دعاء ختم القرآن في رمضان: عبادة ثابتة أم اجتهاد متأخر؟

بقلم الأستاذ : محمد عطية

من المحدثات الدينية التي لم يثبت فيها حديث عن سيدنا رسول الله ﷺ، لا صحيحًا ولا ضعيفًا دعاء ختم القرآن في آخر ركعة من التراويح أو القيام في رمضان، ولا سيما ما يفعله بعض الناس من تخصيص ذلك بليلة السابع والعشرين أو التاسع والعشرين ويبدو أن هذه الصورة من العمل إنما ظهرت في أواخر العصور الأولى

فقد قال الفضل بن زياد رحمه الله:
«سألت أبا عبد الله – يعني الإمام أحمد رحمه الله – فقلت: أختم القرآن، أجعله في الوتر أو في التراويح؟قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين.
قلت: كيف أصنع؟قال: قبل الركوع» [المغني لابن قدامة]
وهذا النقل يدل على عدة أمور:

أولاً: أن دعاء ختم القرآن في الصلاة لم يثبت فيه حديث مرفوع إلى سيدنا النبي ﷺ، لا صحيحًا ولا ضعيفًا.

ثانياً: أن من قال به جعله قبل الركوع لا بعده، فيقع الدعاء على هذا القول في غير موضعه من هيئات الصلاة المعهودة.

ثالثاً: أنه لم يكن من هدي الصحابة رضي الله عنهم، ولا من عمل التابعين تخصيص التراويح أو القيام بدعاء مخصوص عند ختم القرآن.

رابعاً: أنه لا يُعرف عن سيدنا النبي ﷺ، ولا عن الخلفاء الراشدين، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم وهم خير القرون أنهم كانوا يتحرّون ليلة السابع أو التاسع والعشرين لختم القرآن على هذا الوجه.

خامساً: ينبغي التنبه إلى أصل أصولي مقرر عند أهل العلم، وهو أن ليس كل محدث بدعة مذمومة فإطلاق القول بأن كل محدث بدعة على الإطلاق قاعدة باطلة أصلًا وموضوعًا ومضمونًا، لأنها تقلب الحقائق: ليس كل ما أحدثه المسلمون يعد بدعة. فمن يتمسك بحرفية عبارة “كل محدث بدعة” ويفسرها على أنها مطلقة، يقع في خطأ، لأن الحديث الشريف يقول:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
فتأمل: “ما ليس منه” أي ما كان خارجًا عن أصول الشريعة ومقاصدها؛ أما ما أحدث منه أي موافقًا لأصل الدين أو قواعده العامة فليس بدعة ولو لم تكن صورته موجوده ولو كان كل محدث بدعة، لكان كل ما فعلته الأمة عبر القرون وفي كل الأقطار مبتدعًا، وهذا محال، لأن الأمة لا تجتمع على الباطل. وبهذا ينهدم مذهب أهل البدع والضلال المتمسكين بعموم النص كقول: “كل بدعة ضلالة”.

سادساً: ورد في الحديث الشريف:
«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء» [ صحيح مسلم ]

سابعاً: ومن الأمثلة التي يذكرها بعض أهل العلم فيما استُحسن من المحدثات: ما أُحدث في الحرمين الشريفين، ثم تتابع الناس عليه في سائر البلدان، من صلاة قيام آخر الليل جماعة في المساجد في العشر الأواخر من رمضان، على هيئة مخصوصة، وعدد مخصوص من الركعات، وفي وقت مخصوص، مع دعاء ختم القرآن.

وهذا العمل مع شيوعه وانتشاره في الأمصار لم يثبت فيه نص خاص عن سيدنا النبي ﷺ، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم على هذه الهيئة المعينة لا صحيح ولا ضعيف وإنما جرى عليه العمل في الأزمنة المتأخرة، فاستحسنه قوم من أهل العلم لما فيه من إحياء الليل بالقرآن والدعاء، مع بقاء الأصل المقرر: أن العبرة في المحدثات بكونها موافقة لأصول الشريعة أو مصادمة لها

والله تعالى اعلي واعلم