إنما الإنسانُ أثر
18 مارس، 2026
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم د. تاليا عراوي كاتبة وأخصائية في الأخلاقيات وعضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان
ما زالت تلك الإمساكية المحفورة في ذاكرتي تتجلى بوضوح: ورقةٌ بآياتٍ قرآنية ونقوشٍ إسلامية، معلقة بمغناطيسٍ صغير على باب ثلاجتنا الخضراء. في ذلك الزمن، كنت أظن أن السنة الهجرية (1404 هـ) المطبوعة عليها حقيقةٌ أزليةٌ لا تزول، وكنتُ أهرع إلى جدتي رحمها الله, أزفّ إليها الرقم بفخرٍ طفولي، وكأنني، بذاك الرقم، أحتفظ بسرٍّ من أسرار الوجود.
مرّت ثلاثة وأربعون عاماً، وكل شيءٍ تغير؛ الثلاجة الخضراء لم تعد موجودة، نمط الإمساكيات تبدّل، القلم الذي أشطب به الأيام صار مختلفاً، والأهم من ذلك أن الزمن قد طوى تلك الأيام ليعلن عن عامٍ آخر (1447 هـ). اليوم، بينما كنتُ أُسدل الستار على السابع والعشرين من رمضان على رزنامةِ عامنا هذا، تجمدتُ في مكاني أمام الورقة؛ لم يعد الأمر مجرد شطبٍ ليومٍ انقضى، بل كان إدراكاً مُزلزلاً؛ فلم يتبقَّ سوى أيامٍ معدودات.
يا لسرعة ما تتسرب أيامنا من بين أصابعنا، كما لو كانت رمالاً! إننا نستهلك زهرة عمرنا في صقل سيرنا الذاتية الدنيوية (CV)، نُزخرفها ونُكدس فيها الإنجازات، بينما ننسى -في غمرة الضجيج- أن نملأ ‘سيرتنا الذاتية للآخرة’ (AV – Afterlife Curriculum Vitae)؛ تلك الوثيقة الوحيدة التي ستُعرض في حضرة الخلود، والتي لا تُكتب بالحبر، بل بما تركته أرواحنا من أثرٍ ومن نور.
حقاً، الصيام هو أيامٌ معدودات.. لكن الحياة بحد ذاتها هي أيضاً أيامٌ معدودات.
ومع ذلك، يبدو أننا نغض الطرف عن هذا الحقيقة الواضحة، ونحاول بكل ما أوتينا من قوةٍ أن نتحايل على فناء الوقت. نحن نعيش في حضارةٍ تدفن موتاها بضجيجٍ، وتغلق خلفهم الأبواب لتمارس إنكاراً جماعياً كأن الموت مجرد خللٍ تقني في آلةٍ صُممت للخلود.
إننا نقف اليوم أمام حقيقة أن هذه الحياة، في جوهرها، رحلةٌ قصيرةٌ لا تملك في حد ذاتها ديمومة؛ فهي ممرٌ عابرٌ ومحطةٌ للارتحال لا للوطن. نحن فيها مجرد زوارٍ نمرُّ عبر الزمن، نحمل في جعبتنا ما قدمناه من أثر، ونترك خلفنا كل ما راكمناه من مادة، إذ لا نأخذ معنا ألقاباً ولا كنوزاً، بل نرحل خفافاً كما جئنا. وفي هذا السياق التأملي، تبرز حقيقةٌ وجوديةٌ تختزل غموض الوجود في بساطةٍ قاسية؛ إذ يقول فرانز كافكا: “معنى الحياة هو أنها تتوقف”.
وفي هذه الكلمات، ينهار غموض الوجود في بساطةٍ وحشية؛ فالموت هو الذي يمنح المعنى لكل ما يسبقه. ولو كانت الحياة أبدية، لما كان لأي شيءٍ قيمة، لأن الزمن اللانهائي كان سيذيب الإلحاح والغاية والجمال. إن الفناء ينحت شكلاً لأيامنا، ويعلمنا قدسية “الآن”؛ فنحن نحب لأن الوقت ينفد، ونبدع لأن الفناء حتمي.
الموت ليس عدو الحياة، بل هو إطارها، والتباين الذي يجعل الصورة مرئية. وفلسفة كافكا هنا ليست عدماً، بل هي وضوح؛ فقيمة الحياة تكمن في فنائها. أن تعيش بملء إرادتك يعني أن تعيش مع إدراك أن الحياة تنتهي، ومع ذلك تختار الدهشة بدلاً من اليأس.
ومع هذا الإدراك، لقد سقطنا نحن في فخ الغرور، لا لأننا جهلاء، بل لأننا امتلكنا من المعرفة ما جعلنا نظن أننا أسياد الوجود، بينما الحقيقة أننا كائناتٌ محكومٌ عليها بالحرية، نتحمل وزر كل فعلٍ نرتكبه في عالمٍ يتسارع نحو العدم. إن فكرة أننا صرنا فريسة للغرور هي بالضبط لأننا فقدنا معنى الحياة، فغرقنا في حب المال والسلطة، وضاعت الرؤية الداخلية لما يعنيه أن تكون إنساناً، وأن تكون خليفة، حتى فقد هذا المفهوم مكانته في حياتنا.
إن العالم اليوم يتخبط في سيلٍ جارفٍ من الفواجع؛ فإذا لم تكن بظلال الوباء التي لا تزال تلاحقنا، فهو دوي المدافع وعناوين النزاعات الصارخة التي تبدو وكأنها تسم هذه السنوات بحدة أكبر من أي وقت مضى. نحن نعيش في حقبة لم يعد فيها الموت مجرد مأساة خاصة وبعيدة، بل أصبح الخلفية المظلمة التي لا يمكن إنكارها لوجودنا؛ ومع ذلك، وبالرغم من أن الحقيقة المطلقة تحاصرنا، إلا أننا لم نتعلم شيئاً؛ فنحن لا نرى الموت كجزءٍ أصيلٍ من إيقاع الحياة، بل نتعامل معه كخللٍ طارئٍ يجب إصلاحه. هذا الانفصال عن الواقع هو بالضبط ما يجسد فشلنا في فهم جوهر أمانة الاستخلاف.
إن واقع الموت الذي يحيط بنا اليوم ليس مجرد رقمٍ يمر في نشرات الأخبار، بل هو جرحٌ غائرٌ في جسد الإنسانية يرفض الالتئام. إن المشاهد القادمة من غزة ولبنان، وأصداء الحروب الممتدة في أرجاء العالم، قد نزعت عن الموت صفة النهاية الطبيعية وحولته إلى صناعةٍ منظمةٍ تلتهم الأرواح بالجملة.
لقد أصبحت الشاشات تنقل لنا الموت المباشر، لا كحدثٍ عابر، بل كخلفيةٍ يوميةٍ اعتدنا عليها لدرجةٍ مرعبة، حيث تمحى أحياءٌ كاملة، وتُطوى عائلاتٌ من سجلات الحياة في طرفة عين، وكأن الوجود البشري أصبح رخيصاً أمام طغيان القوة. في غزة، حيث تحول الموت إلى حالةٍ من الحصارِ المطلق، لم يعد الفناء مجرد غارةٍ أو قذيفة، بل أصبح رحلةَ بحثٍ يائسة عن رغيف خبزٍ أو شربةِ ماءٍ تحت ركام المنازل التي كانت يوماً مسكناً للذكريات.
أما في لبنان، فقد عادت ذكريات النزوح والدمار لتطرق أبواب البيوت الآمنة، حيث تحولت القرى والمدن إلى ساحاتٍ للموت غير المنتظر، ليرى الإنسان كيف تتبخر أحلامه وتطلعاته في لحظة قصفٍ لا تفرق بين طفلٍ وشيخ. هذه الحروب ليست مجرد صراعاتٍ على أرضٍ أو حدود، بل هي كشفٌ لهشاشةِ المنظومة الأخلاقية العالمية التي تقفُ متفرجةً على إبادة الأحلام وتجفيف منابع الحياة، حيث يُمارس الموتُ دور الواعظ القاسي الذي لا يستمع إليه أحد، لأن الغطرسة المعاصرة التي تسيطر على صناع القرار قد أصمت آذانهم عن سماع نداءِ الضحايا.
“إن هذا الموت الممنهج الذي نشهده اليوم، في جغرافيا الألم الممتدة من غزة ولبنان إلى دمار السودان وحصار اليمن، يضعنا أمام مسؤوليةٍ وجوديةٍ ثقيلة؛ فنحن نشاهد كيف تُستباح قدسية الحياة وكيف يُسحق الإنسانُ تحت عجلات المصالح السياسية الغاشمة. في خضم هذه المظالم، تستحضر أرواحنا حكمة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، الذي لم يكتفِ بكونه حاكماً،بل كان واعياً بحدود سلطته؛ فقد نقش على خاتمه عبارة ‘كفى بالموت واعظاً’.
لم تكن هذه النقوش مجرد زينةٍ حول إصبعه، بل كانت مرآةً يوميةً ينظر إليها في قمة مجده ليذكّر نفسه بأن القوة مهما تعاظمت، والسطوة مهما امتدت، فهي زائلةٌ أمام حتمية اللقاء بالله. لقد كان عمر يرى في الموت معلماً يكبحه عن الطغيان، وواعظاً يذكره أن الولاية أمانة لا امتياز، وأن المحاسبة قادمة لا محالة. اليوم، تتحول هذه الحكمة من مجرد مقولةٍ تاريخيةٍ محفورةٍ على خاتم، إلى صرخةٍ احتجاجيةٍ مدويةٍ في وجه كل من يتوهم أن القوة، أو الأسلحة، أو حصانة السياسة يمكن أن تمنحه الخلود أو الحصانة من القدر.
إن الدمار الذي يطال الأبرياء في غزة ولبنان والسودان واليمن، وما يعانيه الإنسان في كل بقاع الصراع، لا يمثل مجرد نهايةٍ لحياةٍ بريئة، بل هو شاهدٌ على سقوطِ الإنسانية المدوي في امتحانِ الاستخلاف؛ فنحن أمةٌ أُسست لتكون شاهدةً على الحق وإقامة العدل، لكننا نعيش في زمنٍ صار فيه الموت هو الشاهد الوحيد على عجزنا وتفكك قيمنا أمام هذه الوحشية.
إن الألم الذي يمزق القلوب في هذه الأوطان المكلومة ليس مجرد وجعٍ عابر، بل هو تذكيرٌ أبديٌ بأننا لسنا في مأمنٍ من المحاسبة، وبأن كل صمتٍ أمام هذه المجازر هو اختيارٌ طوعيٌ للوقوف في الجانب المظلم من التاريخ؛ حيث لا صوت يعلو فوق صوتِ الرصاص، ولا حقيقةَ تبقى في هذا العالم الزائل سوى حقيقةَ الفناء الذي يلاحق الجميع دون استثناء، مذكراً إيانا بأن خاتم عمر لم ينقش عبارته ليقرأها الناس، بل لينقشها على قلبه أولاً، وهو الدرس الذي نسيه عالمنا المعاصر، فاستبدل زهد الفاروق وعدله بغطرسة القوة ونسيان مآلات التاريخ.
فقد توهمنا أن تراكم المعرفة سيقودنا إلى ذروة التواضع، لكن الواقع أثبت أن اتساع العلم زاد من وهم الألوهية المصغرة فينا؛ فكلما زادت أدواتنا وعلت سيطرتنا تضخم فينا غرور أنسانا مقامنا كأمة مستخلفة، حتى صرنا نرى في كل إنجاز مادي انتصاراً على الفناء، لا أداة للوفاء بالأمانة.
نحن نشهد حالياً مفارقة عصرية غريبة؛ فالموت في كل مكان، ومع ذلك فقد قوته في إخضاعنا. تأملوا كيف يسهل تفكيك غطرسة الروح البشرية؛ ففيروس واحد غير مرئي، أو ميكروب مجهري، هو كل ما يتطلبه الأمر لجعل الشخص، أو المدينة، أو الحضارة بأكملها عاجزة تماماً عن الحركة أو الإنتاج أو السيطرة. لقد رأينا كيف تتعطل التصاميم البشرية العظيمة بسرعة أمام شيء لا تستطيع العين البشرية رؤيته، ومع ذلك فإن هذا الدرس العميق يمر دون أن يلاحظه أحد تقريباً؛ فنحن نشهد هشاشتنا ونلمس حواف عجزنا، ثم نعود فوراً إلى التسارع المحموم والدفاعي لحياتنا السابقة.
نعيش هنا تحت وطأة مفهوم سارتر بأن الإنسان محكوم عليه بالحرية، وهي حرية لا تمنحنا الترف في التملص من المسؤولية، بل تضعنا تحت طائلة المساءلة عن كل فعل وكل اختيار؛ والغطرسة المعاصرة التي ترفض الخجل أمام الموت هي قمة الهروب من هذه المسؤولية، فعندما فقدت الغطرسة خجلها أمام الموت، فقدت بالتبعية خجلها أمام معاناة الآخرين.
إن هذا الإيقاع المحموم هو عرض لقلق وجودي يغلف وقتنا، وهو جوع مضطرب وغير مشبع؛ يبدو الوقت نفسه وكأنه يتسارع ويتحرك بسرعة متهورة ومحيرة، كأن الزمن ذاته في حالة فرارٍ من نفسه، يهرب من سطوة اللحظة التي تضيق عليه، ليمضي في ركضٍ أبديٍّ لا قرار له.
الساعات تمر كضباب وتنزلق من بين أصابعنا قبل أن تتاح لنا فرصة للاستقرار في الحاضر. نحن نعيش في هذا الإيقاع من الحركة المستمرة، نطارد الغد بينما يتبخر يومنا في فراغ اللاهثين؛ فنحن نركض لا لنصل، بل لننسى.
وهنا تتقاطع رؤيتنا مع فلسفة ميلان كونديرا في روايته “البطء”، حيث يربط بين السرعة والنسيان؛ فالسرعة التي نغلف بها أيامنا ليست مجرد أداةٍ للفاعلية، بل هي هروبٌ محمومٌ من ثقل الذاكرة وهشاشة الوجود، وكأننا نسرع لئلا نضطر لمواجهة أنفسنا في مرآة اللحظة الراهنة.
نحن نضع جداولنا ونرسم مستقبلنا، غافلين عن أن هذا الركض لا يترك أثراً، بينما “البطء” هو المساحة الوحيدة التي تمنحنا القدرة على التذكر والاستقرار؛ ومع ذلك، فإن سرعة الزمن البحتة -وهو يهرب من ذاته- تعمل كتذكيرٍ صامتٍ ومتواضع بأننا مجرد زوار؛ فإذا لم نكسر حدة هذا التيه لنرسخ أنفسنا في ما هو ذو معنى، فإننا نخاطر بالوصول إلى نهاية الخط لننظر إلى الوراء على حصادٍ فارغٍ من كل ذكرى تستحق الخلود.
لقد فرضنا على أنفسنا لأجيالٍ تفويضاً أخلاقياً، قضيته حجبُ ظلال الموت عن مدارك الطفولة؛ متوهمين أن البراءة لا تستقيم إلا في كنف الجهل، وأن تنحية شبح الفناء جانباً هي السبيل الأمثل لصيانة نقاء القلب الشاب.
وقد دفعنا لهذا التوجه حرصٌ مفرطٌ على سلامة بنيتهم النفسية، خشية أن يصدع إدراكُ الزوال كيانهم الرقيق، أو أن تباغتهم أسئلة الوجود قبل أوان نضجهم، فشيّدنا حولهم أسواراً من التعتيم ظناً منا أننا نؤمّن ملاذهم الداخلي. ولكن ألم يحن الوقت لنعيد النظر في هذا التفويض؟ إننا مدعوون للتأمل في جدوى هذه الحماية؛ فقد آن لنا أن ندرك أن تعليم الصغار حقيقة الفناء منذ بواكير إدراكهم ليس انتقاصاً من براءتهم، بل هو تحصينٌ لها.
إن تعليمهم أن الحياة ليست نجرد سُلّمٍ تنافسيٍّ يُعتلى لأجل المكانة، بل رحلةٌ ذات غايةٍ أخلاقية تتطلب الاستعداد لزوالها، هو وحده ما يمكن أن يمنح أرواحهم مرساةً تمنعها من الانزلاق في مهبّ الرياح العاتية للمادية المعاصرة؛ إذ إن درع الجهل البريء الذي ظنناه حصناً لم يعد مُجدياً، بل ترك الروح بلا دفاعٍ أمام إغراء الجشع.
أنا لست بطبيبٍ نفسيٍّ ولا خبيراً في شؤون التربية، ولكنّ واقعنا يفرض علينا أن نعترف بأن هناك خللاً جوهرياً في طرائق تنشئة أجيالٍ تبدأ حياتها بقلوبٍ بريئةٍ ووديعة -وإن قلّ نصيبها من ذلك في زماننا- لتنتهي، في الغالبية العظمى، وقد استبد بها حب المال والسلطة، وصارت تنظر إلى الطيبةِ سذاجةً، وإلى الرحمةِ ضعفاً ووهناً.
الموت كإطار وجودي: من التنافس على الفناء إلى الاستخلاف في البقاء. إن الرؤية الإسلامية للموت تؤطر الوجود كرحلة، وتجعله معلماً بليغاً في كيفية التعامل مع الدنيا؛ فقد قدّم النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- تشخيصاً مخيفاً لهذا التراجع حين قال: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتتنافسوها كما تنافسوها، فتُهلككم كما أهلكتهم».
إن هذا التنافس على الدنيا -أي ما هو قريب وفانٍ- هو التآكل الذي نشعر به، وهو الضجيج الذي يُغرق ضمائرنا. ومن منظور إسلامي، فإن القلق الوجودي الذي نشعر به اليوم ليس بسبب الموت نفسه، بل بسبب محاولتنا اليائسة والفاشلة للهروب منه. والموت لا يُنظر إليه كنهاية، بل كبوابة كبرى للعبور نحو عالم الجزاء، حيث ينتهي زمن العمل ويُطوى سجل الحياة، ليبدأ زمن الحساب الذي توزن فيه الأعمال بدقةٍ متناهية في ميزان الحق، حيث لا يُظلم فيه مثقال ذرة، فكل ما قدمه الإنسان في رحلته الدنيوية يوضع أمام الله، ويصبح هو الوزن الحقيقي لكل ما سعينا لأجله.
وانطلاقاً من هذا المنظور الوجودي، نعود إلى القرآن الذي يسحبنا باستمرار للعودة إلى هذا المنظور الأساسي، مذكراً إيانا بأن هذه الحياة ليست سوى ممرٍ عابر، وأنه ما يبقى ليس تراكماتنا، بل أفعالنا؛ تلك الأعمال الصغيرة والهادئة من الرحمة والنزاهة.
نحن محذرون من تلك اللحظة الحتمية للوضوح، والندم المؤلم والمتردد في كلمات الروح التي تدرك ذلك بعد فوات الأوان: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}. إن هذه الآية ليست مجرد تذكير، بل هي الصرخة الوجودية التي تهز أركان النفس، معلنةً عن اعترافٍ وجودي عميق بأن وقتنا هنا ليس الوجهة، بل هو وقت البذر للحياة التي تليها، وأن الدنيا لم تكن دار قرار، بل مزرعة للآخرة؛ ومن ضيَّع عمره في بناء أوهام دنيوية، يجد نفسه في لحظة الحقيقة خاوي الوفاض، يصرخ ليت كل ما قدمه من جهاد في إصلاح نفسه كان للحياة التي لا تنتهي.
وتجسيداً لهذه الحقيقة وتوضيحاً لهذا المنظور، يروي لنا الإمام البخاري في صحيحه هذا المشهد التربوي المهيب؛ حيث رسم النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه على الأرض مربعاً يحيط بخطٍّ في وسطه، يمتد طرفه خارج المربع، وتتفرع منه خطوطٌ صغيرةٌ تحيط به. لقد شرح -عليه الصلاة والسلام- أن المربع هو “الأجل” الذي يحيط بالإنسان، والخط الخارج هو “الأمل” الذي تغرق فيه النفس، بينما الخطوط الصغيرة هي “الأعراض” أو نوائب الدهر التي تتربص به؛ فإن أخطأت واحدة نهشته أخرى، لتنتهي حياته حتماً عند حدود ذلك المربع.
بهذا الرسم البصري، وضع النبي الكريم حدوداً واقعيةً للوجود البشري، معلماً أصحابه أن الموت هو الإطار الحتمي الذي لا فكاك منه، وأن الغاية الحقيقية ليست في مطاردة الآمال اللانهائية، بل في استثمار ما يُقدَّم أمامنا من عملٍ صالحٍ يبقى أثره بعد فناء الجسد.
وفي سياق ترسيخ هذه الرؤية العملية، نجد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يتخذ من هذه الحقيقة دليلاً لحكمه؛ فقد نقش على خاتمه عبارة “كفى بالموت واعظاً يا عمر”. لم تكن هذه النقوش مجرد حكمةٍ عابرة، بل كانت “بوصلةً” يوميةً يراها في يده وهو في ذروة القوة الإمبراطورية، لتذكّره بأن السلطة أمانة، وأن الدنيا زائلة، وأن عليه الاستعداد للقاء الله. لقد اختار الفاروق هذه العبارة لتكون شاهداً على قلبه قبل أن تكون شاهداً على قراراته؛ فهي تعبيرٌ عن وعيٍ عميقٍ بأن الموت هو الصوت الوحيد القادر على اختراق ضجيج الغرور والكشف عن الوزن الحقيقي لأفعالنا في ميزان العدل، مستحضراً قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}.
إن هذه الدروس، سواء في رسم النبي -صلى الله عليه وسلم- أو في خاتم عمر، لم تكن يوماً دعوةً للتشاؤم، بل كانت دعوةً للترتيب الجذري للأولويات، إدراكاً منهم بأن من يضع الموت نصب عينيه، لا يطغى في سلطانه، ولا يغفل في رحلته، ولا ينسى أن استخلافه في الأرض مرهونٌ بما يُقدمه من عدلٍ ورحمة.
ولكي نعيش هذا الفهم في وعينا اليومي، علينا أن ندرك أن استحضار الموت يمنح الحياة وهجاً خاصاً؛ فالمؤمن الذي يعيش بذهنية “الغريب أو عابر السبيل” كما أرشدنا النبي ﷺ، هو أشد الناس إتقاناً لعمله، وأكثرهم حرصاً على طهارة أثره. إننا حين ندرك أن الموت موعدٌ للقاء الله، تتحول ساعاتنا من صراع محموم على المادة إلى سعي دؤوب لتزكية النفس؛ فتصبح المحاسبة اليومية -كما كان يوصي الصحابة: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم”- هي مرآتنا التي نكشف بها صدأ الغفلة.
ختاماً، إذا قمنا بدمج هذا الفهم، فسنقدم المرساة الأكثر استقراراً التي يمكن أن يمتلكها قلب الإنسان. إذا احتضنا الموت كأصدق مستشار لنا، فسنجد طريقاً مختلفاً؛ طريقاً لا تتآكل فيه مُثُل شبابنا بالواقع، بل ترتكز أخيراً في حقيقة وجودنا. نحن لسنا هنا لامتلاك العالم، بل لنكون أفضل نسخة من أنفسنا قبل أن نسلمه لمن يتبعنا. نحن بحاجة لهذا التذكير مراراً؛ للحفاظ على قلوبنا رقيقة، وأيدينا مفتوحة، وهدفنا واضحاً، نغادر هذه الديار ونحن نحمل حصاداً من النور والعمل الصالح الذي يسبقنا إلى عالم الجزاء.
إننا، وبعد أن حجبنا بصائرنا عن حقيقة المآل، وتعلّقنا بظواهر الدنيا وكأنها مستقرٌ أبديّ، نقف الآن أمام الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التأويل: الموت ليس عدواً نغالبُه، بل هو الوجه الآخر للحياة الذي يمنحها قيمتها. إنّ استحضار هذه الحقيقة ليس انحناءً أمام الفناء، بل هو استقامةٌ على نهج الحق؛ فالمؤمن الذي ينقش في سويداء قلبه «كفى بالموت واعظاً»، يتحرر من أسرِ الغطرسة، ومن عبودية المناصب، ومن صمتِ الخوف أمام صناع الموت في غزة ولبنان والسودان وكل بقعةٍ تُستباح فيها قدسية النفس البشرية.
إنّ أمانة الاستخلاف ليست تشريفاً نتباهى به، بل هي ثقلٌ وجوديٌّ يفرض علينا ألا نكون شهود زورٍ على تفكك القيم الإنسانية.
إن العالم يغرق في ضجيجه لأن أهله ظنوا أن البقاء للأقوى، بينما الحقيقة الأزلية -التي يهمس بها الموتُ في كل لحظة- هي أن البقاء للعدل، وأن الخلود هو للأثر لا للمادة. وبدلاً من أن نترك الموت يباغتنا كخسارةٍ طارئة، فلنصطحبه كرفيقِ دربٍ يذكّرنا بأننا زوارٌ لا ملوك، وأن اليد التي تُبسط بالعدل وتدفعُ الظلم هي اليد الوحيدة التي لن تندم حين يُطوى سجل الحياة.
نحن اليوم مُطالبون، أكثر من أي وقتٍ مضى، بأن نغادر هذه الديار بقلوبٍ رقيقةٍ لا تخشى غبار المعارك، وأيدٍ مفتوحةٍ بالرحمة لا ترهبها غطرسة القوة. فمن عاش لغيره، وعملَ لربه، وتركَ في هذه الأرض أثراً من نور، فقد كسر شوكة الفناء قبل أن يحلّ موعدُ العبور.
إننا في هذا المسير نتذكر دائماً النداء الإلهي الذي يضع الوجود البشري في إطاره الحق: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}؛ فهذا الكدح هو جوهر وجودنا، وهو الشاهد على أننا لم نُخلق عبثاً. سنغادرُ هذه الدنيا، لا كما يغادر الزائلون الذين صرفوا وجودهم في مطاردة الأوهام، بل كما يغادرُ الفارسُ ميدانَ المعركة بعد أن أدّى أمانته كاملة، موقنين بأن الحصاد الحقيقي لم يكن يوماً في قبضتنا، بل في ما قدمناه لـ ‘حياتنا’ التي لا تبدأ إلا حين ننتهي.