
بقلم أ. هالة أشرف
أي جهد نبذله في تنمية شخصياتنا أو تهذيب أخلاقنا، لا ينبغي أن يكون رغبة في إثبات التفوق على غيرنا، بل ليصير حضورنا أخف على القلوب، وأقرب إلى نفوس من نعيش بينهم، وألطف مع من نتعامل معهم. فالوفاق ليس مجرد مبدأ عند السالك في الطريق الروحي، إنما هو سمة روحه وعلامة صفائه، وهذه الفضيلة ليست مما يُتعلم سريعًا أو يُمارَس بلا مشقة، فهي تحتاج إلى نية صافية وحكمة عميقة.
وكما أن موهبة الدبلوماسي الحاذق تكمن في قدرته على الوصول إلى نتائج مرغوبة بالاتفاق لا بالصدام، فإن الاختلاف سهل، تراه بين الكائنات الدنيا، أما الاتفاق فثمرة نادرة، لأنه يحتاج إلى سعة أفق، وهي العلامة الصادقة للروحانية الحقة. فالعين الضيقة لا ترى إلا القريب، وكذلك الفكر الضيق لا يتسع لرأي غير رأيه.
ومع ذلك، هناك نقطة التقاء دائمًا بين أي قلبين مهما اختلفت رؤاهما، لكنها قد تكون بعيدة، ولا يصل إليها إلا من صبر وأراد.
غير أن كثيرين يفضلون البقاء حيث هم، منتظرين أن يأتيهم الآخر إلى موقعهم، وكلُ يريد الآخر أن يتحرك نحوه. فيقول أحدهم: أراه خطأ، ولا أستطيع قبوله، وربما كان مخطئًا بالفعل، لكن ماذا جنى من رفضه؟ لو قدم رأيه بلطف وصبر، لربما تغير موقف صاحبه، أما إذا رفضه بعنف، فما حصد إلا جدارًا أعلى.
ولذلك، فإن مفتاح الوفاق أمران: الفهم والصبر. الفهم وحده إن لم يصاحبه صبر، يضيع أثره، والصبر وحده بلا فهم يصبح تضحية مُرهِقة لا ثمر لها. أما حين يفهم الإنسان، فإن صبره يصبح فضيلة، لأنه يعرف لماذا يصبر.
وبالطبع نجد أن هناك طرق للإقناع دون جرح أو صدام. فبعض النفوس إذا خالفتها في رأيها شعرت وكأنك أعلنت عداوتها، وأخرى تسألك بهدوء: ولِمَ ترى الأمر هكذا؟.
الفرق بين الطريقتين أن الأولى لا تتحمل النقاش و تضيق منه، والثانية واسعة الصدر. والقلب الكبير يفهم الجميع، أما القلب الضيق فلا يرى إلا نفسه. والشخص الروحاني قلبه يتسع لكل إنسان، لا يضيق بآراء الناس، ولا تهزه الكلمات القاسية، فهو كالبحر حين يُلقى فيه حجر لا يضطرب.
لكن ذلك لا يعني أنه يوافق على كل ما يسمع، بل يعرف كيف يصغي، وكيف يختار الوقت والطريقة ليقول ما يراه حقًا، وأحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلام، بل قد يكون التوجيه الصامت أعمق أثرًا من مئة كلمة. وهذا لا يتأتى إلا لمن صقلت التجارب شخصيته حتى صارت قوية ومرنة معًا. أما من لا يزال يتألم من كل كلمة، وينكسر عند كل نقد أو خلاف، لم تكتمل شخصيته بعد.
والنضج الذي أقصده يعني التماسك لا القسوة. يعني أن تشعر دون أن تنهار، و أن تتألم دون أن تفقد سلامك، و أن تبقى لطيفًا دون أن تُستغل. فالنضج توازن بين القلب والعقل: عقل حاضر لا يطغى، وقلب مفتوح لا يعطل الحكم.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف