خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بعنوان :(النَّجَاةُ مِنَ الْفِتَنِ  ) للدكتور : مُحَمَّد حِرْز


خُطْبَةُ الجُمُعَةِ  بعنوان : (النَّجَاةُ مِنَ الْفِتَنِ  )
للدكتور : مُحَمَّد حِرْز

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
alnaga men alfetn

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِطَاعَتِهِ، وَصَدَّ مَنْ شَاءَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَلَّ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى، وَحَذَّرَ مِنْ طَرِيقِ الرَّدَى، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، تَدَرَّعُوا بِهَا فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ وَالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فَبِهَا تُدْفَعُ الْمِحَنُ وَالْبَلَايَا وَالْفِتَنُ وَالرَّزَايَا؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. عِبَادَ اللَّهِ: ((النَّجَاةُ مِنَ الْفِتَنِ (())عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

  • أَوَّلًا: الْفِتَنُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِتَنُ؟!

  • ثَانِيًا: ٱلْعَوَاصِمُ مِنَ الْفِتَنِ، عِبَادَ اللهِ!!!

  • ثالِثًا وَأَخِيرًا: وإِنّ من سَبِيل النَّجَاةِ مِنَ الفِتَنِ!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ النَّجَاةِ مِنَ الْفِتَنِ خَاصَّةً، وَلَقَدْ كَثُرَتِ الْفِتَنُ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَأَصْبَحَ الْمُسْلِمُ يَرَى الْفِتَنَ بِكُرَّةٍ وَعَشِيًّا، وَحَلَّ مِنَ الْبَلَايَا وَالْمِحَنِ وَالنَّوَازِلِ وَالْخُطُوبِ الْجِسَامِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِسَبَبِ مَا آلَ إِلَيْهِ حَالُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ضِيَاعٍ وَتَشَتُّتٍ، وَبُعْدِهِمْ عَنْ مَنْهَجِ الْإِسْلَامِ، وَتَفَشِّي الْمُنْكَرَاتِ بَيْنَهُمْ؛ فَتَسَلَّطَتْ عَلَيْهِمُ الْأُمَمُ الْكَافِرَةُ، وَاسْتَبَاحَتْ بَيْضَتَهُمْ، وَخَاصَّةً نَحْنُ الآنَ نَعِيشُ وَاقِعًا مَلِيئًا بِفِتَنٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، فِتَنُ الْقَتْلِ وَالْهَرْجِ، وَفِتَنُ الْفَضَائِيَّاتِ وَالْإِعْلَامِ الْمُضَلِّلِ، وَفِتَنُ الْإِنْتَرْنِتِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَفِتَنُ الشَّائِعَاتِ وَالانْفِتَاحِ عَلَى الْعَالَمِ، وَفِتَنُ الدُّعَاةِ الْمُضَلِّينَ، وَفِتَنُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، خَاصَّةً، وَالْفِتَنُ عِبَادَ اللَّهِ، لَا تَطِيبُ مَعَهَا حَيَاةٌ، وَلَا يَصْفُو مَعَهَا عَيْشٌ، تُذْهِلُ لَهَا الْعُقُولُ، وَتَضِيقُ بِهَا الصُّدُورُ، وَتَزِلُّ فِيهَا الْأَقْدَامُ. فَمَا الْمَخْرَجُ – يَا تَرَى – مِنْ هَذِهِ الْفِتَنِ الَّتِي نَرَاهَا وَنَسْمَعُ بِهَا مِنْ حَوْلِنَا؛ وَلَرُبَّمَا بُلِينَا بِبَعْضِهَا؟!

  • أَوَّلًا: الْفِتَنُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِتَنُ؟!

أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخِيَارُ: الْفِتْنَةُ مَا يُمْتَحَنُ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي دِينِهِ، وَعَقْلِهِ، وَنَفْسِهِ، وَمَالِهِ، وَوَلَدِهِ، وَعَرْضِهِ، وَهِيَ مِحْكٌ لِقُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَصِدْقِ التَّقْوَى، وَجَوْهَرِ الصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ. قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البَقَرَة: 155].

وَالفِتْنَةُ يَا عِبادَ اللهِ، كَلِمَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، تُطْلَقُ عَلَى مَعانٍ كَثِيرَةٍ، أَعْظَمُها الشِّرْكُ بِاللهِ. قالَ تَعالَى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ ﴾.وَتُطْلَقُ  عَلَى الابْتِلاءِ وَالامْتِحانِ، قالَ تَعالَى: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً ﴾. وَتَقَعُ عَلَى الْمَصائِبِ وَالعُقُوبَاتِ، قَالَ تَعالَى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوْا مِنْكُمْ خَاصَّة ﴾، أَيْ أَنَّها تَعُمُّ وَلَا تَخُصُّ الظالِمِينَ فَقَطْ، وَيَدْخُلُ فِي ذلكَ مَا يَجْرِي فِي بِلَادِ الإسلامِ، مِنْ فِتَنٍ تَتَعَلَّقُ بِأَمْنِها واجْتِماعِهَا، وَتَخْتَلِفُ فِيها الآرَاءُ وَتَطِيشُ مَعَها العُقُولُ، وَتَنْتَشِرُ بِسَبَبِها الْمَخَاوِفُ، وَتُسْفَكُ بِسَبَبِها الدِّماءُ.
وَمِثْلُ هذِهِ الفِتَنُ حَرَكَتُها سَرِيعَةٌ، وَيَغْتَرُّ بِها الكَثِيرُ، لِأَنَّ الإنسانَ مِنْ طَبْعِهِ الاسْتِعْجالُ فِي الحُكْمِ وَعَدَمُ التَّرَوِّي. لِذا نَجِدُ الشارِعَ الحَكِيمَ يِأْمُرُنَا دَائِمًا بِاجْتِنَابِها وَعَدَمِ اسْتِشْرافِها أَوْ التَّصَدِّي لَها. يَقُولُ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: ( سَتَكُونُ فِتَنٌ، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِن القائِمِ، وَالقائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِن الْماشِي، والْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِن الساعِي، مَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ ). وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ( مَنْ يُشْرِفْ لَها تَسْتَشْرِفْهُ )، أَيْ: مَنْ يَتَعَرَّضُ لَهَا، أَوْ يَتَصَدَّى لَها، وَيَخُوضُ فِيها، فَإِنَّها تُقَابِلُهُ بِشَرِّها وَقَدْ تُهْلِكُهُ، وَأَنَّ مَنْ يُعْرِضُ عَنْها تُعْرِضُ عَنْهُ.

وَالْفِتَنُ ذَا تَلَاطَمَ مَوْجُهَا، وَغَشِيَتْ كَقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، عِنْدَهَا تَضْطَرِبُ الْأَفْهَامُ، وَتَزِلُّ الْأَقْدَامُ، وَتَخْتِلُّ الْمَوَازِينُ؛ فَإِذَا بِدِهْمَاءَ النَّاسِ يَسِيرُونَ خَلْفَ كُلِّ نَاعِقٍ، وَيَهْتِفُونَ لِكُلِّ صَائِحٍ، يُرَدِّدُونَ بِلَا وَعْيٍ، وَيَتَعَجَّلُونَ بِلَا رُوِيَّةٍ، حَتَّى قَالَ حُذَيْفَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “تَكُونُ فِتْنَةٌ تَمُوجُ فِيهَا عُقُولُ الرِّجَالِ، حَتَّى مَا تَكَادُ تَرَى رَجُلًا عَاقِلًا”.

وَالْفِتَنُ لَيْسَتْ كُلُّهَا ظَاهِرَةً، بَلْ مِنْهَا مَا هُوَ ظَاهِرٌ كَالْحُرُوبِ وَالْقَتْلِ وَالدَّمَارِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَتِرٌ كَالشُّكُوكِ وَالشُّبُهَاتِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ نَفْسِيٌّ كَالْحَسَدِ وَالْغُرُورِ وَالْهَوَى، وَمِنْهَا مَا هُوَ اجْتِمَاعِيٌّ كَالْفَسَادِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ. فَقَدْ يُفْتَنُ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: 15].وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ” رواه الترمذي ومِنَ الفتنِ، مَا يبثُ عَبرَ الوسائلِ المُعاصرةِ مِنْ عَرضٍ سَاقِطٍ، ومحتوىً مَاجِنٍ، وأفكَارٍ مُنحرِفَةٍ، وتزيينٍ للفاحِشَةَ، وإغرَاءٍ بالعَداوةِ والبغضاءِ، تستهدِفُ منظومَةَ القِيمِ والأخْلاقِ، وصرعَاهَا الدهمَاءُ والأغرارُ.

وَإِنَّ مِنَ الْفِتَنِ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُتَّبَعُ فِيهِ الْعَالِمُ، وَلَا يُسْتَحْيَى فِيهِ مِنَ الْحَلِيمِ، وَلَا يُوَقَّرُ الْكَبِيرُ، وَلَا يُرْحَمُ الصَّغِيرُ. زَمَانٌ تَنْتَكِسُ فِيهِ الْفِطَرُ، وَتَخْتِلُّ فِيهِ الْمَوَازِينُ؛ فَيُصْبِحُ الْمَعْرُوفُ مِنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، وَيُخَوَنُ فِيهِ الْأَمِينُ، وَيُكَذَّبُ الصَّادِقُ، وَتَشْتَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِ غُرْبَتُهُ فِي دِينِهِ بَيْنَ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ وَفِي مُجْتَمَعِهِ وَأُمَّتِهِ.

فِتَنٌ يَكْثُرُ فِيهَا الْهَرَجُ وَالْمَرَجُ، يَكْثُرُ فِيهَا الْقَتْلُ بِحَقٍّ وَبِغَيْرِ حَقٍّ، وَفِي هَذَا يَقُولُ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ”، فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: “الْهَرَجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ” رواه مسلم. وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ وَيُنذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ شَدِيدٌ وَأُمُورٌ تُنْكَرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتَنٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مَهْلَكَتِي! ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ! هَذِهِ! فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهْ مِنِيتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلِيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ”.

فَنَحْنُ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْفِتَنُ، وَمَا هِيَ إِلَّا مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَنْ يُسَلَّطَ بَعْضُ الْأُمَّةِ عَلَى بَعْضٍ، وَيَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَسِيلَ الدِّمَاءُ، وَتُنْتَهَكَ الْحَرَمَاتُ، وَتُسْلَبُ الْأَمْوَالُ، وَفِي هَذَا يَقُولُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَلَّا يَهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَّةِ فَأَعْطَانِيها، وَسَأَلْتُهُ أَلَّا يَهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيها، وَسَأَلْتُهُ أَلَّا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيها”، وَفِي رِوَايَةٍ: “حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَهْلِكُ بَعْضًا، وَيُسْبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا”. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرَجَ”، قَالُوا: وَمَا الْهَرَجُ؟ قَالَ: “الْقَتْلُ، إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، حَتَّى يُقْتَلَ الرَّجُلُ جَارُهُ وَأُخُوهُ وَعَمُّهُ وَابْنُ عَمِّهِ”، قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟! قَالَ: “إِنَّهُ لِتُنْزَعَ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَيُخْلَفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ، يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ” رواه أحمد. فَكَثْرَةُ الْفِتَنِ وَظُهُورُهَا مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ، فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَقِلُّ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَتَكْثُرُ – أَوْ قَالَ: تَظْهَرُ – الْفِتَنُ».

وَالْفِتَنُ لَهَا أَسْبَابٌ مِنْهَا: ضَعْفُ الْإِيمَانِ، وَازْدِيَادُ الشَّرِّ بِمُرُورِ الزَّمَنِ مِنْ ذَهَابِ الصَّالِحِينَ، وَفَقْدِ الْعُلَمَاءِ، وَرَفْعِ الْعِلْمِ، وَظُهُورِ الْبَدَعِ)

وَلَمَّا شَكَا النَّاسُ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَا يَلِقُونَ مِنَ الْحَجَّاجِ، قَالَ: «اصْبِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقُوا رَبَّكُمْ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِعَظِيمِ خَطُورَةِ الْفِتَنِ، فَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا؛ فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «هَذِهِ الْآيَةُ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ بِهَا هُمْ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنَّهَا عَامَّةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَذِّرُ مِنَ الْفِتَنِ». وَلَقَدْ شَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحَاطَةَ الْفِتَنِ بِالنَّاسِ بِاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، فَقَالَ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي». فَقَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.

اللَّهُ جل وعلا جَعَلَ الدُّنيَا دَارَ ابتِلَاءٍ وَامتِحَانٍ، فَأَوجَدَ فِيهَا مَا يُنَاسِبُ تِلكَ الحِكمَةَ مِن الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ؛ لِيَتَبَيّنَ الصّادِقُ مِن الكَاذِبِ، وَيَمتَازَ الطَّيِّبُ مِن الخَبِيثِ، قَالَ تَعَالَى: الـم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبلِهِمْ فَلَيَعلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعلَمَنَّ الكَاذِبِين)فَالفِتَنُ تَفحَصُ حَقِيقَةَ العِبَادِ، وَتَكشِفُ الزَّائِفَ مِنَ النَّقِيِّ، فَيَضِلُّ بِهَا أَقوَامٌ وَيَهلِكُونَ، وَيَنجُو مِنهَا آخَرُونَ فَيَسعَدُونَ. وَلَقَد تَعَهّدَ إِبلِيسُ -لَعَنَهُ اللَّهُ- أَن يَسعَى فِي إِغوَاءِ بَنِي آدَمَ وَصَرفِهِم عَن دِينِهِم، فَبَدَأَ بِإِغوَاءِ أَبَوَينَا وَأَخرَجَهُمَا مِن الجَنَّةِ، ثُمَّ استَمَرَّ فِي إِغوَاءِ بَنِي آدَمَ هُوَ وَأَعوَانُهُ مِن شَيَاطِينِ الإِنسِ وَالجِنِّ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَحَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَلَقَد حَذّرَنَا اللَّهُ جَلّ وَعَلَا مِنهُ وَبَيّنَ لَنَا شِدّةَ عَدَاوَتِهِ، فَقَالَ: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخرَجَ أَبَوَيكُم مِنَ الجَنَّةِ، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُم عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدعُو حِزبَهُ لِيَكُونُوا مِن أَصحَابِ السَّعِيرِ إِنَّ إِبلِيسَ وَجُنُودَهُ وَأَعوَانَهُ يَسعَونَ جَاهِدِينَ لِإِغرَاقِ الإِنسَانِ فِي الفِتَنِ، وَسَلبِ مَا لَدَيهِ مِن الإِيمَانِ وَاليَقِينِ، فَتَارَةً يُلَبِّسُونَ عَلَيهِ دِينَهُ بِالشُّبُهَاتِ، وَتَارَةً يُزَيّنُونَ لَهُ الشَّهَوَاتِ، وَكِلَاهُمَا خَطِيرٌ؛ فَفِتَنُ الشُّبُهَاتِ تُفسِدُ عَقِيدَةَ المُسلِمِ وَأَصلَ إِيمَانِهِ وَتَصَوُّرَهُ لِلحَقّ، وَفِتَنُ الشّهَوَاتِ تُفسِدُ تَوَجُّهَهُ إِلَى الخَيرِ، وَرَغبَتَهُ فِي الطّاعَةِ، وَتَجعَلُهُ يُؤثِرُ الدُّنيَا عَلَى الأُخرَى، وَبَينَ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ تَآزُرٌ وَتَرَابُطٌ، فَكَمْ مِن شَهوَةٍ مُحَرّمَةٍ أُخرِجَت فِي قَالَبِ شُبهَةٍ فِكرِيّةٍ! وَكَم مِن شُبهَةٍ فِكرِيّةٍ لَم تُقبَل إِلَّا لِأَنَّهَا تُبِيحُ شَهوَةً خَفِيّةً! فَالمُسلِمُ مَا دَامَ عَلَى قَيدِ الحَيَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَأمَنُ عَلَى نَفسِهِ أَن يُفتَنَ فِي دِينِهِ. إِذْ كَيفَ يَأمَنُ المَرءُ عَلَى دِينِهِ وَخَلِيلُ اللَّهِ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ يَدعُو رَبَّهُ قَائِلًا: وَاجنُبنِي وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنَامَ؟
كَيفَ يَأمَنُ المَرءُ فِي زَمَانٍ يَرَى فِيهِ أَموَاجَ الفِتَنِ قَد أَحَاطَت بِهِ مِن كُلِّ صَوبٍ، وَنَشِطَ شَيَاطِينُ الإِنسِ وَالجِنِّ بِمَا لَم يَنشَطُوا بِهِ مِن قَبلُ، وَأَجلَبُوا بِخَيلِهِم وَرَجِلِهِم لِقَلبِ الفِطَرِ وَإِفسَادِ العُقُولِ وَوَأْدِ الغَيرَةِ، فَتَخَطَّفُوا النَّاسَ مِن الهُدَى إِلَى وَحلِ الإِلحَادِ وَالِانحِلَالِ وَالإِبَاحِيَّةِ؟ وَإِن أَخطَرَ مَا يَصِلُ إِلَيهِ الإِنسَانُ أَن يَتَشَبّعَ بِالفِتنَةِ، ثُمّ يَصِيرَ دَاعِيَةً إِلَيهَا، مُؤَثِّرًا فِي النّاسِ بِنَشرِهَا، فَيَصِيرَ حِينَئِذٍ مِن جُنُودِ إِبلِيسَ وَأَعوَانِهِ، وَيَنَالَهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيهِ مِن الإِثمِ مِثلُ آثَامِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن آثَامِهِم شَيئًا». وَقَد يَنشُرُ المَرءُ الفِتَنَ مِن حَيثُ لَا يَشعُرُ، كَمَن يَدعُو غَيرَهُ لِمُشَاهَدَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ، أَو يُزَيّنُ لَهُ سَمَاعَ المُحرّمِ، أَو يُعِيدُ نَشرَ صُورَةٍ أَو مَقطَعٍ فِيهِ فِتنَةٌ مُضِلَّةٌ، مِن فِتَنِ الشُّبُهَاتِ أَو الشَّهَوَاتِ، فَدَقِّقْ فِيمَا تَنشُرُ:

وَلَا تَكتُب بِخَطّكَ غَيرَ شَيءٍ … يَسُرُّكَ فِي القِيَامَةِ أَن تَرَاهُ

فَاحْذَرُوا أَيُّهَا الْعُقَلَاءُ: مِنَ الْفِتَنِ وَتَجَنَّبُوا مَوَاطِنَهَا وَأَهْلَهَا، وَلَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَاحْذَرُوا مِنْ مَوَاقِعِ الْفِتَنِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ، وَمَا يُبَثُّ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الْحَدِيثَةِ… فَإِنَّ فِيهَا فِتَنًا مَنْ سَلِمَ مِنْهَا فَقَدْ سَلِمَ، وَمَنْ نَجَا مِنَ الْفِتَنِ عُمُومًا فَقَدْ نَجَا وَتَحَقَّقَتْ لَهُ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»

  • ثَانِيًا: ٱلْعَوَاصِمُ مِنَ الْفِتَنِ، عِبَادَ اللهِ!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخِيَارُ: إِنَّ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُؤْمِنِ عِنْدَ تَتَابُعِ الْفِتَنِ أَنْ يَسْعَى فِي تَحْصِينِ نَفْسِهِ مِنْ مُضِلَّاتِهَا، وَلَا يَأْنَسْ بِأَصْحَابِهَا، وَلَا يَغْتَرَّ بِعِبَادَتِهِ وَصَلَاحِهِ، بَلْ يَدْعُو اللَّهَ دَوْمًا بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْفِتَنِ وَأَهْلِهَا، وَعَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَبْذُلَ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ. وَإِلَيْكُمْ بَعْضًا مِنَ الْأُمُورِ مَنْ فَعَلَهَا نَجَا مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ بَعْدَ حَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ:

أَوَّلًا: تَقْوَى اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَمُرَاقَبَتُهُ دَوْمًا فِيمَا نَأْتِي وَنَذَرُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطَّلَاقِ: 2]، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطَّلَاقِ: 4]، لَمَّا وَقَعَتْ بَعْضُ الْفِتَنِ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ أَتَى قَوْمٌ إِلَى طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَقَالُوا: لَقَدْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ فَبِمَ نَتَّقِيهَا؟ قَالَ: اتَّقُوهَا بِالتَّقْوَى، قَالُوا: أَجْمِلْ لَنَا التَّقْوَى؟ قَالَ: تَقْوَى اللَّهِ: هِيَ عَمَلٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ؛ رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ، وَتَرْكُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ؛ خَوْفًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.

ثَانِيًا: مِمَّا يُنْجِي مِنَ الْفِتَنِ أَنْ يَتَمَسَّكَ الْعَبْدُ وَيَعْتَصِمَ بِكِتَابِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَسُنَّةِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَهُمَا شِفَاءٌ لِأَمْرَاضِ الْأَبْدَانِ وَالْقُلُوبِ، وَدِرْعٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، عَلَى اخْتِلَافِهَا وَأَنْوَاعِهَا، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا؛ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ

وفي مَوعظةٍ نبويةٍ بليغةٍ ذَرَفتْ مِنهَا العيونُ ووجِلتْ منها القلوبُ، فقالَ الصحابةُ: كأنَّها موعظةُ مودعٍ فماذَا تعهدُ إلينا؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: «أُوصيكم بتقوى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ والسمعِ والطاعةِ، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، فإنه من يعِشْ مِنكُم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكُم بسنتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِينَ المهدِيِّينَ تمسّكوا بِهَا، وعَضّوا عليهَا بالنَّواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعَةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ». رَوَاهُ أبو دَاودَ وَالترمذِيُّ.

ثَالِثًا: مِمَّا يُنْجِي مِنَ الْفِتَنِ أَنْ يَلْزَمَ الْعَبْدُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ»، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِى، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِيى، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ»، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ: «نَعَمْ؛ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».

رابعًا :وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُنْجِي مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ هُوَ الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَسُؤَالُ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنَ الْفِتَنِ؛ فَالدُّعَاءُ جَامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَصَارِفٌ لِكُلِّ شَرٍّ، وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ لَا يَنْجُو فِيهِ إِلَّا مَنْ دَعَا دُعَاءَ الْغَرِيقِ»، فَاحْرِصُوا عَلَى الدُّعَاءِ وَتَحَرَّوْا أَوْقَاتَ الْإِجَابَةِ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ وَأَلِحُّوا عَلَيْهِ أَنْ يُجَنِّبَكُمْ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَنْ يُعِيذَكُمْ مِنَ الْفِتَنِ كُلِّهَا، فَإِنَّ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ أَعَاذَهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ وَنَادَاهُ أَعْطَاهُ سُؤْلَهُ، وَحَقَّقَ رَجَاهُ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ كَرِيمٌ لَا يُخَيِّبُ عَبْدًا دَعَاهُ، وَلَا يَرُدُّ عَبْدًا نَادَاهُ، فَهُوَ الْقَائِلُ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 186]. وَالْدُّعَاءُ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتَنِ، فَيَقُولُ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ». قَالُوا: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالنَّجَاةُ أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخِيَارُ:  فِي اعْتِزَالِ الْفِتَنِ وَأَهْلِهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ انْتَصَبَ إِلَيْهَا وَخَاضَ فِيهَا قَابَلَتْهُ بُشْرَهَا فَأَهْلَكَتْهُ وَصَرَعَتْهُ؛ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ مَنْهَجٌ نَبَوِيٌّ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالِاشْتِغَالُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَنْجَاةٌ مِنَ الْفِتَنِ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالْعِبَادَةُ فِي الْفِتْنَةِ وَاخْتِلَاطُ أُمُورِ النَّاسِ فَضْلُهَا عَظِيمٌ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرَجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَالنَّاسُ يَغْفَلُونَ عَنْهَا وَلَا يَتَفَرَّغُونَ لَهَا إِلَّا الْقَلِيلُ.

وَالْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ وَلُزُومُ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ حِصَانَةٌ مِنَ الْأَفْكَارِ الْهَدَّامَةِ، وَدَوْرُ الْأُسْرَةِ كَبِيرٌ فِي ذَلِكَ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالنَّجَاةُ مِنَ الْفِتَنِ: اجْتِنَابُ مَوَاقِعِهَا، وَمِنْ أَعْظَمِ مَوَاقِعِهَا: بَعْضُ الْقَنَوَاتِ الْفَضَائِيَّةِ الَّتِي تُؤَجِّجُ الْفِتَنَ، وَتُدْخِلُ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تَعْمَلُ عَلَى إِفْسَادِ الْعَقِيدَةِ؛ فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ لَا يُشَاهِدَهَا وَلَا يَذْهَبَ إِلَيْهَا. والبُعدُ عَن مَوَاضِعِ الفِتَنِ، كَمَا أَوصَانَا النَّبِيُّ ﷺ فِي فِتنَةِ الدَّجَّالِ، فَقَالَ: «مَن سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَليَنأَ عَنهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأتِيهِ وَهُوَ يَحسَبُ أَنَّهُ مُؤمِنٌ فَيَتبَعُهُ لِمَا يَبعَثُ بِهِ مِن الشُّبُهَاتِ». رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، فَهُوَ يَحسَبُ أَنّهُ بِإِيمَانِهِ فِي مَأمَنٍ مِن اتِّبَاعِ الدَّجّالِ، وَلَا يَخطُرُ بِبَالِهِ قَطُّ أَنَّهُ سَيَتبَعُهُ، لَكِنَّهُ يَتبَعُهُ بِسَبَبِ مَا يَبعَثُ بِهِ مِن الشُّبُهَاتِ، فَإِيّاكَ أَن تَغتَرّ فَتُفتَنَ، فَإِنَّ الشُبَهَ خَطّافَةٌ، وَالقُلُوبَ ضَعِيفَةٌ.

ومن أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنَ الْفِتَنِ: حِفْظُ اللِّسَانِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي فِتَنِ الشَّهَوَاتِ وَفِتَنِ الشُّبُهَاتِ؛ فَلَا يَكُونُ دَاعِيًا لَهَا، لَا بِلِسَانِهِ وَلَا بِقَلَمِهِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةً تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ، قَتْلَاهَا فِي النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ». أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْتِّرْمِذِيُّ. فلَا يَسْتَهِينَنَّ أَحَدٌ بِأَمْرِ اللِّسَانِ، فَإِنَّ شَأْنَهُ عَظِيمٌ وَخَطَرُهُ جَسِيمٌ، مَنْ أَمْسَكَهُ عَنِ الشَّرِّ سَلِمَ، وَمَنْ أَطْلَقَهُ فِي الْخَيْرِ غَنِمَ، رُفِعَ بِهِ أَقْوَامٌ، وَحُطَّ آخَرُونَ، وَنَجَا بِهِ أَقْوَامٌ وَهَلَكَ آخَرُونَ، فَأَمْسِكُوا أَلْسِنَتَكُمْ إِلَّا فِي الْخَيْرِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ [الانفطار: 10، 11]، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ))؛ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .

وَمِنْ أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنَ الْفِتَنِ: التَّثَبُّتُ وَالتَّأَنِّي، وَعَدَمُ الْعَجَلَةِ؛ فَإِنَّ الْأَنَاةَ مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَشْجِّ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ». فَالْوَاجِبُ: التَّأَنِّي وَالتَّثَبُّتُ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ، وَنَقْلِهَا وَالْحُكْمِ بِهَا. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسَارِعِينَ إِلَى نَشْرِ الْأَقْوَالِ وَإِذَاعَتِهَا قَبْلَ التَّثَبُّتِ وَالتحَقُّقِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». وَرَوَى عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».

أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاشْكُرُوهُ عَلَى النِّعَمِ وَالْعَطَايَا، وَاحْمَدُوهُ عَلَى مَا دَفَعَ عَنْكُمْ مِنَ النِّقَمِ وَالْبَلَايَا، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ حَوْلَكُمْ؛ فَكَمْ مِنْ وَطَنٍ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْكَلِمَةُ، وَانْحَلَّ عِقْدُ الْأَمْنِ، وَسَقَطَتْ هَيْبَةُ الْحُكْمِ؛ فَلَا إِمَامَ وَلَا جَمَاعَةً؛ فَتَقَاتَلَ أَهْلُهُ، وَتَمَزَّقَ شَمْلُهُ، فَصَارُوا أَحَادِيثَ.

وَأَلِحَّ عَلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ قَائِلًا: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعنَا بِمَا فِيهِمَا مِن الآيَاتِ وَالحِكمَةِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، فَيَا فَوزَ المُستَغفِرِينَ. الخطبة الثانية الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

  • ثالِثًا وَأَخِيرًا: وإِنّ من سَبِيل النَّجَاةِ مِنَ الفِتَنِ!!

أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخِيَارُ: وإِنّ من سَبِيل النَّجَاةِ مِنَ الفِتَنِ فَاستَمسِك بِهَا:

مِنهَا: الإِلحَاحُ عَلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ أَن يُعِيذَكَ مِن الفِتَنِ، فَإِنَّهُ لَا ثَبَاتَ لَكَ عَلَى الهِدَايَةِ إِلَّا بِتَثبِيتِ اللَّهِ لَكَ، وَاعلَمْ أَنَّكَ فِي زَمَنٍ لَا يَنجُو فِيهِ مِن الفِتَنِ إِلَّا مَن دَعَا اللَّهَ دُعَاءَ الغَرِيقِ، كَمَا قَالَ حُذَيفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، فَأَلِحَّ عَلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ قَائِلًا: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ.

وَمِنهَا: الِاستِعَاذَةُ بِاللَّهِ مِن شَرِّ شَيَاطِينِ الإِنسِ وَالجِنّ، وَأَعظَمُ استِعَاذَةٍ فِي ذَلِكَ سُورَةُ النَّاسِ: قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الوَسوَاسِ الخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ.

وَمِنهَا: مَعرِفَةُ عُقُوبَاتِ الفِتَنِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ: فَمَن عَلِمَ عُقُوبَةَ الكُفرِ وَالشِّركِ ابتَعَدَ عَنهُمَا، وَمَن عَلِمَ عُقُوبَةَ الفَوَاحِشِ وَالمُنكَرَاتِ فَرَّ مِنهُمَا، وَلِذَلِكَ يَقُولُ المُؤمِنُونَ لِلمُنَافِقِينَ يَومَ القِيَامَةِ: وَلَكِنَّكُم فَتَنتُم أَنفُسَكُم وَتَرَبَّصتُم وَارتَبتُم وَغَرَّتكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ * فَاليَومَ لَا يُؤخَذُ مِنكُم فِديَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَولَاكُم وَبِئسَ المَصِيرُ.

وَمِنهَا: استِحضَارُ الأَجرِ العَظِيمِ لِلثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ: فَكُلَّمَا زَادَت الفِتَنُ وَانتَشَرَت وَعَظُمَت ازدَادَ أَجرُ مَن ثَبَتَ عَلَى دِينِهِ وَابتَعَدَ عَنهَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِن وَرَائِكُم أَيَّامًا الصَّبرُ فِيهِنَّ مِثلُ القَبضِ عَلَى الجَمرِ، لِلعَامِلِ فِيهِنَّ مِثلُ أَجرِ خَمسِينَ رَجُلًا يَعمَلُونَ مِثلَ عَمَلِكُم»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَجرُ خَمسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَو مِنهُم؟ قَالَ: «بَل أَجرُ خَمسِينَ رَجُلًا مِنكُم». أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ. فَهَنِيئًا لِمَن ثَبَتَ عَلَى دِينِهِ رَغمَ الشُّبُهَاتِ وَالمُغرِيَاتِ.

وَمِنهَا: المُبَادَرَةُ بِعَمَلِ الصَّالِحَاتِ، وَالإِكثَارُ مِنهَا: فَإِنَّهَا عِصمَةٌ مِن الفِتَنِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَادِرُوا بِالأَعمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا وَيُمسِي كَافِرًا، أَو يُمسِي مُؤمِنًا وَيُصبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِن الدُّنيَا». أَخرَجَهُ مُسلِمٌ. فَمَا أَكْثَرَ الذينَ يَخُوضُونَ وَيتَكَلَّمُونَ في الفِتَنِ، ثَمَّ إذا انْتَهَتْ نَدِمُوا عَلَى ما قَالُوا، أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى جادَّةٍ. قال الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( الفِتْنَةُ إذا أَقْبَلَتْ عَرَفَها كُلُّ عالِمٍ، وإذا أَدْبَرَتْ عَرَفَها كُلُّ جاهِلٍ ).

ثُمّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى المَبعُوثِ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.