خطبة تحت عنوان اغتنام النفحات في عشر البركات.. طريقك إلى رب الأرض والسماوات ( للشيخ أحمد إسماعيل الفشني )

*خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ بتاريخ ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ – ١٥ مايو ٢٠٢٦ م**

خطبة تحت عنوان اغتنام النفحات في عشر البركات.. طريقك إلى رب الأرض والسماوات

والخطبة الثانبة تحت عنوان : ضمن مبادرة صحح مفاهيمك: العناية بالنظافة في كل الشئون العامة والخاصة
( للشيخ أحمد إسماعيل الفشني )

**عناصر الخطبة:**
١- عظمة الزمان وأقسام الرحمن بالعشر.
٢- اجتماع أمهات العبادة في عشر ذي الحجة.
٣- وظائف الأيام العشر.. كيف نعيشها بقلوبنا؟
٤- عشر ذي الحجة وبناء الأمل في القلوب.
٥- الطهارة والنظافة.. شطر الإيمان وعنوان الرقي.
٦- النظافة العامة مسؤولية تراحمية ووطنية.

**الخطبة الأولى**

الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى حمد الشاكرين الذاكرين، القائل في محكم التنزيل: وذكرهم بأيام الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي تفضل على عباده بمواسم للخيرات، وجعل فيها نفحات ترفع الدرجات وتكفر السيئات، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، النبي المصطفى والرسول المجتبى، الذي كان أجود الناس بالخير، وأسرعهم اغتناماً لمرضاة ربه عز وجل، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، رضي الله عنهم أجمعين، الذين عرفوا قدر الزمان، وعمروا أوقاتهم بطاعة الرحمن، فكانوا هداة مهتدين، وبالحق قائمين.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

أيها السادة الفضلاء، والعلماء الأجلاء، إننا نستقبل بعد أيام قلائل أعظم أيام الدنيا على الإطلاق، أياماً اصطفاها الله عز وجل وجعلها ميداناً للمنافسة في الطاعات، وبوابة للقرب من رب الأرض والسماوات. إننا على أعتاب العشر الأُول من ذي الحجة، تلك الأيام التي تشع بالنور، وتحمل بشائر القبول لكل مقبل على الله عز وجل بقلب سليم. إن أحوج ما نحتاج إليه اليوم، وسط غمرة الحياة وانشغال النفوس، هو أن نتوقف لنتزود من هذه النفحات، ونصحح المسار، ونغسل القلوب بماء العبادة والذكر، لتكون لنا طريقاً موصلاً إلى مرضاة الله عز وجل وجنته.

**العنصر الأول: عظمة الزمان وأقسام الرحمن بالعشر**
أيها السادة الفضلاء: حين يريد الله عز وجل أن يلفت أنظار عباده إلى جلالة أمر وعظمة شأن، فإنه يقسم به في كتابه الكريم، وهو الصادق عز وجل بلا قسم. ومن أعظم ما أقسم الله عز وجل به، هذه الأيام المباركة، فقال سبحانه في سورة الفجر: والفجر وليال عشر. وقد ذهب جمهور المفسرين، ومنهم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، إلى أن الليالي العشر هي العشر الأُول من ذي الحجة. يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: “وهو الصحيح”. فإذا أقسم الخالق عز وجل بزمان، فاعلم أن لهذا الزمان قدسية خاصة، وأنه يحوي من الأسرار والبركات ما لا يدركه إلا الموفقون.

إن عظمة هذه الأيام تتجلى في أنها “أفضل أيام الدنيا”، كما وصفها سيدنا رسول الله ﷺ؛ فعن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: أفضل أيام الدنيا أيام العشر. أخرجه الإمام البزار بإسناد حسن، وصححه الإمام ابن حبان. وهذا التفضيل ليس من فراغ، بل لأن الله عز وجل اختصها بفضائل لم تجتمع في غيرها، حتى إن العمل الصالح فيها يفوق في أجره ومكانته الجهاد في سبيل الله، إلا في حالة واحدة. يروي الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال سيدنا رسول الله ﷺ: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.

وتأملوا يا عباد الله في هذا المعنى الدقيق؛ إن الله عز وجل الذي خلق الزمان، اصطفى منه أوقاتاً لتكون محطات إيمانية، وعشر ذي الحجة هي المحطة الكبرى التي تُختم بها شهور العبادة في العام. وفي هذا
المعنى يقول الشاعر:

مرت سنون بالوصال وبالهنا … فكأنها من قصرها أيامُ
ثم انثنت أيام عشر أقبلت … فيها من الله الكريم مقامُ
فيها الهدى والذكر والخير الذي … يسمو به نحو الجنان كرامُ

ومن لطيف القصص ما يروى عن الإمام سعيد بن جبير، وهو من أكابر التابعين، أنه كان إذا دخلت العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يقدر عليه، وكان يقول: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر، كناية عن طول القيام والذكر. فكان القوم يعظمون ما عظم الله عز وجل، ويستشعرون أن كل دقيقة في هذه العشر هي جوهرة غالية لا تعوض.

**رسائل عملية:**
١- رسالة في تعظيم شعائر الله: استشعر بقلبك قدسية هذه الأيام قبل أن تبدأ، واعلم أن تعظيم الزمان من تقوى القلوب. فليكن لك نية صادقة في اغتنام كل ساعة فيها.

٢- رسالة في التخطيط للعبادة: لا تجعل العشر تمر عليك كغيرها من الأيام. ضع لنفسك جدولاً بسيطاً: ختمة للقرآن، صيام ما تيسر، صدقة يومية، وذكر لا ينقطع، ليكون حالك حال المشمرين.


٣- رسالة في التوبة النصوح: ابدأ هذه العشر بتوبة صادقة من كل ذنب، فإن رحمة الله عز وجل تتنزل على القلوب المنكسرة التائبة، وهي أول خطوة في طريقك إلى رب الأرض والسماوات.


٤- رسالة للأهل والبيوت: ذكّروا أبناءكم وعائلاتكم بفضل هذه الأيام، وأحيوا فيها سنة التكبير والتهليل، لتكون البيوت عامرة بذكر الله عز وجل ونور فضله.


**العنصر الثاني: اجتماع أمهات العبادة في عشر ذي الحجة**

لقد خص الله عز وجل العشر الأُول من ذي الحجة بميزة فريدة لم تتوفر لأي زمان آخر في العام كله، وهي أنها الأيام الوحيدة التي تجتمع فيها أمهات العبادات وأصول الطاعات في وقت واحد. ففي هذه الأيام المباركة يلتقي شرف الصلاة، وعظمة الصيام، وجود الصدقة، مع الركن الأعظم وهو الحج إلى بيت الله الحرام. يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري بشرح صحيح البخاري: “والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة الحج، ولا يتأتى ذلك في غيره”.

إن هذا الاجتماع للعبادات يجعل من هذه الأيام مدرسة إيمانية متكاملة؛ فبينما يطوف الحجاج حول البيت العتيق ملبين خاضعين، يشاركهم المسلمون في شتى بقاع الأرض بالصيام والذكر والتكبير، لتتوحد الأمة كلها على صعيد واحد من العبودية لله عز وجل. وهذا التوحد هو سر قوة الأمة وسبيل رفعتها. وفي هذا المعنى يقول أحد الشعراء واصفاً جلال هذه الأيام:
هي العشر التي سادت زماناً … بها اجتمعت أصولٌ للعبادة
فصومٌ ثم حجٌّ ثم ذكرٌ … بها نال الموفقُ ما أراده
فيا فوزَ الذي لبى ونادى … وجَدَّ لربهِ يرجو السعادة

لقد كان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم يدركون هذا المعنى حق الإدراك، فكانوا يضاعفون جهدهم في سائر العبادات. يروي الإمام مالك في الموطأ عن سيدنا نافع أن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يكبر في قبة له بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. إن هذا المشهد العظيم يجسد كيف تحولت هذه العبادات المجتمعة إلى روح تملأ المكان والزمان نوراً وبهاءً.

**رسائل عملية:**

١- رسالة في شمولية العبادة: لا تكتفِ بنوع واحد من الطاعات، بل حاول أن تأخذ من كل بستان زهرة؛ نصيباً من الصلاة، والصيام، والصدقة، ولو بالقليل.

٢- رسالة في وحدة الشعور: استشعر وأنت تصوم أو تذكر الله في بيتك، أنك متصل بإخوانك الحجاج على صعيد عرفات وفي رحاب مكة، واجعل دعاءك لهم وللمسلمين أجمعين.


٣- رسالة للميسورين: بما أن الصدقة من أمهات العبادة في هذه العشر، فاجعل لك صدقة يومية خفية تبتغي بها وجه الله عز وجل، وتواسي بها فقيراً.

٤- رسالة في التكبير والتهليل: أحيوا سنة التكبير في البيوت والأسواق والمساجد، وذكروا الناس بها، فإن التكبير هو شعار هذه الأيام وعنوان تعظيم الله في القلوب.

**العنصر الثالث: وظائف الأيام العشر.. كيف نعيشها بقلوبنا؟**
أيها الإخوة الأحباب، إن لكل زمان وظيفة، ووظيفة هذه العشر هي الفرار إلى الله عز وجل وإصلاح ما فسد من القلوب.

أولاً: وظيفة الذكر المطلق والمقيد: إن أعظم وظيفة في هذه العشر هي كثرة ذكر الله عز وجل، ولهذا قال سبحانه في سورة الحج: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات. ولهذا كان سيدنا رسول الله ﷺ يوصي بالإكثار من التهليل والتحميد والتكبير؛ فعن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن سيدنا النبي ﷺ قال: ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد. أخرجه الإمام أحمد في مسنده. إن التكبير ليس مجرد لفظ، بل هو إعلان لسيادة الله عز وجل على قلبك، فتقول “الله أكبر” من مالي، ومن ولدي، ومن الدنيا وما فيها.

ثانياً: وظيفة الصيام وبالأخص يوم عرفة: الصيام في هذه الأيام هو بمثابة ترويض للنفس لتتهيأ ليوم عرفة العظيم. ويوم عرفة هو تاج هذه العشر وبشارتها الكبرى؛ فعن سيدنا أبي قتادة رضي الله عنه أن سيدنا رسول الله ﷺ قال عن صيام يوم عرفة: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. فتأملوا يا عباد الله في سعة الرحمة؛ يوم واحد يكفر ذنوب عامين كاملين!
وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
فـيا فوز مـن قـام الليـالي مـصلياً … ويـا فوز مـن بـالذكر كـان لـه شـأنُ
عـشرٌ تـمرُّ كـما الـبرقِ في خَـطَـفانِه … فـاغنم زمـانك إنَّ الـدهـرَ أزمـانُ

**رسائل عملية:**

١- رسالة في إحياء السنن المهجورة: اجعل لسانك رطباً بذكر الله عز وجل طوال اليوم. جهروا بالتكبير ليعلم الناس أننا في أيام عظيمة.

٢- رسالة في التوبة العميقة: اجعل وظيفتك القلبية الأولى هي تجديد العهد مع الله عز وجل. ابكِ على خطيئتك في هذه الليالي، فإن للدمعة مقاماً عند رب الأرض والسماوات.

٣- رسالة في صلة الأرحام: ارحموا أرحامكم، وصلوا من قطعكم، واجعلوا التراحم في هذه الأيام قربى تقدمونها بين يدي الله، فإن الله لا يقبل العمل من مشاحن.

٤- رسالة في تعظيم يوم عرفة: إذا لم يتيسر لك صيام العشر كلها، فلا يغلبنك الشيطان على صيام يوم عرفة، وادخر فيه دعواتك لنفسك ولوطنك.

**العنصر الرابع: عشر ذي الحجة وبناء الأمل في القلوب**
أيها الإخوة الأحباب، إن أعظم ما تقدمه لنا هذه الأيام العشر هي بشائر الأمل التي تملأ النفوس تفاؤلاً، فمهما بلغت ذنوب العبد، فإن نفحات الله عز وجل تأتي كالغيث الذي يحيي الأرض بعد موتها.

وتتجلى أولى هذه البشائر في سعة المغفرة التي تفيض في هذه العشر. فعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة بعشرة آلاف يوم. (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان). تأملوا في هذا العطاء الرباني؛ إنه بناء للأمل في قلب كل مقصر ليعود، وفي قلب كل حزين ليفرح.

لقد كان الصحابة والتابعون يعيشون هذه البشائر بيقين تام؛ فهذا سيدنا عبد الله بن المبارك رضي الله عنه، جاء إلى سيدنا سفيان الثوري رضي الله عنه يوم عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تذرفان، فقال له ابن المبارك: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ فقال سفيان: “الذي يظن أن الله لا يغفر له”.

إن عمارة القلوب في هذه العشر بالأمل تدفع العبد إلى تزكية السلوك؛ فمن طمع في رحمة الله عز وجل، رحم عباد الله. وفي هذا يقول الشاعر:
يا أيها الراجي عظيم نواله … في عشر ذي الحجة والخيراتِ
أبشر بفضل الله في نفحاته … وامحُ الذنوب بدمعة العبراتِ

ومن أعظم البشائر أن الله عز وجل جعل لنا في هذه العشر “يوم النحر”، ليعلم المسلم أن التضحية والفداء هما طريق الرفعة والتمكين. فكل قطرة دم تُراق من الأضحية هي بشارة خير، وعلامة على الامتثال لأمر الله عز وجل.

**رسائل عملية:**

١- رسالة في التفاؤل والرجاء: اجعل شعارك “أنا أرجو رحمة ربي”، وتخلص من مشاعر اليأس، فرب العزة نادى عباده ليغفر لهم فاستبشروا خيراً.

٢- رسالة في جبر الخواطر: كما ترجو من الله أن يجبر خاطرك، فاجبر خاطر الضعفاء. إن بشارة الأمل التي تزرعها في قلب إنسان قد تكون سبب إجابة دعائك.

٣- رسالة في الدعاء المستجاب: استعد بقائمة من الدعوات، وأيقن بالإجابة، فإن الذي جعل العمل الصالح في هذه العشر هو الأحب إليه، لن يرد يديك صفراً.

٤- رسالة للمجتمع والوطن: ابنوا الأمل في نفوس من حولكم، فإن الأمة التي تعمر قلوبها بالأمل في الله هي أمة لا تُهزم.

**الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ**
**ضمن مبادرة صحح مفاهيمك: العناية بالنظافة في كل الشئون العامة والخاصة**

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، لا سيما الخاتم المجتبى، سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.

أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون..
إننا ونحن نعيش نفحات العشر الأُول، يجب أن نصحح مفهوماً يغيب عن البعض، وهو ظنهم أن العبادة تقتصر على الشعائر المحضة، والحقيقة أن الإسلام دين شامل، جعل من الطهارة والنظافة جزءاً لا يتجزأ من الإيمان. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، نؤكد أن المسلم الذي يتقرب إلى الله بالذكر، يجب أن يكون قدوة في نظافة بدنه، وبيته، وطريقه، فإن الله عز وجل جميل يحب الجمال.

**العنصر الخامس: الطهارة والنظافة.. شطر الإيمان وعنوان الرقي**
لقد جعل الإسلام الطهارة شرطاً لصحة أعظم العبادات وهي الصلاة. وقد لخص سيدنا رسول الله ﷺ هذا المنهج فقال: الطهور شطر الإيمان. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. ومعنى شطر الإيمان أي نصفه، فكيف يكتمل إيمان عبد وهو يفرط في نظافة هندامه أو بدنه؟

إن النظافة هي عنوان الرقي الإنساني. فالمسلم يتعبد إلى الله بغسل بدنه، وتقليم أظفاره، والتطيب بالروائح الحسنة، خاصة عند الذهاب للمساجد. وفي هذا يقول الشاعر:
تطهر من الأدناسِ ظهراً وباطناً … فإنَّ بيوتَ اللهِ تُبنى على الطهرِ
وكن كأريجِ الوردِ ريحُك طيبٌ … يسرُّ فؤادَ المرءِ في غفلةِ الدهرِ

لقد كان السواك لا يفارق يد سيدنا رسول الله ﷺ الشريفة، وكان يقول: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. وهذا يعلمنا أن نظافة الفم والبدن هي حق لمن تجالسهم، فلا تؤذِ عباد الله، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.

**العنصر السادس: النظافة العامة مسؤولية تراحمية ووطنية**
صحح مفهومك أيها المسلم: إن اهتمامك بنظافة شارعك ومكان عملك هو عمل صالح تتقرب به إلى الله في هذه العشر. فإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وهي شعبة من شعب الإيمان. فمن يرمي المخلفات في الطرقات، أو يترك بقايا الأضاحي في الشوارع، فإنه يرتكب إثماً ويؤذي عباد الله.

إن نظافة البيئة هي مسؤولية وطنية ودينية. فعن سيدنا أبي ذر رضي الله عنه أن سيدنا النبي ﷺ قال: عُرضت عليَّ أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق. (أخرجه مسلم).

ويروى أن امرأة كانت تقمُّ المسجد (أي تنظفه) في عهد النبي ﷺ، فلما ماتت افتقدها ﷺ فذهب إلى قبرها وصلى عليها، إكراماً لها ولعملها العظيم في ميزان الله.

**رسائل عملية:**

١- رسالة لكل مصلٍّ: احرص على نظافة بيوت الله، وتطيب عند دخولها، ليكون اجتماعنا على الطاعة اجتماعاً على الجمال والراحة.

٢- رسالة لكل رب أسرة: علم أبناءك أن رمي ورقة في سلة المهملات هو قربة لله، وأن نظافة حيكم هي جزء من وفائكم لهذا الوطن الجميل.

٣- رسالة للمضحين: مع قرب العيد، نؤكد على ضرورة الذبح في الأماكن المخصصة، فإن إراقة الدم قربة، وتلويث الطرقات معصية.

٤- رسالة عامة: لنجعل من هذه العشر مبادرة شاملة للنظافة، لنستقبل العيد بوجوه مستبشرة، وقلوب طاهرة، فنجمع بين جمال الباطن وجمال الظاهر.

**الدعاء:**
اللهم يا طاهر يا قدوس، طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وأبداننا من الأدناس. اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين. اللهم بارك لنا في هذه العشر، واجعلها لنا فاتحة خير وبركة ونور.

اللهم احفظ مصرنا الغالية، واجعلها واحة للأمن والأمان والنظافة والرقي. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، واحفظ جيشنا وشرطتنا، وارحم شهداءنا الأبرار. اللهم آلف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام. اللهم تقبل منا ومن الحجيج، واكتب لنا حج بيتك الحرام، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة.

**والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد – كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني.**

**القاهرة في ١٠ مايو ٢٠٢٦ م**