مشروعية الأعياد في الإسلام
14 مارس، 2026
منبر الدعاة

بقلم / أ.د السيد احمد احمد سحلول
استاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الازهر الشريف
العيد : سمي عيدا لعوده وتكرره ، وقيل : لعود السرور فيه ، وقيل : تفاؤلا بعوده على من أدركه كما سميت القافلة حين خروجها تفاؤلًا لقفولها سالمة ، وهو رجوعها وحقيقتها الراجعة. وشرعت الأعياد في الإسلام لحكم سامية ،وأهداف جليلة، منها ما يأتي :
1_ وجود أعياد خاصة بالمسلمين يفرحون فيها ولا يشركوا غيرهم في أعيادهم :
فعنْ أَنَسٍ رضى الله عنه ـ قال: قَدِمَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فقال : ما هَذَانِ الْيَوْمَانِ ؟ قالوا : كنا نَلْعَبُ فِيهِمَا في الْجَاهِلِيَّةِ فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ” إِنَّ اللَّهَ قد أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يوم الْأَضْحَى وَيَوْمَ الحديث يدل على أنه قال ذلك عقيب قدومه المدينة كما تقتضيه الفاء .و في كتب السير أن أول عيد شرع في الإسلام عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة.
وقد استنبط بعض العلماء كراهية الفرح ف أعياد المشركين والتشبه بهم ، وبالغ في ذلك الشيخ الكبير أبو حفص البستي من الحنفية ، وقال : من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيمًا لليوم فقد كفر بالله.
2_ إدخال الفرح والسرور على المسلمين ، وإظهاره ، والترويح عن النفس:
يدلنا حديث أَنَسٍ رضى الله عنه السابق على أن إظهار السرور في العيدين مندوب ، وأن ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده إذ في إبدال عيد الجاهلية بالعيدين المذكورين دلالة على أنه يفعل في العيدين المشروعين ما تفعله الجاهلية في أعيادها ، وإنما خالفهم في تعيين الوقتين .
قال الصنعاني : والمراد من أفعال الجاهلية ما ليس بمحظور ولا شاغل عن
طاعة ، وأما التوسعة على العيال في الأعياد بما حصل لهم من ترويح البدن وبسط النفس من كلف العبادة فهو مشروع .
قال صلى الله عليه وسلم : “لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ” .
قال العلماء : أما فرحته عند لقاء ربه فبما يراه من جزائه ، وتذكر نعمة الله تعالى عليه بتوفيقه لذلك ، وأما عند فطره فسببها تمام عبادته وسلامتها من المفسدات ، وما يرجوه من ثوابها .
وقال ابن العربي : فرحه عند إفطاره بلذة الغذاء عند الفقهاء وبخلوص الصوم من الرفث واللغو عند الفقراء
وقيل: الفرح الذي عند لقاء ربه إما لسروره بربه أو بثواب ربه على الاحتمالين
قال ابن حجر : والثاني أظهر إذ لا ينحصر الأول في الصوم بل يفرح حينئذ بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه .
وضابط السرور في ذلك اليوم ألا يفعل شيئًا قد حرمه الشرع ، فيجوز له الفرح والسرور في ذلك اليوم على ميزان الشرع وفي بوتقته .
فلا يجوز القيام بالغناء الماجن وغير ذلك من الأمور المحرمة ، فيجوزا للعب الذي لا معصية فيه لحديثي السن من الذكور بكل ما هو مباح ، ومشاهدة الإناث حديثي السن لذلك فعَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ في أَيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ وَرَسُولُ اللَّهِ e مُسَجًّى بِثَوْبِهِ فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ وَقَالَ : « دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ ». وَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ.
وفي رواية قالت : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِى وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ لِكَىْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِى حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِى أَنْصَرِفُ. فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ .
وفي رواية : وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَإِمَّا قَالَ : « تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ ». فَقُلْتُ : نَعَمْ فَأَقَامَنِى وَرَاءَهُ خَدِّى عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ : « دُونَكُمْ يَا بَنِى أَرْفَدَةَ ». حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: « حَسْبُكِ ». قُلْتُ : نَعَمْ. قَالَ :« فَاذْهَبِى » .
وقد نفت عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ بقولها: ” وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ ” عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب النَّصْب على الْحِدَاءِ.
ولا يسمى فاعله مغنيا وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح.
قال القرطبي : قولها : ” وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ ” أي ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك ، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به ، وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن ، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه .
ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه .
وأما التفافه بثوبه ففيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك ، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره إذ لا يقر على باطل ، والأصل التنزه عن اللعب واللهو فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتا وكيفية تقليلا لمخالفة الأصل .
وفي الحديث مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس وترويح البدن من كلف العبادة ، وأن الإعراض عن ذلك أولى .
قال القاضي عياض : إنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة ، وهذا لا يهيج الجواري على شر ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه ، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد ، ولهذا قالت : ” وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ ” أي ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس ويبعث الهوى والغزل كما قيل : ( الغناء فيه الزنا ) وليستا أيضا ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير وعمل يحرك الساكن ويبعث الكامن ، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبًا ، والعرب تسمي الإنشاد غناء ، وليس هو من الغناء المختلف فيه بل هو مباح ، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاد والترنم ، وأجازوا الحداء وفعلوه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا كله إباحة مثل هذا وما في معناه وهذا ومثله ليس بحرام ولا يخرج الشاهد .
والزمير الصوت الحسن ، ويطلق على الغناء أيضًا .
وفي حديث عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ تنبيه على أن مواضع الصالحين وأهل الفضل تنزه عن الهوى واللغو ونحوه وإن لم يكن فيه إثم .
وإنما سكت النبي صلى الله عليه وسلم عنهن؛ لأنه مباح لهن وتسجى بثوبه وحول وجهه
إعراضًا عن اللهو ، ولئلا يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن ، وكان هذا من رأفته وحلمه وحسن خلقه
وفي الحديث أن ضرب دف العرب مباح في يوم السرور الظاهر ، وهو العيد والعرس والختان .
فلا يجوز أن يكون يوم العيد يوم حزن أو همّ بالبكاء والندب على الموتى، بينما الأحياء متقاطعين لا يصل بعضهم بعضًا.
3_ شكر المنعم سبحانه وتعالى على أداء فريضتي الصيام والحج :
فالصائم يشكر ربه أن أتم عليه النعمة بتوفيقه في صيام رمضانقال تعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة : 185).
فعيد الفطر جائزة يمنحها الله تعالى لعباده الذين أدوا صيامهم على الوجه الذي يرضاه ، فالعيد شكر للمنعم على تلك الجائزة.
، والحاج يشكر ربه على إتمام فريضة الحج.
4_ تقوية الروابط بين المسلمين :
فالعيد فرصة عظيمة لتقوية ونشر الود والمحبة بين المسلمين ، وصلة الرحم ، وبر الأبناء والوالدين ،والعمل على إصلاح ذات البين ،وإنهاء الخلافات .