القرآن يصنع الإنسان قبل أن يصنع الحضارة

بقلم: أ . هالة أشرف

إذا أراد الإنسان أن يتعرف على أولويات القرآن في بناء المجتمع، فقد يتوقع أن يبدأ بالحديث عن الدولة، أو الاقتصاد، أو القضاء، أو الجهاد، أو سائر القضايا الكبرى التي تقوم عليها الأمم. لكن المتأمل في كتاب الله يكتشف حقيقة مختلفة؛ فكل إصلاح عظيم يبدأ من موضع أصغر بكثير: من بيت، ومن أب يجلس مع ابنه.

ومن أعجب ما يدعو إلى التأمل أن الله سبحانه وتعالى قد خلد هذا المشهد الأسري في سورة كاملة تحمل اسم رجل لم يكن نبيًا عند جمهور العلماء، لكنه ذلك الرجل الذي آتاه الله الحكمة، فاستحق أن يذكر اسمه في القرآن إلى قيام الساعة. فلم يخلد القرآن ماله، ولا مهنته، ولا نسبه، ولا عدد أولاده، ولا شيئًا من تفاصيل حياته، وإنما خلد حوارًا دار بين أب وابنه.

وهنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده طويلًا: لماذا حفظ القرآن كلمات لقمان، ولم يحفظ أشياء كثيرة كان يمكن أن تبدو في نظر الناس أعظم شأنًا؟

لعل الجواب يكمن في أن الأمم لا تبدأ من القصور، وإنما تبدأ من البيوت. وأن انهيار الحضارات لا يبدأ من سقوط الجيوش، وإنما من انهيار التربية. فحين أراد القرآن أن يقدم نموذجًا خالدًا في صناعة الإنسان، لم يختر ملكًا يوصي وريث عرشه كيف يحكم البلاد، ولم يختر قائدًا يلقن ابنه فنون الحرب، بل اختار أبًا يجلس إلى جوار ابنه، يحدثه عن الله.

ولعل الأشد إثارة للتأمل أن أول ما خرج من فم لقمان لم يكن حديثًا عن النجاح، ولا عن الرزق، ولا عن المكانة بين الناس، ولا عن طلب العلم بمعناه الواسع، وإنما قال:
﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
وكأن القرآن يريد أن يعيد ترتيب الأولويات التي كثيرًا ما يختل ميزانها في كل عصر. فالناس ينشغلون بما سيصبح عليه الأبناء من أطباء أو مهندسين أو أصحاب مناصب، بينما كان أول ما شغل قلب لقمان هو: ماذا سيكون بين ابنه وبين الله؟

إن هذه البداية ليست مجرد وصية دينية، بل إعلان عن قاعدة تربوية كبرى؛ وهي أن العقيدة ليست فرعًا من فروع التربية، بل هي الجذر الذي تتفرع منه بقية الفروع. فإذا استقام الجذر، أمكن للأغصان أن تنمو مستقيمة، وإذا فسد الأصل، لم يغنِ جمال الأغصان عن ضعف الشجرة.

ولو تأملنا واقعنا اليوم لوجدنا أننا نعيش زمنًا لم يعد الأبوان فيه وحدهما من يربيان أبناءهما. لقد كان الطفل في الماضي يتلقى معظم أفكاره داخل البيت، ثم من معلمه، ثم من مجتمعه القريب. أما اليوم فقد أصبح يحمل في جيبه نافذة مفتوحة على العالم كله، يدخل منها في يوم واحد إلى آلاف العقول والآراء والتصورات، دون أن يستأذن أحد.

لقد فقدت الأسرة احتكارها للتربية، لكنها لم ولن تفقد مسؤوليتها عنها.
وهنا تكمن المفارقة التي ربما لم يشهد التاريخ مثلها من قبل؛ فكلما ازدادت الجهات التي تخاطب عقول الأبناء، ازدادت حاجة الأسرة إلى أن تكون أوضح صوتًا، لا أعلى صوتًا. فالمعركة لم تعد معركة منع، لأن المنع لم يعد ممكنًا، وإنما أصبحت معركة بناء. بناء عقل يعرف كيف يميز، وقلب يعرف كيف يثبت، وإيمان يستطيع أن يصمد إذا اختلطت الأصوات وتشابكت الطرق.

ولذلك لم يبدأ لقمان وصيته بتحذير ابنه من الناس، لكنه بدأ بتعريفه بالله. لأن من عرف ربه، استطاع أن ينظر إلى كل فكرة بعد ذلك بميزان، لا أن يبتلعها كما هي. ومن امتلأ قلبه بالإيمان، لم يعد كل صوت جديد قادرًا على اقتلاعه من جذوره.
ولعل هذا هو ما يجعل وصية لقمان أكثر حضورًا في زماننا من أي وقت مضى؛ فنحن نعيش أزمة ترتيب الأولويات. وأصبحت المشكلة أن أبناءنا يجدون من يعلمهم كل شيء… إلا الثبات إذا جاءت الفتنة.

ولو أكملنا قراءة وصايا لقمان، سنجد أنه بعد تأسيس العقيدة في قلب ابنه، بدأ بعد ذلك يبني هذا القلب طبقة بعد أخرى. فتحدث عن مراقبة الله تعالى، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ…﴾، ثم أوصاه بالصلاة، ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر، ثم بالأخلاق، ثم بالتواضع، ثم بطريقة المشي، وحتى بطريقة الكلام.

ولعل المتأمل في هذا الترتيب يكتشف أن لقمان كان يبني إنسانًا كاملًا. فلم يبدأ بالمعلومات، وإنما بدأ بالإيمان، ثم انتقل إلى العبادة، ثم إلى الأخلاق، ثم إلى السلوك اليومي. وكأن القرآن يريد أن يقول إن التربية ليست أن يعرف الإنسان كثيرًا، وإنما أن يستقيم كثيرًا.

وهنا تظهر المفارقة بين التربية التي يقدمها القرآن، والتربية التي يفرضها العصر.

ففي زمن أصبحت فيه قيمة الإنسان تُقاس بما يعرفه من مهارات، وعدد اللغات التي يتحدث بها، والبرامج التي يجيد استخدامها، والشهادات التي يحملها، يكاد السؤال الأهم يغيب عن كثير من البيوت: ماذا عن قلب هذا الطفل؟ ماذا عن يقينه؟ ماذا عن علاقته بربه إذا جلس وحده؟ ماذا عن ضميره إذا غاب الرقيب؟ وماذا عن ثباته إذا وجد نفسه يومًا أمام فكرة تهز كل ما تربى عليه؟

لقد أصبح كثير من الآباء والأمهات يبذلون سنوات طويلة في تعليم أبنائهم كيف ينجحون في الحياة، لكنهم لا يبذلون القدر نفسه في تعليمهم لماذا يعيشون أصلًا.

ولعل هذه هي الأزمة الحقيقية فالقرآن حين سجل وصايا لقمان لم يذكر أنه أوصى ابنه بأن يكون غنيًا، أو مشهورًا، أو صاحب جاه، أو متفوقًا على أقرانه، مع أن هذه الأمور ليست مذمومة في ذاتها، لكنها لم تكن هي الأولوية.

وكان لقمان يعلم أن الإنسان إذا عرف ربه، استطاع بعد ذلك أن يحسن التعامل مع الدنيا، أما إذا ملك الدنيا كلها وهو يجهل ربه، فلن يعرف كيف يستخدم ما بين يديه.

ولهذا لا ينبغي للأسرة أن تنشغل بتعليم أبنائها كل شيء، ثم تؤجل الحديث عن الله إلى أن يكبروا. لأن القلب لا يبقى فارغًا طويلًا؛ فإن لم تملأه الأسرة بالإيمان، ملأه غيرها بما يشاء.

وهذه الحقيقة ربما كانت أخف أثرًا في الأزمنة الماضية، أما اليوم فقد أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

لقد كان الطفل قديمًا إذا خرج من بيته، خرج إلى مجتمع يشبه بيته في كثير من القيم، وكانت مصادر المعرفة محدودة، وكان انتقال الأفكار يحتاج إلى زمن. أما اليوم فقد أصبح الطفل يعيش في غرفة واحدة، بينما يعيش معه العالم كله.

إن الهاتف الذي يمسكه الصغير بين يديه أصبح نافذة يدخل منها آلاف الأشخاص إلى عقله وقلبه. بعضهم يدعوه إلى الخير، وبعضهم يشككه في دينه، وبعضهم يزين له المعصية، وبعضهم يسخر من القيم، وبعضهم يقدم الانحراف في صورة التقدم، وبعضهم يلبس الباطل ثوب الرحمة أو الحرية أو العلم.

وهنا تكمن خطورة عصرنا؛ فلم تعد الفتنة تأتي الإنسان بعد رحلة طويلة، بل أصبحت تبحث عنه حيث يجلس.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل أسرة على نفسها لم يعد: ماذا يشاهد أبناؤنا؟ بل أصبح: بأي ميزان يشاهدون؟ فما دام من المستحيل أن نمنع عنهم كل ما في العالم، فإن الأهم من ذلك أن نغرس في داخلهم البوصلة التي تميز بين الحق والباطل، وبين النور والزيف، وبين العلم النافع والكلمة المسمومة.

إن الطفل الذي يعرف ربه جيدًا قد تعصف به الشبهات، لكنه يجد في داخله ما يعيده إلى الطريق. أما الذي لم يبني قلبه على يقين، فقد تكفيه شبهة واحدة ليبدأ في هدم ما لم يُبنَ أصلًا.

فالمعركة الحقيقية ليست مع الشبهة ولا مع الشهوة، بل مع القلب الذي يستقبلهما.

ولعل من أعظم الأخطاء التربوية في زماننا أن كثيرًا من الأسر أصبحت تظن أن كثرة المعلومات تعني كثرة الوعي، وأن امتلاء عقل الابن بالمعارف يكفي لحمايته من الانحراف. لكن الحقيقة أن الإنسان قد يكون واسع الثقافة، سريع الفهم، متقنًا لعدة لغات، ومع ذلك ينهزم أمام شبهة واحدة إذا لم يكن قلبه قد تربى على اليقين.

ولهذا لم يبدأ لقمان تعليم ابنه بكثرة العلوم، وإنما بدأ ببناء الميزان الذي سيزن به كل علم بعد ذلك. لأن المشكلة ليست في كثرة ما يسمعه الإنسان، وإنما في غياب المعيار الذي يميز به بين الحق والباطل.

وليس المقصود بهذا التقليل من شأن العلوم الدنيوية، فالإسلام لم يعرف يومًا صراعًا بين الدين والعلم، بل كانت حضارته شاهدًا على أن الوحي الصحيح والعقل السليم لا يتعارضان. وقد نبغ علماء المسلمين في الطب والهندسة والفلك والرياضيات وغيرها من العلوم التي انتفع بها الناس قرونًا طويلة، وكان كثير منهم يرون أن اكتشاف سنن الله في الكون صورة من صور التفكر في خلقه.

لكن الفرق كبير بين علم يعين الإنسان على عمارة الأرض وهو متعلق برب السماء، وبين علم يورث صاحبه الكبر، أو يقطع صلته بخالقه، أو يجعله يظن أن المعرفة تغنيه عن الهداية. فالعلم في الإسلام ليس غاية مستقلة، وإنما هو وسيلة، والوسائل لا تستقيم إذا ضاع المقصد.

ولهذا فإن من أعظم ما يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها ليس أن تجعلهم يعرفون كل شيء، بل أن تعلمهم كيف يزنون كل شيء. فليس كل ما يلمع حقيقة، وليس كل ما ينتشر صوابًا، وليس كل ما يقال باسم الحرية رحمة، ولا كل ما يقال باسم التقدم خيرًا للإنسان.

ولعلنا إذا تأملنا الأحاديث النبوية التي تحدثت عن آخر الزمان وجدنا أن أعظم فتنة أخبر بها النبي ﷺ لم تكن فتنة فقر، ولا فتنة مرض، ولا فتنة هزيمة عسكرية، وإنما كانت فتنة الدجال. ولم يكن سر خطورتها فيما يملكه من قوة فحسب، بل فيما يحدثه من اضطراب في إدراك الناس، حتى يختلط على كثير منهم الحق بالباطل، وتلتبس الحقيقة بالخداع وهو ما يفعله الآن قبل ظهوره للعلن، فيتبعه من لم يرسخ الإيمان في قلبه.

وكأن أول وصية سجلها القرآن على لسان لقمان، وآخر فتنة حذر منها رسول الله ﷺ، تلتقيان عند معنى واحد: حماية القلب قبل كل شيء.

ولهذا فإن الأسرة التي تكتفي بأن تقول لابنها: (هذا حلال، وهذا حرام)، ثم لا تبني داخله محبة الله وتعظيمه، قد تنجح في ضبط سلوكه فترة من الزمن، لكنها لا تضمن ثباته إذا غاب عنها. أما إذا عرف الابن ربه حق المعرفة، وأحب دينه عن اقتناع، وتذوق حلاوة الإيمان، فإن كثيرًا من الفتن ستنكسر قبل أن تصل إلى قلبه.

لقد كان لقمان يجلس مع ابنه في بيت بسيط، لا يملك وسائل الإعلام، ولا شبكات التواصل، ولا آلاف الكتب، ومع ذلك خرجت من ذلك البيت وصايا رآها الله جديرة بأن تتلى إلى يوم القيامة.

إن أبناءنا سيخرجون غدًا إلى جامعات لا نرافقهم إليها، وإلى أعمال لا نستطيع أن نراقبهم فيها، وسيجلسون أمام شاشات لن نرى كل ما تعرضه عليهم، وسيسمعون أفكارًا لم تخطر على بال آبائهم وأجدادهم. ولن يبقى معهم بعد توفيق الله إلا ما استقر في قلوبهم وهم صغار، وما تعلموه في بيوتهم قبل أن يعلمهم العالم.