فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
11 أبريل، 2026
منبر الدعاة

المقال الاول من سلسلة (الإحسان إلى اليتيم في ضوء سنة خاتم المرسلين)
بقلم أ . د / السيد احمد احمد سحلول
استاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر
إسلامنا أوصى باليتيم ونهى عن قهره وإذلاله وكسر خاطره ، وأكل ماله فقال تعالى مخاطبًا حبيبه صلى الله عليه وسلم الذي ولد يتيما فآواه ورعاه وذلل له قلب عمه أبي طالب فاحتواه بعطفه : (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) الضحي : 6 ، وقال تعالى : (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) الضحي : 9 ، أي لا تُسَلَّطْ عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك، وعن مجاهد : فلا تحتقر.
وقرأ النخعي والأشهب العقيلي” تكهر” بالكاف ، فعلى هذا يحتمل أن يكون نهيا عن قهره، بظلمه وأخذ ماله.
وخص اليتيم لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه. وقيل: القهر الغلبة. والكهر: الزجر.
ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبره والإحسان إليه، حتى قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضى الله عنه ـ أَنَّ رَجُلًا، شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: ” إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ “.
وعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ tأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ” مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ، وَمَنْ أَعْتَقَ امْرَا مُسْلِمًا، كَانَ فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِي لِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ “.
وقال أكثم بن صيفي: الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والمديون، واليتيم.
حقيقة اليتيم :
ـ اليُتْمُ الانفرادُ ، واليَتيم الفَرْدُ واليُتْمُ واليَتَمُ فِقْدانُ الأَب.
ـ واليُتْمُ في الناس من قِبَل الأَب ، وفي البهائم من قِبَل الأُم ، ولا يقال لمن فَقَد الأُمَّ من الناس يَتيمٌ ولكن منقطع.
قال ابن بري : اليَتيمُ الذي يموت أَبوه.
والعَجِيُّ الذي تموت أُمه.
واللَّطيم الذي يموتُ أَبَواه.
وقال ابن خَالَوَيْهِ : ينبغي أَن يكون اليُتْمُ في الطير من قِبَل الأَب والأُمِّ لأَنهما كِلَيْهِما يَزُقّانِ فِراخَهما.
واليَتيمُ الذي مات أَبوه فهو يَتيمٌ حتى يبلغَ فإِذا بلغ زال عنه اسمُ اليُتْم والجمع أَيتامٌ ويَتامى ويَتَمةٌ.
وأَصل اليُتْم الغفْلةُ .
وسمي اليَتِيمُ يَتِيمًا ؛ لأَنه يُتَغافَلُ عن بَرِّه .
و يقال للمرأة : يَتيمةٌ لا يزول عنها اسمُ اليُتْمِ أَبدًا ما لم تَتزوج فإِذا تَزوَّجت زال عنها اسمُ اليُتْم
وكانوا يُسَمُّون النبي صلى الله عليه وسلم وهو كبيرٌ يَتيمَ أَبي طالب ؛ لأَنه رَبَّاه بعد موتِ أَبيه.
ولادته صلى الله عليه وسلم يتيمًا ، والحكمة من ذلك:
كفى باليتم شرفًا أن ولد المصطفى المعصوم صلى الله عليه وسلم يتيمًا ، فهذا شرف لكل يتيم على وجه الأرض ، وتسلية له لئلا يجزن بل يسعد ؛ لأن خير خلق الله عز وجل ولد يتيمًا فَسَادَ العالم أجمع.
فقد مات والده ، وهو مازال جنينًا في بطن أمه ، وعقب ولادته تكفل به جده ، وسماه محمدًا .
فعن أبي الحكم التَّنُوخِيّ قال : كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة من قريش إلى الصبح فكفأن عليه برمة فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه عبد المطلب إلى نسوة يكفئن عليه برمة فلما أصبحن أتين فوجدن البرمة قد انفلقت عنه باثنتين فوجدنه مفتوح العينين شاخصاً ببصره إلى السماء فأتاهن عبد المطلب فقلن له : ما رأينا مولودا مثله وجدناه قد انفلقت عنه الْبُرْمَة ووجدناه مفتوحًا عينه شاخصا ببصره إلى السماء فقال احفظنه فإني أرجو أن يصيب خيرا فلما كان اليوم السابع ذبح عنه ودعا له قريشًا فلما أكلوا قالوا : يا عبد المطلب ما سميته قال : سميته محمدا قالوا : فما رغبت به عن أسماء أهل بيتك قال : أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب بن هاشم فِي كَلَاءَةِ اللّهِ وَحِفْظِهِ يُنْبِتُهُ اللّهُ نَبَاتًا حَسَنًا لما يريد به من كرامته فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب .
ولما بلغ صلى الله عليه وسلم ثماني سنين هلك عبد المطلب بن هاشم . وذلك بعد الفيل بثماني سنين.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب ، وكان عبد المطلب يوصي به عمه أبا طالب وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا طالب أخوان لأب وأم أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم
وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده فكان إليه ومعه.
الحكمة من يتمه صلى الله عليه وسلم :
لقد اختار الله عز وجل لنبيه هذه النشأة لحكم باهرة منها ما يلي :
1ـ أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة القلوب أو إيهام الناس بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم إنما رضع لبان دعوته ورسالته التى نادى بها منذ صباه بإرشاد وتوجيه من أبيه وجده ، وأن تتولاه عناية الله وحدها بعيدًا عن الذراع التى تمعن فى تدليله و المال الذى يزيد فى تنعيمه حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال و الجاه وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة و الزعامة فتلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا ، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول للثانى.
2ـ المحن التي أصابت النبي منذ طفولته كموت أمه ثم جده بعد أن حرم عطف الأب وذاق كأس الحزن مرة بعد مرة جعلته رقيق القلب مرهف الشعور، فالأحزان تصهر النفوس وتخلصها من أدران القسوة والكبر والغرور، وتجعلها أكثر رقة وتواضعًا.
3ـ أن يتأسى بمحمد صلى الله عليه وسلم كل من فقد والديه أو أحدهما وهو صغير.
4ـ كون أدبه وخلقه مع يتمه دليلًا على أن الله تعالى تولى رعايته وتأديبه .
5ـ أن ينشأ قوي الإرادة ماضي العزيمة غير معتمد على أحد في شؤونه .
6ـ ألا يكون لأبويه أي أثر في دعوته.