الفتح الإسلامي لمصر: التحول والنتائج
4 يوليو، 2026
بنك المعرفة

بقلم الباحث والمؤرخ /سيد الرشيدي
(من كتابي القبائل العربية في الصعيد)
بدأ الفتح الإسلامي لمصر في عام 20 هـ / 641 م بقيادة عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وانتهى فعلياً بسقوط الإسكندرية عام 642 م، ليضع بذلك حداً للحكم الروماني (البيزنطي) الذي دام قروناً.
وكان الهدف الرئيسي من الفتح هو تأمين حدود الدولة الإسلامية، وحماية ظهر المسلمين من هجمات الرومان الذين انسحبوا إلى مصر بعد هزيمتهم في الشام. وقد أسس هذا الفتح حقبة سياسية وحضارية جديدة لمصر، منحتها دوراً محورياً عبر التاريخ الإسلامي، وتميزت بالعمارة الإسلامية التي تركت بصماتها الخالدة في المدن والمعالم الهامة.
أبرز نتائج الفتح وفوائده على مصر
كان دخول مصر في ظلال الدين الإسلامي من أعظم التحولات التاريخية التي أدت إلى نتائج جليلة شملت جوانب الحياة كافة، ومن أبرزها:
1. الحرية الدينية ورفع الاضطهاد:
منح الفتح الإسلامي أهل مصر حرية الاعتقاد الكاملة، منهياً بذلك الاضطهاد الديني القاسي الذي كانت تمارسه السلطة البيزنطية على المخالفين لها في المذهب، ومما يذكر في هذا السياق عودة البطريرك “بنيامين” إلى كرسي الإسكندرية معززاً مكرماً بأمر من عمرو بن العاص، الأمر الذي أمن نفوس المصريين وشجع الكثيرين منهم على الدخول في الإسلام طواعية لاحقاً.
2. تأسيس حضارة جديدة ودولة إسلامية:
أرسى المسلمون أسس حضارة جديدة في مصر، وبدأ تاريخ الدولة الإسلامية فيها بتأسيس مدينة “الفسطاط” لتكون عاصمة جديدة ومركزاً إدارياً وعسكرياً للبلاد بدلاً من الإسكندرية الساحلية؛ وذلك تأميناً للعاصمة من أي هجوم بحري بيزنطي، وربطاً لها بالمدينة المنورة دون حواجز مائية.
3. انتشار الإسلام واللغة العربية:
ساهم الفتح في انتشار الإسلام في ربوع مصر بشكل تدريجي وسلمي. كما أخذت اللغة العربية -لغة القرآن الكريم- في الانتشار شمالاً وجنوباً، وأُنشئت الحواضر لتعليمها وتعليم علوم الفقه الإسلامي على يد الصحابة والتابعين وعلماء الحديث.
4. تخفيف العبء المالي (الضرائب):
خُفِّفت الضرائب عن كاهل المصريين بشكل كبير؛ إذ أُلغيت منظومة الضرائب البيزنطية الجائرة، واستُبدل بها نظام مالي عادل؛ فاكتُفي بفرض “الخراج” على الأراضي الزراعية، و”الجزية” على الرجال القادرين من غير المسلمين مقابل حمايتهم وإعفائهم من الخدمة العسكرية، وكانت قيمتها أقل بكثير مما كانوا يدفعونه للبيزنطيين.
5. ازدهار التجارة والاقتصاد:
نشطت حركة التجارة والزراعة على نحو ملحوظ، واستعادت مصر دورها الاقتصادي المحوري، خاصة بعد إعادة حفر القناة القديمة (خليج أمير المؤمنين) لتسهيل نقل البضائع والغلال مثل القمح والكتان والورق والزجاج من مصر إلى الحجاز.
6. تأسيس المراكز الدينية والتعليمية:
تَوَّج المسلمون فتحهم ببناء أول مسجد في مصر وإفريقيا، وهو “جامع عمرو بن العاص” بمدينة الفاطمية (الفسطاط)، ولم يكن المسجد مجرد مكان للعبادة، بل غدا مركزاً تعليمياً ودينياً بارزاً؛ إذ أسس فيه الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص مدرسة علمية نشرت علوم الدين الحديث ورواية الحديث الشريف بين أهل مصر.