إلي حفيدات هاجرعليها السلام

بقلم : د. مدحت على وربى 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وفرض علينا حج بيته الحرام، وجعله سببًا لدخول الجنان وتكفير الذنوب والآثام ، وأسأله سبحانه وتعالي المزيد من الفضل والإنعام ، والصلاة و السلام، علي عبده ورسوله أفضل من صلى وزكى وحج وصام، صلى الله عليه وعلى آله البررة الكرام، وأصحابه الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام ، وسلم تسليمًا كثيرًا.

إلي حفيدات هاجرعليها السلام

من هي هاجر؟ إنها أم العرب، قال البخاري في (بَاب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ): وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام بِسَارَةَ، فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ، – أي مصر – فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ، – أي هاجر.

لذلك يقولون عن العرب: [(بنو ماء السماء) وهم العرب؛ لأنها أم إسماعيل، والعرب من نسله، وسموا به؛ لأنهم سكان البوادي، وأكثر مياههم من المطر].(الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري /19/ 68).

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ)، (البخاري/ (4/ 140) 3358).

قال العيني: [قال مقاتل – وهو أحد المفسرين -: كانت من ولد هود عليه السلام، – وهود عليه السلام نبي الله وهو عربي، – وقال الضحاك: كانت بنت ملك مصر، وكان ساكنا بمنف، – ويسمونها اليوم -المنوفية – فغلبه ملك آخر فقتله، وسبى ابنته فاسترقها، ووهبها لسارة، ثم وهبتها سارة لإبراهيم، فواقعها فولدت إسماعيل، ثم حمل إبراهيم إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة…]. «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (12/ 211).

♦ إذن هاجر ليست جارية، أصلها حرة بنت ملك من الملوك. – وجاء في اسمها: [(آجَر) – بالهمز والمد – وبفتح الجيم.

وقيل: أصله هاجر، أبدل من الهاء همزة، وهي جارية قبطية هي أم إسماعيل].(الكواكب الدراري/(10/ 71).

تعلمنا من أمنا هاجر السبق في الخيرات منها :

1- أنها أول من أطالت ثوبها وجرت ذيلها، فهي أسوة للمحجبات والمنقبات فـ[عن بن عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: أَوَّلُ امْرَأَةٍ جَرَّتْ ذَيْلَهَا أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، لَمَّا قَرُبَتْ مِنْ سَارَّةَ أَرْخَتْ ذَيْلَهَا لِتَقْفِيَ أَثَرَهَا، قَالَ: (وَمِنْ هَذَا أَخَذَتْ نِسَاءُ العرب جر الذيول)].الاستذكار (8/ 312).وأن اليقين عندما يملأ القلب يكون سبباً فى أن يكون صاحبه قدوة وإماماً لمجتمعه وأمته،فكم مرة منّ الله عليك وفتح فى قلبك عيناً فأبصرت بها حقيقة الدنيا فهانت فى عينك وعشت فيها تعمل لله على أمل لقائه فى الآخرة.

2-هي أول من سعى بين الصفا والمروة، فقد [روى الفاكهي بإسناد حسن عن ابن عباس قال: (هذا ما أورثتكموه أم إسماعيل)]. فتح الباري (3/ 503). علمتنا أن اليقين بالله ؛ وهي تسعى فجعل الله تعالي مكان قدميها الخير والمرعى!!

أي: أن السعي بين الصفا والمروة ، من تركة أم إسماعيل ، فليتذكر الحجاج هذا الميراث العظيم ، هاجرعليها السلام : أن الطريق إلى الله قد يكون مخالف للهوي ؛ فليست هي كزوجة مستغنية عن زوجها ولا بيتها،ولا سيدنا إبراهيم – عليه السلام – عنده نقص مشاعر أبوة ، أو نقص مشاعر نحو زوجته ، ولكنهم علموا أن الجنة حفت بالمكاره، وعلمتنا : أن لا نقلل من شأن أي أنثي لكونها امرأة ، أو لكونها فقيرة ، أو لكونها ضعيفة … الخ ، فهاجر أول من سعت ، وكل من سعى بعد ذلك اقتدى بها .

3-هي أول من خُتنت وثقبت أذناها فرضي الله عنها وأرضاها. علمتنا أن نرفع شعار( لن يضيعنا الله ) فى كل خطوة نخطوها فى إرضاء الله عزوجل وعلمتنا أنه ببركة طاعة الزوجة لزوجها فيما لا يغضب الله فسيكون الحفظ من الله عز وجل ،وأن الإيمان ليس بالتمنى ولكن بالمواقف والبذل والتضحية ،فكم ضحت هذه الأسرة من أجل أمة قادمة سارت على خطواتها فليبحث كل منا عن حقيقة إيمانه وماذا قدم وبذل ليفوز برضا المولى عز وجل.

4-السيدة هاجرالجارية المصرية علمت التوكل لكل للبشرية وأن حسن التوكل؛ يجعل الفقيرة ملكة، وضياعه يجلب الفقروالهلكة ، فقد ترك إبراهيم عليه السلام ولده لمؤمنة -هاجر- في الصحراء ،ولما عاد إليه وجده على خير ما يسر الآباء… وكم من الهواجر يربين أولادهم الذين غيب عنهم الآباء !! علمتنا هاجرعليها السلام : أن البيت لا يخرب بغياب الزوج ؛إذا اتقت المرأة ربها وتوكلت عليه وحقاً لقد علمتنا أن من صدق مع الله ؛ خلد الله ذكراه .

5-علمتنا هاجرعليها السلام أن الصدق مع الله جعل من الأركان أن نسعى مكانها ، فهاجر الصالحة الودود… كانت جارية في قصرملك كافر جحود لكن بصدقها مع ربها جعل سعيها ركنا من أركان الحج فكم يخبئ الله عند أهل الباطل من جنود؟! وأنت أيها الحاج الكريم تسعى بين العلمين الأخضرين… تذكرالسيدة هاجر وجميع المؤمنات الماجدات اللاتي علي دربها ؛ فصدق إيمانها عند المسعى فصار نسكا، وعند البئر فصار ماء مباركا، وعند العقبة فصارمعلَماً ومكانا يستجاب فيه الدعاء… هكذا أنت يا ابنة الإسلام… الخير في ركابك ما بقي فيكِ صلاحك وإيمانك .

6- علمتنا أن المؤمنة بربها قوية ؛فهي تقيم في الصحراء، وتزُمُّ الماء، وتملأ بالبر نفوس الأبناء، وتتحمل الشدة والابتلاء فلا يقال عنها إنها الضعيفة!! لو كان هذا ضعفا فأين القوة؟! فقد تركها زوجها في وحدة وجدب ومعها ربها الكريم ، فعاد إليها وقد امتلأت الأواني والقرب!! وهكذا المؤمنات الصالحات يجعل الله لهن الصحراء إلى جنات!وكأنها تقول للدنيا كلها : أني أستطيع النوم فِي صحراء موحشة بعيداً عن الأهل والأحباب ، طالما أني أيقنت منذ البداية أن الله “لن يضيعنا” .

7- علمتنا كيف تكون القدوة فالأمة التي فيها نساء كهاجر زوج إبراهيم عليهما السلام ؛ لا يصح أن تبحث عن قدوات لبناتها عند الضائعات المائعات من النساء!! ألا قبح الله أذواق البعداء.

وعلمتنا السيدة هاجرعليها السلام : أن أفضل رد نقوله إذا سألنا أحد لماذا تفعلون هذا ؟ أن نقول : لأن الله أمرني بهذا .

8-علمتنا هاجرعليها السلام : أن الله يريد منا السعي ، والأخذ بالأسباب ، فماذا فعلت هاجر ليفتح الله لها كل هذا الفتح والكرم ؟ و من فتح عليها يفتح علينا فهو الفتاح الكريم قال الله تعالي : ” ‌مَا ‌يَفْتَحِ ‌اللَّهُ ‌لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)”(فاطر2،3) ،قد تسعى فِي مكان ، والفتح يأتي من مكان آخر، سعت بين الصفا والمروة، والفتح جاء تحت قدم إسماعيل عليه السلام ، فلنجتهد فِيما نملك ، سيعطينا الله ما لا نملك .

10-علمتنا السيدة هاجرعليها السلام : أن الفرج ليس شرطاً أن يأتي وأنت عرقان أثناء السعي أو العمل، بل قد يأتي بعد أن ننتهي من التعب فِي السعي ؛ وتأمل متي جاء الفرج لهاجر ؟ بعد أن انهت السعي بين الصفا والمروة ، وبعد التكرار، فالسعي بين الصفا والمروة يعلمنا التكراروالمعنى سأظل أطرق الباب .

وفي السعي الهرولة : يعني المطلوب منا أن: نهرول من الشهوات بقدر استطاعتنا ،ونهرول إلى الطاعات بقدر وسعنا وطاقتنا .

وفي الختام :عندما تكون الغايات كبيرة يهون من أجلها كل جهد وعناء فكم من مشقة تهون عندما تطأ قدمك الجنة تراها ، فكم بذلت هذه الأسرة الكريمة والبر لا يُبلى فكم كان إبراهيم متأدباً مع أبيه فى بداية الدعوة وها هو إسماعيل يطيع أباه عندما قال له إنى أرى أنى أذبحك ، فمن أين علم أنه أمر الله ولكنها الأم التى ورًثت وليدها اليقين ونختم بالوصية الغالية ؛ عَنْ ‌عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ‌أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « ‌إِنَّكُمْ ‌سَتَفْتَحُونَ ‌أَرْضًا ‌يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا. قَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجَ مِنْهَا »(مسلم (7/ 190) 26/(2543).[(فَإِن -أهل مصر – لَهُم ذمَّة)أَي حَقًا وَحُرْمَة،(ورحما) لكَون هَاجر أم إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مِنْهُم، – وهي أم العرب، لذلك وفي رواية: – (وصهرا) لكَون مَارِيَة أم إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْهُم].