
بقلم : أ . بسمة القفاص الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية
أخيتي الغالية، وابنتي العزيزة، وحبيبة الفؤاد.. إليكِ أبعثُ كلماتي يحدوها الرجاء أن تلامس شغاف قلبك، وتستقر في مكمن وعيك. اعلمي -رعاكِ الله- أننا في دارٍ سُميت “دنيا” إما لدنوّها وقصر أمدها، أو لدناءة قدرها مقارنةً بالخلود. هي مضمارُ فتنةٍ كقطع الليل المظلم، وشيطانٌ رصدَ لبني آدم كل مرصد، وأقسم بعزة الله: {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}، ونفسٌ أمّارةٌ إن لم تُلجم بلجام التقوى تردّت في مهاوي الردى.
لقد غفلنا في زحام المظاهر عن ركنٍ ركين، وهو الإيمان بالقضاء والقدر. ألم يقل المصطفى ﷺ: “الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره”؟
يا أخية، منذ كنتِ جنيناً في ظلمات ثلاث، وقبل أن تراكِ عينُ أمك، كُتب رزقكِ، وأجلكِ، وشقاؤكِ وسعادتكِ. فما لكِ تركضين خلف السراب وتظنين أن التبرج وسيلة لنيل المبتغى؟ إنّ ما قُدّر لكِ سيأتيكِ وأنتِ في عقر دارك، وما لم يُقدّر لن يأتيكِ ولو بذلتِ في سبيل ذلك دينكِ وحياءكِ.
لماذا هذا التبرج الصارخ والتجرؤ على حدود الله؟ لقد أمر الله المرأة بستر محاسنها صوناً لكرامتها لا تقييداً لحريتها، فقال سبحانه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}.
انظري في حال الصالحات من سلفنا، وكيف كانت العفة منوالهن
فيا غالية، لا تلومي ذئاباً بشريّة نُهشت مفاتنكِ ببصرها، وأنتِ من قدّمتِ لهم الطعم بملابس تُفصل الجسد وتُغري الغريب. اصدقي الله في سترك، يصدقكِ في حفظك.
إليكِ يا أماه.. يا حارسة الفضيله يا من استرعاكِ الله هذه الجوهرة. كيف طاوعكِ قلبكِ أن تري ابنتكِ تخرج كاسية عارية، تُبرز ما خفي وتجذب الأنظار، ثم تبتسمين إعجاباً بجمالها؟ أين غيرة الإيمان؟ وأين الخوف عليها من أعينٍ لا ترحم؟
إن البداية من عندكِ، فإن لم تحصنيها بالخلق والستر، فلا تلومي إلا نفسكِ إذا ما مسّها سوء. تذكري قوله ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.
وأنت أيها الأخ والزوج.. أين “الغيرة” التي هي شيمة الرجال وعلامة الإيمان؟ كيف تمشي وزوجك أو أختك تتثنى في مشيتها، والعيون تنهشها يمنةً ويسرة، وأنت تمشي بجوارها كأنك تتباهى بعرضك أمام المارة؟
إن الرجل الحق هو من يحوط أهله بحمايته، لا من يعرضهم كسلعةٍ في واجهة الموضة. كيف تغضب إذا غمزها سفيه أو لمزها لئيم، وأنت من أبحته لحمها بتركها على تلك الحال؟ إنك غداً موقوف ومسؤول عن هذه الأمانة.
لماذا تجرأنا؟
لقد تجرأنا على الله حين أمِنّا عقابه، واتبعنا أهواءنا، وظننا أن “الموضة” التي صُنعت في ديار لا تعرف الله هي ميزان الرقي.
تجرأنا لأننا نسينا قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}، واكتفينا بـ “الله غفور رحيم”.
تجرأنا لأننا ضعفنا أمام بريق الدنيا، ونسينا أن الموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل.تجرأنا لأننا لم نوقن حق اليقين بلقاء الله والوقوف بين يديه في يومٍ تشخص فيه الأبصار.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف