
بقلم : د / مدحت علي أحمد وربي
الصراع كان ولا يزال وسيظل مفتوحا على مصراعيه بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الخير والشر، لكن النتيجة الحتمية أن الحق دائمًا في انتصار وانتشار وأن الباطل دائما في انكسار وانحسار، ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 18].
والناس دائما فريقان لا ثالث لهما ؛ أولياء الرحمن معهم الرحمن فهم منصورون، وأولياء الشيطان معهم الشيطان فهم مهزومون، وهذه سنة الله في خلقه، ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فاطر: 43]، وسنة الله في كونه ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 62]، وهي مقتضى حكمته في كونه، ورحمته بخلقه، قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 76].
ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويستعمل عباده لجناته: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد: 4]. وقال تعالي ” قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)(التوبة :14:15). وهو تعالى قادر على أن يهلك الظالمين في غمرة، ويأخذهم على غرة، ويبيدهم في لحظة، ولكنه ابتلى بهم عباده المؤمنين ليكشف معادنهم، ويمتحن صدقهم، و يختبر صبرهم وجهادهم بالابتلاء يتميز الذاكر من الناسي، ويتبين الصادق من الكاذب، والعامل من الخامل، الجاحد من الشاكر، والمؤمن من الكافر، والمجاهد من القاعد!!
والمثال الواضح لهذا الصراع المستمر هو ؛قصة موسى عليه السلام، حيث تكرر ذكرها في القرآن فيما يقارب ثلاثين موضعًا(30مرة)، وهي مطابقة لما كان يعانيه الرسول صلى الله عليه وسلم من فراعين قريش، وكذا فيها من التسلية للمؤمنين، حينما يشتد عليهم أذى الكفار وبغض المنافقين.
فرعون الطاغية بلغ به التكبر والغرور أن يدعي الألوهية، وأن يعلن للناس بكل جرأة وصفاقة: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38]. وأن يقول بملء فيه من غير حياء ولا مواربة: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24].
وذلك حينما جاء ذلكم الطاغية الذي تحدى كل القيم وتحدى كل المعتقدات، وقال للناس: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38]، وقال لهم: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، وأنكر ألوهية الخالق سبحانه وتعالى، أنكرها بلسانه، لكنه آمن بها في حقيقته وفي قرارة قلبه، وقد كشف الله تعالى هذا الإيمان، وكشف هذا السر فقال سبحانه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل:14] لماذا جحدوا بها؟ {ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14]، أي: جحدوا بها ظلماً وعلواً واستيقنتها أنفسهم.
وقال الله عز وجل عنه على لسان موسى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء:102].
ولذلك نجد أن هذا الطاغية إنما أنكر الخالق من أجل أن يستعبد الأمة، وهكذا في كل فترة من فترات التاريخ، أي فرد يريد أن يستذل أمة أو يستعبد شعباً فلابد أن يحول بينه وبين الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى، ابتداءً من الفرس في معتقدهم الأول، وإلى فرعون عليه لعنة الله حينما أنكر الخالق ، ثم يفتخر بقوته وسلطانه فيقول: ﴿ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الزخرف: 51]، ثم يحتقر موسى عليه السلام وهو العبد الفالح والداعية الناصح والنبي الصالح فيقول: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴾ [الزخرف: 52]، ولكنه حين حل به العذاب لم يغن عنه ملكه وسلطانه، ولا جنده وأعوانه، ﴿ فَحَشَرَ فَنادى (23) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (25) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (26) ﴾ [النازعات: 23: 26].
كانت بداية قصة موسى مع فرعون، منذ أن كان موسى جنينا في بطن أمه، فقد قيل لفرعون: إن مولودًا من بني إسرائيل سيولد، وسيكون على يديه هلاكك وزوال ملكك، ولكن ما قدر كان، ولن يغني حذر من قدر ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 21].
ولما وضعته أمه ذكرًا، ضاقت عليها الأرض بما رحبت، و أصابها من الهم والخوف ما لا يعلمه إلا الله، وكان خوفها عليه أضعاف أضعاف فرحها بقدومه، ولكن الله تعالي ألهمها بما يثبت به فؤادها: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7].
استجابت أم موسى لهذا الإلهام، وصنعت لابنها صندوقًا، وألقته في نهر النيل، وكأنما ألقت معه عقلها وقلبها، فأصبح صدرها خاليًا من الطمأنينة، خاليًا من الراحة والاستقرار، ولولا أن الله ربط على قلبها بالإيمان، وشد عزمها باليقين، لكشفت السر وأفسدت التدبير، ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [القصص: 10]، ويمضي الموج بالوليد الضعيف داخل الصندوق، يحفه الله بعنايته، ويكلؤه بحفظه، ويباشره برعايته، حتى بلغ قصر فرعون، فالتقطه آل فرعون، ولما فتحوا الصندوق وجدوا فيه غلام صغير ضعيف، ولكن رب الأرباب، ومالك القلوب والألباب، يلقي في قلب آسية زوجة فرعون فيضًا من الرحمة وكيلا من الرأفة، وقسطًا من الحنان على هذا الطفل الرضيع.. كيف؟! ﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: 9]، وكانت آسية عاقرًا لا تلد، ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾؛ أي: كدناهم هذا الكيد، وجعلناهم يلتقطون موسى ليكون لهم عدوًا وحزنا وهم لا يشعرون، و لم يأخذ موسي ثدي أي امرأة أخرى غير أمه!! حكمة من الله بالغة، وعظة من الله رائعة، ودرس من السماء عظيم!! ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 13]، ولما كبر واشتد عوده آتاه الله حكمًا وعلمًا، فصار يأمر وينهى، يقول فيسمع، ويشفع فيشفع، ولا غرو فهو ابن فرعون بالتبني، وواحد من أهل بيته، قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [القصص: 14].
كان فرعون يضع قوانين وضعية ليتخلص من معارضيه ولينتقم من مناوئيه في حين أن السماء كانت تصدر أوامرها ترشده للهداية اولا، ماذا وإلا فهناك انتقام قادم من رب الأرض والسموات!! أرسل الله إلى فرعون موسى وأخيه عليهما السلام بالقول اللين فأخذه فرعون بالأمر الهين.. كيف؟ ﴿ اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (44) ﴾ [طه: 42: 44].
ولما حانت النهاية – نهاية فرعون واتباعه – أسرى موسى بقومه من بني إسرائيل ليلًا؛ هربًا وفرارًا من بَطش فرعون وتنكيله، حتى وصل البحر، فأَتبعهم فرعونُ بجنوده بغيًا وعدوًا، ظلما وغدرا، فكان البحر من أمامهم والعدوُّ من خلفهم، حتى أوشك أن يلحق بهم ويقضي عليهم، وظنَّ أصحابُه أنَّهم لمُدركون، لكنَّ استشعارَ المعيَّة الإلهية والثقة العالية: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 62]، ومن كان الله معه فمن عليه، ومن كان الله عليه فمن معه؟! من كان الله ناصره وحليفه ومعه فمعه الكون كله، الأرض معه والسماء معه والماء معه والبحر معه كيف؟!استعرض فرعون البحرَ بجيشه الجرَّار العتيد، حتى إذا جاوزه موسى وقومه، أراد موسى عليه السلام أن يَضرب البحر ثانية حتى يذهب يبسه، لكنَّ الله نصحه: ﴿ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ [الدخان: 24].
وجد فرعون نفسه فجأة في وسط الماء، فأدرك مصيره المحتوم؛ وحاول أن يستدرك ما فاته، ولكن الله العدل لم يمكنه من النطق بكلمة التوحيد إلا في الوقت الضائع، حيث لا ينفع أحد إيمانه؛ فكان سوء الخاتمة جزاءً وفاقًا لما ارتكبه من جرائم وحشية في حق الشعب، ومن تطاول على رب العزة حين ادعى ـ وهو الحقير الذليل ـ أنه الإله المعبود..
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ ” أَنَّ جَبْرَئِيلَ جَعَلَ يَدُسُّ فِي فَمِ فِرْعَونَ الطِّينَ خَشْيَةَ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ ” أَوْ قَالَ: خَشْيَةَ أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» (المستدرك على الصحيحين/1/ 124/189). وهذا هو مصير أعداء الله في كل حين، وتلك هي عاقبة المكذبين الضالين، وما ربك بظلام للعبيد، وصدق الله: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40].
وكانت العاقبة للمتقين، والنصر حليفهم، متى ما تمسكوا بدينهم، وثبتوا على مبدأهم واستنزلوا النصر من ربهم: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الانفال: 10].
وهو نصر الله للمؤمنين إلي يوم الدين: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (53) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (54) ﴾ [غافر: 51: 54].
وهكذا فأن الباطل مهما انتفخ وانتفش، ومهما تجبر وتغطرس، وبالغ في الظلم والطغيان، وظن أنه لا يمكن لأحد أن ينازعه، أو يرد كيده وباطله، أو يهزم جنده وبطانته وحاشيته، فإن مصيره إلى الهلاك، وعاقبته هي الذل والهوان، متى وقع هذا الحدث العظيم، وتحقق هذا النصر المبين؟!فقد نجَّى الله بالماء موسى،وأغرق به فرعون، إنما نجَّاه الله ببدَنه فقط؛ ليكون عبرةً لمن يعتبر، وذكرى لمن يتذكَّر، وعِظة لمن يتَّعظ، موعظة لكلِّ جبارٍ عنيد متكبِّر في الأرض.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف