أعطر أهل مكة وأول سفير فيها

بقلم الأستاذ : حامد عمر

كان مصعب بن عمير أوّل من هاجر إلى المدينة، وأول سفير في الإسلام. اشتهر قبل الإسلام بجماله وارتدائه أفضل الملابس وأغلاها وتعطُّره بأجمل العطور، فعُرِف بـ”أعطر أهل مكة”، وكان من زينة شباب قريش، صارت قصته في الإسلام درسا من دروس السماء لبني البشر، ليتعلموا حياة الرجال مع مبادئهم، واستعلائهم على الدنيا بما فيها من متاع مبهر.

الصحابي الجليل مصعب بن عمير، ذكرته كثير من السِّيَر أنه كان أول سفير ومبعوث خاص لقائد الأمة ونبيها محمد -ﷺ-، وكان قبل إسلامه يتنعم بثروة ومال وفير، ويلبس الحرير، ويضع أطيب العطور، وكان المدلل عند والدَيْه، وسيم الخِلقة، كريم الأخلاق، لكنه ترك كل نعيم، وجاء بقلب مفتوح ونفس صادقة، ليدخل الإسلام، ويكون من أوائل المسلمين، ومن المحفظين لكتاب الله، وناشري الرسالة العظيمة.

من هو مصعب بن عمير؟

هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي، كنيته أبو عبد الله، وُلد في الجاهلية، كان شابًّا جميلاً عطراً، حسن الكسوة، وكان أبواه ينعمانه

أسلم ورسول الله – ﷺ- في دار الأرقم، وكتم إسلامه، خوفاً من أمّه، وكان يختلف إلى رسول الله – ﷺ- سرًّا، فبصر به عثمان بن طلحة العبدري، فأعلم أهله، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوساً إلى أن هاجر إلى الحبشة، رجع مع من هاجر إلى مكة ثانية، والتقى رسول الله -ﷺ-

كان مصعب بن عمير أوّل من هاجر إلى المدينة، وذلك أنَّ الأنصار كتبوا إلى رسول الله -ﷺ- أن ابعث لنا رجلاً يفقهنا في الدين ويقرئنا القرآن، فبعثه -ﷺ- إليهم. حينما قدم المدينة نزل على أسعد بن زرارة، وكان يأتي الأنصار في دُورهم أو قبائلهم فيدعوهم إلى الإسلام

أسلم على يده أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وبعث إليه عمرو بن الجموح بعد أن قدم المدينة ليسأله عن أمر الدين الجديد، فأجابه مصعب، وأسمعه صدر سورة يوسف، فأسلم على يده. خرج من المدينة مع السبعين الذين وافوا رسول الله -ﷺ- في العقبة الثانية، وأقام مع رسول الله -ﷺ- بمكة بقية ذي الحجّة ومحرّم وصفر. شهد بدراً وأحداً مع رسول اللّه -ﷺ-، وكان لواء الرسول -ﷺ- معه.

ماذا قالو عنه؟قال رسول اللّه – ﷺ- : “ما رأيت بمكة أحسن لمة، ولا أنعم نعمة، من مصعب بن عمير.

وقال سعد بن أبي وقاص: “كان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكة، وأجوده حلة مع أبويه، ثُمَّ لقد رأيته جهد في الإسلام جهداً شديداً، حتّى لقد رأيت جلده يسقط كما يسقط جلد الحية”.

وقال عنه البراء بن عازب: “أول المهاجرين مصعب بن عمير”.

و يقول خبّاب بن الأرت “هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل اله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله.. فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد. فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة.. فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله ﷺ: اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الأذخر” .

ووقف الرسول ﷺ عند مصعب بن عمير وقال : “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”، ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي كفن بها وقال “لقد رأيتك بمكة، وما بها أرق حلة، ولا أحسن لمّة منك. ثم هاأنتذا شعث الرأس في بردة” .

معلّم القرآن وحامل لواء المسلمين

قال ابن إسحاق: بعث رسول الله ﷺمصعب بن عمير رضي الله عنه مع النفر الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى يُفَقِّهُ أهلَها ويُقرئهم القرآن، فكان منزله على أسعد بن زرارة، وكان إنما يسمَّى بالمدينة المقرئ، يُقال: إنه أوَّل مَن جمع الجمعة بالمدينة، وأسلم على يده أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وهما سيِّدا قومهما، وكفى بذلك فخرًا وأثرًا في الإسلام اهـ.

وروى البخاري في صحيحه من حديث البراء رضي الله عنه، قال: أوَّل مَن قدم علينا مصعبُ بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانا يُقرئان الناس، فقدم بلال، وسعد، وعمارُ بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين مِن أصحاب النبي ﷺ، ثم قدم النبيُّ ﷺ، فما رأيتُ أهلَ المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ، حتى جعَل الإماءُ يقُلن: قدم رسول الله ﷺ، فما قدم حتى قرأت “سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى” (الأعلى- 1) .

مصعب بن عمير  من أعلام هذه الأمَّة، وبطل مِن أبطالها، صحابيٍّ جليل مِن أصحاب النبي ﷺ، كان من السابقين إلى الإسلام ممن شهد بدرًا وأُحُدًا، وكان حامل اللواء فيها، وممن هاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة، أسلَمَ على يديه *العشرات* ، وكان أوَّلَ سفير في الإسلام، ويقال: إنه أوَّلُ مَن صلَّى الجمعة في المدينة رضي الله عنه