أسماء عرفة العشرون.. يومٌ تتنزّل فيه الرحمات وتُغفر فيه الزلات
23 مايو، 2026
منبر الدعاة

بقلم : د/ مدحت علي أحمد وربي .
من فضلِ اللهِ تعالى على أُمّةِ محمدٍ ﷺ أنْ جعلَ لهم مواسمَ للطاعاتِ تتضاعفُ فيها الحسناتُ، وتُرفعُ فيها الدرجاتُ، ويُغفرُ لهم فيها المعاصي والسيئاتِ، فالسعيدُ من اغتنمَ هذه الأوقاتَ، وتعرّضَ لهذه النفحاتِ، ومن هذه النفحاتِ يومُ عرفةَ، وعرفةَ من الأشهرِ الحرمِ التي تتضاعفُ فيها الحسناتُ كما تتضاعفُ فيها السيئاتُ، وهو من جملةِ الأيامِ الأربعينَ التي واعدَ اللهُ موسى أنْ يكلّمَهُ فيها، وقد سمي -يوم عرفة- بأسماء كثيرة وصلت للعشرين استنبطها أهل العلم من بطون الكتب والآثار وكثرة الأسماء تدل على تنوع فضائله وتعدد عطاياه، وتدل على شرف المسمي،وهذه محاولة نقدم الاسم مع دليله .
1- يوم عرفة: وهو الاسم الشرعي الثابت المشهور للعامة، ودليله من السنة عنعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَعْمَرَ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، الْحَجُّ عَرَفَاتٌ، مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ أَوْ تَمَّ حَجُّهُ» (أبي داود/ 2/ 643 1405).
و ذكر الإمام القرطبي رحمه الله في التفسير: أن تسمية يوم عرفة بهذا الاسم؛ لأن الناس كانوا يتعارفون فيه، وقيل: لأن جبريل عليه السلام طاف بإبراهيم عليه السلام فكان يُرِيه المشاهد، فيقول له: أعرفت أعرفت؟ فيقول إبراهيم عليه السلام: عرَفت عرَفت، وقيل: لأن آدم عليه السلام لما أهبط من الجنة هو وزوجه التقيا في ذلك المكان فعرَفها وعرَفته.
2- يوم الحج الأكبر: ودليله قوله تعالى:(وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ )(التوبة : 3) .
3- يوم المباهاة:ودليله الحديث الشريف عن عَائِشَةُ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ » (مسلم/ (4/ 107 / 436 – (1348).والشاهد من الحديث (ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ) .
4- يوم العتق من النار: ودليله الحديث السابق عن عَائِشَةُ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:« مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ »( مسلم/ (4/ 107)436 – (1348). والشاهد من الحديث :(مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ) .
5- يوم اكمال الدين: قد أكملَ اللهُ فيه الدينَ وأتمّ علينا فيه النعمةَ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً } [المائدة: 5]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ»(البخاري/1/ 18 / 45) .
6- يوم إتمام النعمة: ودليله الآية السابقة وحديث سيدنا عمر رضي الله عنه ، وعن سفيان الثوري: {اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}، قال: نزل يوم عرفة، في يوم جمعة.(تفسير سفيان الثوري/ ص: 99). وكان يوم جمعة في حجة الوداع ، وقال السلف إن تمام النعمة كان بظهور الاسلام وبسط الآمن وإظهار الدين.
7- يوم المغفرة: ودليه الحديث الشريف عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ: «إِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ وَقَالَ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ: إِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»(أبي داود /1/ 515/635).
8- يوم الدعاء: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.” ( الترمذي وحسنه).
قال ابنُ عبدِ البر – رحمه اللهُ – : وفي ذلك دليلٌ على فضلِ يومِ عرفةَ على غيرِه. وكان السلف الصالح يفطنون لعظمة هذا الوقت، فكانوا يدخرون حاجاتهم الملحة ودعواتهم الكبرى طوال العام ليطلقوها في هذا اليوم المبارك، يقينا منهم في سرعة الاجابة وعظيم العطاء الإلهي ، فعلي السلم الإكثارُمِن الدعاءِ وسؤالِ حاجتِه في هذا اليومِ الأغرِّ المباركِ..
9- يوم المشهد: ودليله في قولهِ تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ }. [البروج: 3]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَاليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْهُ».( الترمذي/5/ 436/3339).[حكم الألباني] : حسن .
10- اليوم المشهود: وهو اسم أطلقه السلف لشهود الملائكة هذا الجمع المبارك، وتجلي الرب سبحانه على عباده بالرحمات.
ودليله إنّ يومَ عرفةَ يومٌ أقسمَ اللهُ تعالى بهِ، والعظيمُ لا يقسمُ إلّا بعظيمٍ، فهو اليومُ المشهودُ في قولهِ تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ }. [البروج: 3].
ومن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَاليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ،…».( الترمذي/5/ 436/3339).[حكم الألباني] : حسن .
10- يوم التضرع: ودليله عن أنس بن مالك قال: “وقف النّبيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بـ (عرفات)؛ وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال: يا بلال! أنصت لي الناس. فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأنصت الناس، فقال: معاشر الناس! أتاني جبرائيل آنفاً، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنّ الله -عزّ وجلّ- غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم، ولمن أتى من بعدكم إِلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثر خير الله وطاب! .(المنذري 2/ 157، برقم 1737 3). وكانوا السلف يقفون بعرفة خاشعين رافعين ايديهم كاستطعام المسكين طلبا للعفو والصفح.
12- يوم الوقوف: ودليله ما جاء عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ الطويل ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « نَحَرْتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ » (مسلم /4/ 43) 149 – (1218) .
13- يوم القبول وذلك : تفاؤلا بما يمن الله به على عباده، وقد كان السلف يجتهدون في الموقف غاية الاجتهاد ثم يغلب عليهم رجاء القبول، فهذا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إِذَا سُئِلَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ: مَنْ أَسْوَأُ النَّاسِ حَالًا فِي هَذَا الْمَشْهَدِ؟ يَقُولُ: “الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ”. إِنَّهُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللهِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَمْلأَ الْقُلُوبَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ الْمَشْهُودِ..
ويُروى عنْ محمدِ بنِ المنكدرِ أنَّهُ حجَّ ثلاثاً وثلاثينَ حجةً (33)، فلما كانَ آخرُ حجةٍ حجَّها، وقفَ ودعا بروحٍ خاشعةٍ وقالَ وهوَ بعرفاتٍ: اللهمَّ إنَّكَ تعلمُ أنني قدْ وقفتُ في موقفي هذا ثلاثاً وثلاثينَ وقفةً (33)، فواحدةٌ عنْ فرضي، والثانيةُ عنْ أبي، والثالثةُ عنْ أمي، وأشهدُكَ يا ربِّ أني قدْ وهبتُ الثلاثينَ (30) لمَنْ وقفَ موقفي هذا ولمْ تتقبلْ منهُ. فلما دفعَ منْ عرفاتٍ ونزلَ بالمزدلفةِ لينامَ، نُودِيَ في المنامِ بصوتٍ يسمعهُ قلبُهُ: يا ابنَ المنكدرِ، أتتكرمُ على مَنْ خلقَ الكرمَ؟
أتجودُ على مَنْ خلقَ الجودَ؟
إنَّ اللهَ تعالى يقولُ لَكَ: وعزتي وجلالي، لقدْ غفرتُ لمَنْ وقفَ بعرفاتٍ قبلَ أنْ أَخْلُقَ عَرَفَاتٍ بألفي عامٍ.
يا لَهُ منْ جودٍ إلهيٍّ واسعٍ يبكي العيونَ شوقاً، ويملأُ القلوبَ رجاءً وحباً وتوحيداً لخالقِ السماواتِ والأرضِ!
14- يوم الرحمة: وذلك لفيض الرحمات الألهية التي تعم أهل الموقف، حتى أن بعض السلف قالوا: إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة.
وهَذَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ، نَظَرَ إِلَى تَسْبِيحِ النَّاسِ وَبُكَائِهِمْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: “أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ صَارُوا إِلَى رَجُلٍ فَسَأَلُوهُ دَانِقًا -أَيْ جُزْءًا صَغِيرًا مِنْ دِرْهَمٍ- أَكَانَ يَرُدُّهُمْ؟”
قَالُوا: لَا. قَالَ: “وَاللهِ لَلْمَغْفِرَةُ عِنْدَ اللهِ أَهْوَنُ مِنْ إِجَابَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِدَانِقٍ”. ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: “وَاسَوْأَتَاهْ مِنْكَ وَإِنْ عَفَوْتَ!”.
• وَوَقَفَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَبَكْرٌ الْمُزَنِيُّ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: “اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّ أَهْلَ الْمَوْقِفِ مِنْ أَجْلِي”.
وَقَالَ الآخَرُ: “مَا أَشْرَفَهُ مِنْ مَوْقِفٍ وَأَرْجَاهُ لِأَهْلِهِ لَوْلَا أَنِّي فِيهِمْ!”. هَكَذَا هِيَ النُّفُوسُ الْعَارِفَةُ، تَرَى نَفْسَهَا مُقَصِّرَةً مَهْمَا قَدَّمَتْ، وَتَرَى كَرَمَ اللهِ وَاسِعًا مَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ.( لطائف المعارف /ص285).
15- يوم دحر الشيطان: ودليله الحديث الذي يصف حسرة ابليس، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ “مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ. وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ». قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ “(«موطأ مالك 1/ 422) .
بل إنّ الشيطانَ يحثُو الترابَ على رأسهِ ويدعُو بالويلِ والثبورُ لمَا رأى مِن تنزلِ كلِّ هذه الرحماتِ والبركاتِ.
16- يوم الوصل: وهو يوم انقطاع الخلق للحق، حيث تتصل الأرواح بمبدئها في مناجاة خالصة ترفع الحجب بين العبد وربه.
عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كِنَانَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ، أَنَّ أَبَاهُ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، بِالْمَغْفِرَةِ» فَأُجِيبَ: «إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، مَا خَلَا الظَّالِمَ، فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ» قَالَ: «أَيْ رَبِّ إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ» فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ تَبَسَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ قَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ، فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ»(ابن ماجه/2/ 1002 /3013).
[حكم الألباني/ ضعيف)]
17- يوم التوحيد:لاعلان كلمة لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، وهي جوهر التوحيد ودين الانبياء جميعا. «المعجم
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُلَبِّي يُلَبِّي، إِلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ وشَجَرٍ»
(الطبراني/1/ 87/256). وكان الصحابي حكيم بن حزام ــ رضي الله عنه ــ يطوف بالبيت الحرام ويُردد دعاء العِفة والتوحيد، حيث ورد في الأثر أنه كان يقول أثناء طوافه: “لا إله إلا الله، نعم الرب ونعم الإله، أحبه وأخشاه”.
18- يوم التوبة: إذ يقبل العباد على ربهم بقلوب منكسرة، وَعَلَى هَدْيِ الْحَبِيبِ سَارَ الْعَارِفُونَ يُعَظِّمُونَ شَعَائِرَ اللهِ وَيَتَعَرَّضُونَ لِنَفَحَاتِ اللهِ وَيُقَدِّرُونَ لِيَوْمِ عَرَفَةَ قَدْرَهُ؛ لَقَدْ وَقَفَ الْعُلَمَاءُ وَالْعَارِفُونَ بِاللهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَوَاقِفَ تَذُوبُ لَهَا الْقُلُوبُ كَمَدًا، وَتَسِيلُ مِنْهَا الْعُيُونُ دَمْعًا، فَقَدْ رَأَوْا فِي عَرَفَاتٍ صُورَةً مُصَغَّرَةً لِيَوْمِ الْحَشْرِ الأَكْبَرِ، حَيْثُ تَتَعَدَّدُ اللُّغَاتُ، وَتَرْتَفِعُ الأَصْوَاتُ، وَالْكُلُّ يَطْلُبُ مَطْلُوبًا وَاحِدًا: “يَا رَبِّ.. سَلِّمْ سَلِّمْ، يَا رَبِّ.. عَفْوَكَ عَفْوَكَ”.
19- يوم الفرقان: وأطلقه بعض السلف لأنه اليوم الذي أعز الله فيه حزبه، ووضع فيه معالم الشريعة الخالدة ببيان النبي في خطبة الوداع. فكلما جاءَ شهرُ ذي الحجَّة، وهلَّت مواقيتُ الحجِّ، ذلك الحدث العظيم الذي ينتظره المسلمون عامًا بعد عام، حدثٌ يتوقف عنده كل مسلم في كل بقاع الدنيا، له أثره العظيم في حياة المسلمين، إنه عنوان انتصار الحق واندحار الباطل، ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81].
20- يوم الوعد والعهد : ودليله ميثاق الذر الذي اخذه الله على بني آدم في وادي نعمان، وهو وادي عرفة، فهو يوم الوفاء بالعهد القديم والميثاق الغليظ .
عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهما مَرْفُوعا- قال رسول الله صلى الله عليه: “إِن الله أَخذ الْمِيثَاق من ظهر آدم بنعمان ـ يَعْنِي بِعَرَفَة ـ فَأخْرج من صلبه كل ذُرِّيَّة ذرأها، فنثرهم بَين يَدَيْهِ كالذر، ثمَّ كَلمهمْ قبلا ثم كلمهم قبلًا، قال: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف: 172، 173]). (أَحْمد /1/272).
بهذه الأسماء وأدلتها، يتجلى لنا كيف أحاط المسلمون وسلفنا الصالح هذا اليوم بسياج من التعظيم والتبجيل، مستندين الى نصوص الوحيين وأثار الصالحين، ليبقى عرفة دائما هو قلب الزمان وجوهر الأيام.