بين المقارنة والسرعة والفراغ : معاناة نفسية يعيشها الشباب بصمت


بقلم الكاتبة : أ . هالة أشرف 

بعد أن كان نادر الحدوث، أصبح الاضطراب النفسي حالة عامة يعيشها الشباب يوميًا هذه الأيام وإن اختلفت مظاهره من شخص لآخر.

و ذلك لأن الضغوط التي يواجهها الشباب في الوقت الحالي لم تعد واضحة أو محددة كما في السابق، بل أصبحت ضغوطًا ممتدة ومتداخلة تبدأ من توقعات المجتمع له من بداية المرحلة الثانوية و اختياره للكلية مرورًا باختيار العمل المناسب و رفيقة الحياه.

و للأسف لا تخلو حياه الشباب من المقارنة المستمرة مع الآخرين حيث تُعرض عليه حياة الآخرين في صور مثالية متكررة و خاصة على وسائل التواصل الإجتماعي حيث يرى الإنسان جوانب منتقاة من حياة الآخرين، فيظن أنها الصورة الكاملة، فيشعر بالنقص دون وعي، و هذا يدفعه ليعيش إيقاعًا أسرع من طبيعته أملًا في كسب رضا الآخرين و كسب احترامهم من الناحية الإجتماعية. و لكن بطبيعة الحال فإن هذا الإيقاع المتسارع و المُهلك يجلب له متاعب نفسية معقدة و يسلبه نعمة الرضا و راحة البال. وفي خضم هذا كله، قد يجد الشاب نفسه مثقلًا بمشاعر لا يستطيع تفسيرها كالقلق بلا سبب واضح، توتر دائم، أو حتى شعور داخلي بالفراغ أو الدونية.

وفي ظل هذه الحالة، يفقد كثير من الشباب القدرة على التواصل مع أنفسهم. و يصبح الشاب منشغلًا بما يجب أن يكون عليه، أكثر من كونه واعيًا بما هو عليه بالفعل. وهنا يبدأ الخلل الحقيقي؛ حين ينفصل الشاب عن ذاته، ويعيش وفق صورة مفروضة عليه، لا تعبر عن احتياجاته الحقيقية، فيجد نفسه يفعل ما لا يريد فقط من أجل المكانة الإجتماعية المقبولة.

و من الأخطاء الشائعة أيضًا، أن يُنظر إلى المشاعر الصعبة كالقلق أو الحزن أو الإحباط على أنها دليل ضعف في الإيمان أو خلل في الشخصية يجب التخلص منه فورًا.

فمن منا كامل إلا الله سبحانه و تعالى؟
في الحقيقة، هذه المشاعر قد تكون رسائل داخلية، تشير إلى أن هناك شيئًا ما يحتاج إلى انتباه أو تعديل. أما تجاهل هذه الرسائل أو كبتها لا يؤدي إلى اختفائها، بل إلى تراكمها في صور أكثر تعقيدًا.

الصحة النفسية لا تعني أن يكون الإنسان سعيدًا طوال الوقت ولا أن يعيش حياة خالية من التحديات، بل تعني امتلاكه قدرًا من التوازن الداخلي يمكنه من التعامل مع ما يمر به دون أن يفقد استقراره أو نظرته لنفسه.
كذلك نجد ضغط الإنجاز السريع حيث أصبح النجاح مرتبطًا بالسرعة، لا بالنضج أو التدرج، مما يخلق شعورًا دائمًا بالتأخر و الفشل والذي قد يمنع بدوره من خوض تجارب حقيقية فيبقون في دائرة التردد.

ما يمكن أن نطلق عليه (زمن الفتن) لا يقتصر فقط على معناه التقليدي و لكن غياب المساحات الآمنة و ترك الشاب لعقله دون توجيه أسري أو ديني لهو كارثة حقيقية تفضي للإنزلاق في هوة المعاصي، حيث لا يجد الشاب من يستمع إليه دون حكم أو نقد، فيلجأ إلى الصمت أو الانسحاب في أفضل الحالات أو إلى أصدقاء السوء مما يزيد الأمور تعقيدًا.

ومع تراكم هذه العوامل، قد يدخل الشاب في حالة من الاستنزاف النفسي، حيث يشعر بالتعب دون سبب واضح، ويفقد الحافز تدريجيًا، ويصبح القيام بالمهام اليومية عبئًا.

إلا أن استعادة التوازن النفسي لا تتطلب دائمًا تغييرات جذرية، بل تبدأ بخطوات بسيطة لكنها واعية:

أولًا: (إبطاء الإيقاع) فليس من الطبيعي أن يعيش الإنسان في حالة تسارع دائم و لا يجد لنفسه لحظة للتوقف و التفكير حتى اذا كان يمضي في الطريق الصحيح و إعادة ترتيب أفكاره.

ثانيًا: (تقبل المشاعر بدل مقاومتها) فالشعور بالحزن أو القلق لا يعني النهاية، بل يعني أن الإنسان حي ومتفاعل و المهم هو فهم هذه المشاعر و محاولة حلها حتى إذا وصل الأمر للجوء إلى المختصين لا الهروب منها.

ثالثًا: (تقليل المقارنة) فعلى الشباب اليوم إدراك أن ما يعرض على وسائل التواصل الإجتماعي اليوم هو نتاج الكثير من الزيف حتى يظهر الشخص في أفضل صورة ممكنة، و لا يجب الإعتماد على هذة الصوةر بحال لمقارنتها بوضع كل شاب.

رابعًا: (بناء علاقات داعمة) فوجود شخص واحد يمكن الحديث معه بصدق، دون خوف من الحكم يشكل فارقًا كبيرًا في الصحة النفسية.

خامسًا: (الاهتمام بالعبادات) و هو موضوع واسع مما لا شك فيه و يكفينا ذِكر فضل الإنتظام على الصلاة و التسبيح و الاستغفار و الدعاء، فعندما تهتم بعماد الدين و مخ العبادة، فإن استقامة الحياه أمر حتمي.

وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الهروب من الفتن أو الضغوط، بل في القدرة على التعايش معها دون أن يفقد الإنسان نفسه. فالعالم قد لا يصبح أكثر هدوءًا، لكن يمكن للإنسان أن يتعلم كيف يصنع داخله مساحة من الهدوء والثبات.