أئمة التصوف ينكرون سفاهات المنتسبين ولا يقرّون الانحراف

بقلم الدكتور : طه عبد الحافظ أحمد الوزيري
دكتوراة فى الدعوة والثقافة الإسلامية – جامعة الأزهر الشريف

المتحدثون في أمر التصوف أنواع:

1- الذين ينكرون أصل التصوف ولا يقرون بفضل لأحدهم لا قديما ولا حديثا.
2- يقرون بفضل الأقدمين وينكرون كل فضل للمتأخرين.
3- يقبلون كل ما يقال باسم التصوف حسنا كان أو قبيحا.
وكل هؤلاء على خطأ وضيق أفق.

يظن الكثيرون أن شيوخ التصوف لا ينكرون أي شيء يقع ممن تزيا بزي الصوفية، فشيوخ التصوف -من وجهة نظرهم- يقبلون حماقة الراقصين الزمارين، وسفاهة المنحرفين تاركي الفرائض، والطائفين على النسوان والمردان…

وهذا جهل فاضح بالتصوف منهجا ورجالا.

المصيبة الكبيرة أن كثيرا من المتصوفة اليوم يرون أي انتقاد للمنتسبين للصوفية (زورا وبهتانا) طعنا في التصوف نفسه!

لذلك نقدّم هذه المادة البسيطة (للمتصوفة ومخالفيهم)، حتى يعلموا أن شيوخ التصوف الحق لا يبررون الخطأ، بل يصححون ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

ونبدأ بإنكار الإمام الكبير/ القشيري، والذي انتقل إلى جوار ربه منذ ما يقرب من الألف عام.

يقول الإمام القشيري في مقدمة رسالته الماتعة: “فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده، بعد رسله وأنبيائه، صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره.

فهم الغياث للخلق، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق.
صفاهم من كدورات البشرية، ورقاهم إلى محال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية. ووفقهم للقيام بآداب العبودية، وأشهد مجاري أحكام الربوبية.

فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات تكليف، وتحققوا بما منه سبحانه لهم من التقليب والتصريف.

ثم رجعوا إلى الله، -سبحانه وتعالى-، بصدق الافتقار، ونعت الانكسار، ولم يتكلوا على ما حصل منهم من الأعمال، أو صفا لهم من الأحوال. علماً منهم بأنه جل وعلا يفعل ما يريد، ويختار من يشاء من العبيد. لا يحكم عليه خلق. ولا يتوجه عليه مخلوق حق، ثوابه: ابتداء فضل. وعذابه: حكم بعدل. وأمره قضاء فصل.

ثم اعلموا، رحمكم الله، أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا من هذه الطائفة إلا أثرهم، كما قيل:

أما الخيام فإنها كخيامهم … وأرى نساء الحي غير نسائها
حصلت الفترة في هذه الطريقة..، لا، بل اندرست الطريقة بالحقيقة: مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء، وقل الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع وطوى بساطه، واشتد الطمع وقوى رباطه.

وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام. ودانوا بترك الاحترام.

وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا في ميدان الغفلات وركنوا إلى انباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة، والنسوان، وأصحاب السلطان.

ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحروا من رق الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال وأنهم قائمون بالحق، تجري عليهم أحكامه، وهم محو، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكامه للبشرية. وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا، بل صرفوا.

ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوّحت ببعضه من هذه القصة وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار، غيرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء، أو يجد مخالف لثلبهم مساغاً، إذ البلوى في هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين لعيها شديدة.

ولما كنت أؤمل من مادة هذه الفترة أن تنحسم، ولعل الله سبحانه يجود بلطفه في التنبيه لمن حاد عن السنة المثلى في تضييع آداب هذه الطريقة.

ولما أبى الوقت إلا استصعاباً. وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تمادياً فيما اعتادوه واغتراراً بما ارتادوه.

أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده. وعلى هذا النحو سار سلفه.

فعلقت هذه الرسالة إليكم، أكرمكم الله. وذكرت فيها بعض سير شيوخ هذه الطريقة في آدابهم، وأخلاقهم، ومعاملاتهم، وعقائدهم بقلوبهم، وما أشاروا إليه من مواجيدهم، وكيفية ترقيهم من بدايتهم إلى نهايتهم؛ لتكون لمريدي هذه الطريقة قوة، ومنكم لي بتصحيح شهادة، ولي في نشر هذه الشكوى سلوة، ومن الكريم فضلاً ومثوبة وأستعين بالله سبحانه فيما أذكره؛ وأستكفيه؛ وأستعصمه من الخطأ فيه، وأستغفره وأستعينه. وهو بالفضل جدير، وعلى ما يشاء قدير”. (الرسالة القشيرية ج1 ص17 فما بعدها، ط: دار المعارف القاهرة).

ف شيوخ التصوف لم يبيحوا لمريديهم البدع أو الانحراف، بل نصحوا لله ورسوله.

وهل يتحمل الإسلام (الكتاب والسنة) تبعة بعض المنحرفين من المنتسبين إليه؟