بقلم : جيهان عبد العزيز بدر ( الشهيرة بسما الشاطبي ) الواعظة المعتمدة بوزارة الأوقاف
كيف يقتات النرجسي على من حوله؟
الشخص النرجسي ليس ظاهرة عابرة ولا وصفا نظريا يروى بل هو حضور يتكرر في تفاصيل الحياة اليومية في العمل وفي الطرقات وفي دوائر التعامل هو إنسان يقف أمام مرآة ذاته طويلا حتى يتوهم أنه الصورة الأكمل والأجمل بينما يقيم في داخله يقين خفي بضعفه ونقصه فيسعى إلى ستر هذا العطب بلباس زائف من العظمة والتعالي يتكلم بلهجة الواثق ويظهر في هيئة المكتمل غير أن أعماقه تضج بصوت آخر يذكره بما يهرب منه هو شخصية مؤذية تقتات على طاقة من حولها لا يقترب ليحتوي بل ليستهلك
يرى نجاح الآخرين تهديدا لوجوده فينقلب إعجابه المفقود إلى رغبة خفية في الهدم يحاول أن يطفئ نور كل من يسبقه خطوة أو يعلو عليه قدرا يدخل سباقات لم يدعه إليها أحد ويخاصم أناسا لم يختاروا خصومته كأنه في صراع دائم مع ظلاله التي يسقطها على غيره
ومن أخطر ما فيه أنه لا يرى خطأه ولا يعترف بخلله ، يرفض النصيحة لأنه يظن نفسه معيارا للصواب ، وإذا واجهته بالحقيقة قلبها عليك حتى تشك في نفسك وتظن أنك موطن الخلل فيجيد تشويه الموازين ليبقى في موضع التفوق الذي تخيله والتعامل معه يحتاج بصيرة لا اندفاعا ، فهمه بداية والابتعاد عنه وقاية وليس ضعفا وتجاهل استفزازه يسلبه وقود تأثيره لأنه يعيش على ردود الأفعال فإذا لم يجد ما يقتات عليه خفت حضوره وانكشف زيفه ، ومع ذلك فإن إيقاظ ما تبقى من خير في داخله ليس مستحيلا فإذا صدر منه فعل حسن ولو يسير فالكلمة الطيبة قد تلامس موضعا غافلا من قلبه فربما استيقظ فيه معنى كان مطموسا والتغافل حكمة رفيعة لا عجز أن تمضي دون أن تقف عند كل إساءة هو لون من سعة الصدر ورفعة النفس فليس كل ما يقال يستحق جوابا وليس كل ما يحدث يستحق وقوفا أما في ميادين التربية فإن البذرة تبدأ من الصغر حيث ينبغي غرس التوازن بين الثقة والتواضع وملاحظة البوادر الأولى لهذه الصفات ثم تقويمها بحكمة واستعانة بأهل الخبرة حتى لا يتحول الطفل إلى صورة مؤذية لنفسه ولغيره حين يكبر وفي ختام الأمر فإن الهداية بيد الله فليس كل من ضل يرجع وليس كل من اعوج يستقيم فمن عجزت معه الوسائل فالدعاء له أولى من استنزاف النفس في مقاومته وتبقى السلامة في حفظ الذات والثبات على الطريق فامض في دربك بثبات ولا تلتفت إلى من يحاول أن يجذبك إلى الخلف فإن الذي يعرقل خطاك لا يملك قوة حقيقية بقدر ما يستمد حضوره من استجابتك له فإذا وعيت ذلك مضيت حرا محفوظا لا يملك أحد أن ينتقص من نورك ولا أن يوقف مسيرك