي بأن مرحلة عقبة كانت مرحلة تأسيس عسكري أكثر منها عمرانية دينية، إن تجاهل هذه الحقيقة الزمنية لا يمكن تفسيره إلا بوصفه إهمالًا منهجيًا أو تدليسًا سرديًا يخدم الفكرة المسبقة.
الأخطر من ذلك أن الطالبي، في مواضع أخرى، يتعامل مع غياب الرواية التاريخية بوصفه دليلًا على الإدانة، لا على البراءة. ففي المنهج التاريخي، غياب الشهادة على الحدث، خاصة إذا كان جسيمًا، يُعدّ قرينة قوية على عدم وقوعه. أما عند الطالبي، فيتحول هذا الغياب إلى مساحة مفتوحة للتأويل الحر، وكأن المؤرخ يملك حق “استنطاق الصمت” بما يخدم أطروحته، وقد انتقد عبد الله العروي هذا المسلك بوضوح في مفهوم التاريخ، حين حذّر من تحويل التاريخ إلى مرآة للأفكار المعاصرة بدل كونه علمًا قائمًا على التحقق.
كما يُلاحظ أن الطالبي يتجاهل عمدًا أو انتقائيًا المصادر الإسلامية المبكرة التي تناولت الفتح، فكتب مثل فتوح مصر وإفريقية لابن عبد الحكم، وفتوح البلدان للبلاذري، وتاريخ الرسل والملوك للطبري، تمثل المادة الأساسية لأي دراسة جادة عن تلك المرحلة. وهذه المصادر، على اختلاف توجهاتها وقربها النسبي من السلطة، تتفق جميعًا على تصوير الفتح في إفريقية بوصفه صراعًا عسكريًا مع الروم وبعض القبائل المقاومة، دون ذكر أي سياسة منهجية لقتل المدنيين أو إبادة السكان. بل إن الطبري، المعروف بنقله الروايات المتعارضة، لم يورد شيئًا مما يزعمه الطالبي، وهو ما يجعل ادعاءاته معزولة تمامًا عن التقليد التاريخي.
وقد نبّه عدد من الباحثين المعاصرين إلى هذه الإشكالية في كتابات الطالبي. فعبد المجيد الشرفي، رغم قربه الفكري منه في بعض القضايا، أشار إلى أن الطالبي يخلط أحيانًا بين النقد الديني والتأريخ، ويُسقط مواقفه الفكرية على النصوص التاريخية. كما انتقد الباحث المغربي محمد المنوني النزعة التعميمية في قراءات الحداثيين للفتوحات، معتبرًا أنها تُفرغ التاريخ من سياقه وتحاكمه بمنطق أخلاقي لاحق عليه.
ومن أبرز مظاهر التدليس المنهجي عند الطالبي استخدامه لغة تقريرية جازمة في مواضع لا يملك فيها دليلًا. فهو لا يقول مثلًا “يحتمل” أو “يمكن أن نفترض”، بل يقدّم أحكامًا قاطعة من قبيل تصوير الفتح كمشروع عنف مطلق، ثم يربط ذلك بشخصيات تاريخية بعينها، دون أن يقدّم سندًا نصيًا واحدًا من القرن الأول أو الثاني الهجري. وهذه الطريقة أقرب إلى الكتابة الأيديولوجية منها إلى البحث التاريخي، وهو ما يجعل القارئ غير المتخصص يخلط بين الرأي والحدث.
ويزداد هذا الخلل وضوحًا إذا قورنت كتابات الطالبي بأعمال مؤرخين معاصرين التزموا المنهج النقدي دون القفز على المصادر، مثل حسين مؤنس في دراساته عن تاريخ المغرب، أو عبد العزيز الدوري، الذين مارسوا نقد الروايات دون اختراع وقائع جديدة. فهؤلاء، رغم إدراكهم لتعقيدات الفتح وما صاحبه من عنف، لم ينسبوا إلى القادة التاريخيين ما لم تثبته المصادر، ولم يحوّلوا النقد إلى إدانة مطلقة بلا دليل.
إن المشكلة الأساسية في قراءة محمد الطالبي لعقبة بن نافع لا تكمن في نقد الفتوحات، بل في نقل هذا النقد من مستوى التحليل إلى مستوى الاتهام التاريخي غير الموثق. فالتاريخ لا يُكتب بالرغبة في الصدمة، ولا بتغليب الموقف الأخلاقي المعاصر على الوقائع، بل بالعودة إلى النصوص، وفهم سياقها، والاعتراف بحدود المعرفة حين يغيب الدليل.
وخلاصة القول إن كتابات الطالبي حول عقبة بن نافع تمثل نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للفكر الأيديولوجي أن يعيد تشكيل التاريخ وفق تصور مسبق، متجاهلًا التسلسل الزمني، وصامتًا عن غياب الروايات، ومستخفًا بقواعد التحقيق. ولهذا، فإن كثيرًا من المؤرخين المسلمين والباحثين المنهجيين لا يعدّون هذه الكتابات تاريخًا بالمعنى العلمي، بل خطابًا فكريًا معاصرًا أُلبس لبوس التاريخ، دون أن يصمد أمام الفحص النقدي الصارم.
أهم المراجع
ابن عبد الحكم، فتوح مصر وإفريقية
البلاذري، فتوح البلدان
الطبري، تاريخ الرسل والملوك
ابن الأثير، الكامل في التاريخ
عبد العزيز الدوري، تاريخ المغرب الإسلامي
حسن حسني عبد الوهاب، تاريخ جامع الزيتونة
عبد الله العروي، مفهوم التاريخ
محمد الطالبي، عيال الله، أمة الوسط
حسين مؤنس، تاريخ المغرب والأندلس
#أحمد_سليمان_أبوشعيشع
مجلة روح الاسلام فيض المعارف