من رحم الطفولة إلى ظلمات الغفلة.. كيف يفقد الإنسان صفاءه الأول؟
16 مايو، 2026
بستان الصالحين

بقلم الكاتب والباحث : عبد الكريم فتاح أمين
بعدما ينزل الإنسان من رحم أمه يبكي متواصلاً بصوت عال وحزين كمن يرى اشياء غريبة وعجيبة ويتأثر بها أو يخاف منها، فمن بصدد البحث والتقييم آنذاك يحمل ذلك البكاء على معاني كثيرة، ونلخصها في النقاط التالية:
١- يبكي لأنه بتصوره ودع مكانا واسعا وشاسعا ونزل في مكان ضيق.
٢- يبكي لأنه يعلم أنه ودع مسكنا لا مسئولية ونزل بمسكن فيه مسئوليات صعبة وثقيلة، مسئولية إطاعة الله تعالى واطاعة الوالدين ورعاية حقوق الآخرين من بني جنسه بل وحقوق كل الكائنات التي تعيش حوله.
٣- يبكي لأنه في تلك اللحظة يلهمه الله تعالى أنه يتعرض لآلام عديدة عميقة من فقدان الأم والأب والأهل والاقارب والاجانب، والأموال والثروات كما قال سبحانه وتعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)البقرة.
٤- فالشيطان عاهد أن يفعل مع بني آدم ما بوسعه من العداوة الشريسة التي تكاد أن تكون سبب تكفيره أو حتى الأقل إيقاعه في ارتكاب المعاصي، فارتكاب يقل من شأن العاصي في جانبين:
الأول: يدخل الجهنم إذا دعت مشيئة الله تعالى إليه.
الثاني: يخسر علو مراتب الإيمان والجنة إذا اقتضت مشيئة الله للعقاب والمساءلة.
فليعلم الإنسان مدى عداوة الشيطان له، وأنه يضع العوائق المتواصلة كي يخذله ويضله نعوذ بالله العظيم من شر الشيطان الرجيم كما قال مولانا جل جلاله:
(قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) الإسراء.
وبديهي هذه العداوة الشرسة الخطيرة تبدأ من حين الولادة حتى الموت وارتحاله إلى عالم البرزخ والابدي:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان))
وفي لفظ آخر قريب من هذا يقول فيه حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه))
فالإنسان يتنبه في حالتين:
١- حالة الولادة، وذلك لما نوهنا إليه من حمل عبأة المسئولية عاجلا وآجلا، وخوفه من عدم قيامها وأدائها كما أراد منه مولاه جل وعلا.
٢- حالة الارتحال النهائي، فالرحلة النهائية من أعظم المسائل التي توقع الإنسان في الدهشة والرعب والخوف المفرط لاسيما الذين عثروا على عاقبتهم السوء، إذ الإنسان الكافر الملحد يرى منزلته القبيحة المهيأة له قبل أن يرتحل من دار المحنة إلى دار الرحمة.
جير فالإنسان النقي التقي يهبط من صفة الملكية في الحالتين:
الأولى: بوصوله إلى حد البلوغ والشهوة والاشتهاء إلى جنس مقابله.
الثانية: اختلاطه بشتى المعاصي والذنوب ، وتجاوزه عما سورته شريعة الله تعالى.
يهبط من المرتبة الملكية والحالات الروحية ويتعرض لأنواع الأمراض والاسقام ، ولسنا نقصد ب(الأمراض) الأمراض الجسدية والمادية بل نقصد بها الأمراض العقدية والأمراض الأخلاقية والفكرية، والإعراض عن طاعة الله تعالى ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم – وفي الحقيقة هذه الأمراض التي نوهنا إليها من أخطر الأسقام والأمراض، إذ الأمراض الجسدية تكاد أن تكون سبب إزهاق الروح أما الأمراض العقدية والفكرية والأخلاقية يمكن أن سبب تمزيق الإيمان بالله تعالى وما أنزله.
أقول: فالوسيلة العظمى لإنقاذ الإنسان من ربقة العبودية لمخلوق الله تعالى هي العبادة الدؤوبة والمتتالية تحت إشراف مرشد رشيد وولي كامل وعارف بالله الذي قطعت مراتب الإيمان، فالولي الذي قطع المجاهدة والرياضة الروحانية ينال الفراسة وشرح القلب ، ويطلع الله تعالى على معايب ومشاكل مريديه وتابيعيه، ويعلم آنذاك ما الذي يحسن أحواله ويعالج مشاكله كما قال سبحانه:
﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾يوسف: ١٠٨
تفتح عينه القلبيةوكذلك شمه وسمعه القلبيين ، وإلى تلك الحقيقة قد أشار الحديث القدسي:
(( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه))
فالمرشد والمعلم الروحي يرى مريديه ولو كانوا في مكان بعيد، ولو كان بينهما حجب كثير وقوي، فقلوب المرشدين تنورن وأصبحن شاشة واضحة يهتدون بها وقت تفتيش حال المريدين، ولهذا ينظرون إلى قلب مريدهم بأشعة الإيمان، ويطلعون على خواطرهم بإذن الله تعالى.
فشعور حضرة يعقوب النبي بقميص إبنه البار يوسف الصديق النبي عليهما السلام حصل من هذا الطريق والمنبر:
﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94) يوسف.
فسيدنا يعقوب النبي كان قائما في معلومة عظيمة تجاه حياة إبنه البار النبي عليهما السلام، لأن ربط الروحي والعلاقة المعنوية بين المرشد والمريد لم تنقطع للحظة ما ، وكانت العلاقة والربط الروحي في كل لحظات الحياة تدوم فعالا وشاغلا على شاشة لوحة قلب المرشد يعقوب النبي عليه السلام ، ولهذه الحقيقة القيمة والطريفة قال عليه السلام : ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)يوسف.
فائدة عظيمة: زار رجل وليا من أولياء الله تعالى وقال: إن أخي الشقيق سافر قبل عامين ولم يعد، ما عندنا المعلومات حوله ، هل في قيد الحياة أم لا ؟
فأجاب الرجل الصالح والعارف بالله بأن أخاك الحمد لله لا يزال في قيد الحياة ، وبإذن الله تعالى يرجع بعد ثلاثة أيام ، نعم الحمد لله عاد سالما غانما.
فسأله أحد الحاضرين وقال: يا شيخي الفاضل فوقع الخبر كما قلت حمدا لله ولكن بماذا علمت ومن أين وجدته ؟
فقال حضرة المرشد الكامل: يوجد سجالان مخلوقان لله تعالى فوق العرش، واحد منهما كرس بالأحياء ، والآخر بالأموات، فقدت هذين السجلين ، وفي النهاية وجدت إسمه في سجل الاحياء، واخبرت بما رأيت ، وقال: هذا فضل الله تعالى يختص به من يشاء من عباده الصالحين .