في ليلة من أعظم ليالي العام، ليلة تتنزل فيها الرحمات وتفيض فيها بركات السماء على الأرض، احتشد المصلون ورواد المساجد وأولياء الأمور في رحاب مسجد الجامع الكبير بمدينة الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية، للاحتفال بليلة القدر المباركة وتكريم نخبة من حفظة كتاب الله من أبناء المدينة، في مشهد روحاني مهيب امتزجت فيه دموع الفرح بخشوع التلاوة وعبق القرآن الكريم.
جاء هذا الاحتفال المبارك تحت رعاية معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، وفضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف الشرقية، وتحت إشراف فضيلة الدكتور الشيخ عثمان أحمد كبير مفتشي إدارة الصالحية الجديدة والقرين، في إطار الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الأوقاف لنشر القيم القرآنية وغرس حب كتاب الله في قلوب النشء والشباب.
وقد شهدت الليلة حضورًا كبيرًا من أهالي الصالحية الجديدة الذين حرصوا على المشاركة في هذا الحدث الإيماني العظيم، حيث امتلأت أروقة المسجد بالمصلين الذين اجتمعوا على حب القرآن وتقدير أهله، في صورة تعكس مدى ارتباط المجتمع المصري بكتاب الله الكريم.
وتجلت أجواء الخشوع والسكينة عندما صدح فضيلة الشيخ عمر الجعان، قارئ الإذاعة والتليفزيون، بآياتٍ من الذكر الحكيم، فانسابت التلاوة العطرة في جنبات المسجد كأنها نور يملأ القلوب طمأنينة، لتزداد الليلة جمالًا وهيبةً، حيث عاش الحضور لحظات روحانية خالصة أعادت إلى النفوس صفاءها وإلى القلوب سكينتها.
وفي قلب هذا المشهد الإيماني الرائع جاء تكريم حفظة القرآن الكريم، هؤلاء الذين اختارهم الله لحمل كتابه في صدورهم، ليكونوا مشاعل نور تهدي الطريق للأجيال القادمة. وقد تم تكريم عشرة من حفظة القرآن الكريم من أبناء المدينة تقديرًا لجهودهم المباركة وإجلالًا لرحلتهم مع كتاب الله، وهم: عمر عبد الرحيم حسن رضا علي محمد هاجر السيد محمد حماس السيد محمد ياسين محمد شعبان هاجر أحمد عبد الله أمير عبد الرزق أحمد حبيبة إبراهيم السيد ندى أحمد محمد حمزة عبد الرحيم حسن
وكذلك تم تكريم الطالب أحمد السيد عبد السلام الفائز بالمركز الأول برواية حفص عن عاصم.وتكريم كل من ياسين محمد شعبان ورقية محمد شعبان وعمرو المسيري وعيد محمود محمد. وأبو بكر وحمزة عثمان أحمد.
وقد علت الابتسامة وجوه الأطفال والشباب المكرمين وهم يتقدمون لتسلم شهادات التكريم وسط تصفيق الحضور ودعوات الآباء والأمهات الذين رأوا في هذه اللحظة ثمرة تعبهم وسهرهم مع أبنائهم في رحاب القرآن الكريم.
إن تكريم حفظة القرآن ليس مجرد احتفال عابر، بل هو رسالة مجتمعية عميقة تؤكد أن الأمة التي تكرم أهل القرآن إنما تكرم مستقبلها وهويتها وقيمها. فالقرآن الكريم هو المنبع الصافي للأخلاق والإنسانية، وهو النور الذي يضيء طريق المجتمعات نحو الاستقامة والوعي والبناء.
وقد عبّر عدد من الحضور عن سعادتهم الغامرة بهذه الليلة المباركة، مؤكدين أن مثل هذه الفعاليات تعيد للمساجد دورها الحقيقي كمراكز للعلم والوعي والتربية، لا سيما حينما يُحتفى بأبناء حفظوا كتاب الله وجعلوه منهجًا لحياتهم. كما أشاد أولياء الأمور بالدور الكبير الذي تقوم به وزارة الأوقاف ومديرية أوقاف الشرقية في دعم حلقات تحفيظ القرآن الكريم وتشجيع الأبناء على حفظه وفهم معانيه والعمل بتعاليمه، وهو ما ينعكس إيجابيًا على المجتمع بأسره. ولم تكن ليلة القدر في مسجد الجامع الكبير بالصالحية الجديدة مجرد احتفال تقليدي، بل كانت ليلة إيمانية متكاملة اجتمع فيها القرآن والدعاء والذكر والتكريم، في صورة تجسد عظمة هذه الليلة المباركة التي وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها خير من ألف شهر.
وهكذا مضت تلك الليلة المباركة في رحاب مسجد الجامع الكبير بالصالحية الجديدة وكأنها صفحة مضيئة في سجل الإيمان والوفاء لكتاب الله، ليلة أدرك فيها الجميع أن أعظم ما يمكن أن تقدمه الأمة لأبنائها هو أن تربيهم على القرآن، وأن تزرع في قلوبهم نور الهداية منذ الصغر. فالأمم لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى بالعلم والقيم والإيمان، والقرآن الكريم هو المنبع الذي تتفجر منه هذه المعاني كلها.
إن تكريم حفظة القرآن في ليلة القدر ليس مجرد احتفاء بأسماء أو شهادات، بل هو احتفاء بمستقبلٍ تُصاغ ملامحه بآيات الله، وبجيلٍ يحمل في صدره نور السماء ليضيء به دروب الحياة. وهؤلاء الأبناء الذين حفظوا كتاب الله اليوم، هم بإذن الله رجال الغد وصنّاع الوعي وحملة القيم في مجتمعهم.
وفي تلك اللحظات التي ارتفعت فيها الأكف بالدعاء وامتلأت القلوب بخشوع القرآن، أدرك الجميع أن أعظم الاستثمارات التي يمكن أن يقدمها المجتمع هي الاستثمار في الإنسان، وفي عقله وقلبه وروحه، وأن القرآن سيبقى دائمًا الحصن الحصين الذي يحفظ الأمة من الضياع والتيه.
فطوبى لمن جعل القرآن رفيق دربه، وطوبى لآباءٍ وأمهاتٍ أنبتوا في بيوتهم غراس القرآن، وطوبى لمدينةٍ مثل الصالحية الجديدة ما زالت تفتح أبواب مساجدها للنور، وتحتفي بأهل القرآن، وتؤمن أن نهضة الأمة تبدأ من محراب مسجد… ومن طفلٍ صغيرٍ يحمل في صدره كلام الله.