ماذا قدمنا ليوم الوعيد ؟


بقلم : د. محمد جمال أبو سنينة

مدير المركز القانوني لفض النزاعات
الخبير بمجمع الفقه الإسلامي بكندا
قاضي محكمة الاستئناف الشرعية سابقا

بسم الله والحمد لله الذي لا يبقى شيء سواه والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه رسولنا محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم لقياه أما بعد, ها هي الساعات تتسابق وتمر والأيام تطوى والأسابيع تمضي والشهور تنقضي ولا تفتر فتسارع في هدم أعمارنا وبلوغ آجالنا فيا ليت شعري من منا المحسن فنهنيه ومن المسيء فنعزيه ؟

وقفات بسيطة ومعاني عظيمة مع أُفول نجم عام وسطوع نجم عام آخر وقفات:

1. نعمة وعبرة: في تعاقب الليل والنهار ودوران الزمن نعمة وعبرة، فأما النعمة فجاء ذكرها في قوله تعالى: ” اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُون” غافر:61

وأما العبرة فجاء ذكرها في قوله تعالى: ” إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .”آل عمران: 190-191

2. نهاية السنة ونهاية العمر: إن في مرور الأيام تذكير بالآجال؛ فكما أن العام يبتدئ وينتهي؛ فكذلك عمر الإنسان بل والدنيا كلها ابتدأت ويوماً ما سوف تنقضي. أرأيتم إلى هذه السنة كانت قبل وقتٍ قريب مبتدئة وها هي تنتهي قد جفت أقلامها وطويت صحائفها ودونت أعمالها, وها هي السنة الجديدة تولد قد عُبئت أقلامها وجهزت صحائفها فيا ليت شعري هل ندرك أخرها أم كيف ستكون أعمالنا فيها ؟

ونهاية العام تذكرنا بنهاية الدنيا التي كتب الله عليها الفناء وكان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكير أصحابه بنهاية الدنيا. قال ابن عمر رضي الله عنهما خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس على أطراف السعف فقال: ” ما بقي من الدنيا إلا كما بقي من يومنا فيما مضى فيه ” التخريج : أخرجه الترمذي (2191)، وأحمد (11143)، والحاكم (8543) .

3. فرح وحزن: في إقبال عام وإدبار آخر فرح وحزن, فنفرح بما عملنا في العام الماضي من خيرات وما سابقنا فيه من صالحات وما زرعنا فيه من حسنات نرجو ثوابها من الله الكريم المنان. ويقابل ذلك أننا نحزن على تفريطنا في اكتساب المزيد من الحسنات والوقوع في بعض المحرمات والمكروهات. وكل هذه المشاعر تقودنا إلى صدق التوجه إلى الله تعالى بتوبةٍ نصوح صادقة وسلوك الصراط المستقيم والانضمام إلى ركب المتقين الصادقين يخالط هذا وذاك اعتبار وتفكر في صروف الدهر وتقلب الليالي والأيام ومُضي الأقدار بما كان ومباغتة المنايا للإنسان .

بمثل هذه المشاعر والأحاسيس يختم المؤمنون الصادقون ذوو الغايات النبيلة والنفوس السامية والهمم العالية عاماً مضى ويستقبلون عاماً قد حل, وأما اللاهون العابثون الغافلون فيأكلون وينامون ويعبثون ولا يتعظون ولا هم لهم ولا هدف إلا إشباع شهواتهم وإرواء نزواتهم .

4. السلف والاعتبار بمرور الأيام: كان سلف الأمة رحمهم الله لا يندمون على دنيا مولية ولا لذة فانية، ولا منصبٍ زائل ولا شهره كاذبة، وإنما كان ندمهم على ساعةٍ مرت لم يشغلوها بعملٍ صالح. فقد كان أبوبكر بن عياش رحمه الله يقول: إن أحدهم لو سقط منه درهم لظل يومه يقول: إنا لله ذهب درهمي ولا يقول : ذهب يومي وما عملتُ فيه. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء/الأصبهاني 8/303، وكان مفضل بن يونس إذا جاء الليل قال: «ذهب من عمري يوم كامل» ، فإذا أصبح قال: «ذهبت ليلة كاملة من عمري» ، فلما احتضر بكى وقال: ” قد كنت أعلم أن لي من كركما علي يوما شديدا كربه، شديدا غصصه، شديداً غمه، شديداً علزه، فلا إله إلا الذي قضى الموت على خلقه، وجعله عدلا بين عباده، ثم جعل يقرأه القرآن: “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ” (الملك: ٢)، ثم تنفس فمات رحمه الله. كتاب كلام الليالي والأيام /ابن أبي الدنيا، صـ27ـ، وقال مفضل بن يونس : رأيت محمد بن النضر يوماً كئيباً حزيناً فقلت ما شأنك ؟ وما أمرك ؟ فقال: مضت الليلة من عمري ولم أكتسب فيها لنفسي شيئاً، ويمضي اليوم أيضاً ولا أراني أكتسب فيه شيئا فإنا لله وإنا إليه راجعون. كتاب كلام الليالي والأيام /ابن أبي الدنيا، صـ27ـ، فسلف الأمة مع ما هم عليه من اجتهاد في العمل إلا أنهم كانوا يتهمون أنفسهم بالتقصير دائما.

إن من صفات المؤمن الحق أن يكون عالي الهمة , رفيع الرغبة في تحقيق معالي الأمور التي تنفع صاحبها في الدارين جاء في الحديث:” إن الله تعالى يحب معالي الأمور، وأشرافها، ويكره سفسافها “. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (3/ 131) (2894) فهو لا يرضى بالدون إذا كان قادراً على تحقيق المعالي, ولا تطاوعه نفسه على أن يكون في مؤخرة الركب وهو قادر على أن يكون في المقدمة, ولما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بعدد أبواب الجنة وأنها ثمانية نهضة نفس أبي بكر الصديق التواقة إلى أعلى المنازل فتمنى الدخول من الأبواب كلها, جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة. فقال أبو بكر رضي الله عنه : بأبي وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ .

قال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم”. أخرجه البخاري (3666)، ومسلم (1027).

فانظر إلى الهمة وتأمل في هذا السمو, ولعل هممنا مع بداية العام أن تعلوا وترتفع لبلوغ أعلى المنازل, وتصل إلى أعلى الدرجات ولقد كان رسول الهدى عليه الصلاة يربي أصحابه على الهمم العالية فكان يقول لأصحابه: ” إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنها وسط الجنة وأعلاها وفوقها عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة “. رواه البخاري برقم: (2790)

وبداية هذا العام الجديد فرصة لتربية النفس وتعويدها على طاعات ربما كانت في تكاسل عنها, واعلم أن هذه الطاعات والعبادات هي خير زاد لك إذا رحلت من دنياك .

قال ابن القيم رحمه الله: ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير بل بين التفريط والأمن . الداءُ والدواءُ/ابن القيم، صـ ١٠٨ـ

فهم يعلمون أن عاقبة التفريط لا تورث إلا الحسرة والندامة كما قال الشاعر :
وما أقبح التفريط في زمن الصبا * فكيف به والشيبُ في الرأس نازلُ
ترحل من الدنيا بزادٍ من التقى * فعمرك أيامٌ وهن قلائل

5. آية وتفسير: قال الله تعالى: ” وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً * وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا”. الإسراء 12ـ15.

قال الحسن البصري رحمه الله في تفسير هذه الآية: يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك؛ فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك، قال ابن كثير رحمه الله تعليقاً على هذا الكلام: هذا من أحسن كلام الحسن رحمه الله. تفسير ابن كثير (5/52)

متى تمسي وتصبح مستريحا ** وأنت الدهرَ لا ترضى بحالٍ
تكابدُ جمع شيءٍ بعد شيءٍ ** وتبغي أن تكون رخيَ بالِ
تُسر إذا نظرت إلى هلالٍ ** ونقصكَ إن نظرت إلى الهلالِ
هبِ الدنيا تُساق إليك عفواً ** أليس مصير ذاك إلى زوالِ