سلسلة : مقالات في الفقه الإسلامي المعاصر بقلم الأستاذ : مهدى صالحى
إن الفكر المقاصدي هوذلك الرصيد الفقهي التشريعي الذي أنتجته الحركات الاجتهادية التي تستند على فقه المقاصد بما أنه آلية عقلية للمواءمة بين الثابت والمتغير،ثم إن الفكر الإسلامي هو ذلك المحرك الذي يحقق حيوية فقهية وصحوة مقاصدية تراعي المصالح والمآلات وتكشف عن انبناء الشريعة على مكارم الأخلاق كما ورد في نص الحديث:إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”؛فهذا تعليل مصلحي للبعثة النبوية وهي تشكيل منظومة أخلاقية في الضمير العربي زمن النزول.
وفكرة الأخلاق في الثقافة العربية الجاهلية هي بمثابة الموروث الحضاري ومن السمات الاجتماعية ولذلك فإن دور النبوة هو إتمامها بإعادة تعهّدها وتقويمها بما ينسجم مع مقاصد الوحي،ومن هذا المنطلق يقر ابن عاشور أن إصلاح الفكرة هومبدأ كل إصلاح بتحرير تلك الذهنية من غياهب التقليد والوثنية لصلاح المعتقد والحاصل أن الفكر هو الذي يوجّه السلوك وينهض بالضمير الإنساني من نزعات الأهواء والميولات وماالمقصد العام للتشريع إلا إخراج الإنسان من دائرة هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا على حد قول الشاطبي فكأن نزول الشريعة حسب هذا السياق هو لتقويم الذات وإصلاحها وتهذيبها لاللسيطرة على المجتمع وفرض نمط من المحاسبة الأخلاقية الشرعية تحت مسمى الأحكام الردعية ذلك أن الأصل في التشريع هو بث القيم الإنسانية والرفق بالإنسان بمراعاة طاقاته وتكليفه على قدر الاستطاعة
وهذا المنحى المقاصد يفيد في أن الوسطية جوهر الإسلام بما أن القصد في معناه الأصلي هو وسط بين الإفراط والتفريط،في مقابل الفكر الظاهري الحرفي الجديد الذي يتفاعل مع سياقات النص التأسيسي بمنطق سطحي غيّب فيه الرؤية التأويلية المقاصدية قوامها النظر في علل الأحكام والشريعة في شمولها.
وهذه القراءة الحرفية أحدثت منعطفا ذا أثر خطير جعل المكلف يبتغي في أحكام الشريعة غير ما شُرّعت له وسلوكيات تتعارض مع روح النص الذي يؤسس لمعان أخلاقية توّجتها البعثة النبوية ولذلك فإن الحاجة إلى تفعيل المقاصد ضرورة حيوية ليحصل للإنسان المعاصر ذلك الاقتناع المبدئي الكلي بأن مكارم الأخلاق من المقاصد العامة والخاصة في أحكام العقيدة والشريعة والعبادات والمعاملات وأن منظومة القيم الإنسانية العالمية هي في حقيقتها قيما إسلامية.