ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا
4 يوليو، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الثامن من سلسلة ( الوهابية مقدمة الدجال )
بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم
الباحث فى التاريخ الإسلامى
حذرنا الله سبحانه وتعالى مغبة التفرق والاختلاف على نحوٍ صريحٍ لا مواربةَ فيه فقال تعالى “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” آل عمران : 105.
لقد كان التفرق عظيماً فى بنى اسرائيل ، حتى أنهم كانوا شيعاً وأحزاباً يرمى بعضهم بعضاً بالكفر والإلحاد ، قال الله سبحانه وتعالى ” مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ” 32 : الروم. فقد كانوا يتوهمون انهم على شئ من العلم والدين وفى الحقيقة كانوا كالبهائم العجماء لا تدرى عما تحمله من علم شيئاً.
أشار القرآن الكريم الى كثرة اختلافهم وتناحرهم وطلبهم للتنازع فيما بينهم أنهم صاروا قطعاً ممزقة ، وأحزاباً متعادية قال الله سبحانه وتعالى “فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ” 53 : المؤمنون.
لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغ عن ربه ، روى عن أبى سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لتتَّبعنَّ سَننَ من كانَ قبلَكم حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ حتَّى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتُموه. قالوا: اليَهودُ والنَّصارى؟ قالَ: فمَن؟!”.
لقد كان من نصيب الخوارج منذ الوهلة الاولى هو ميراث اليهود حسبما اتفق ، ذلك ان رأسهم ذو الخويصرة قد اختلف على النبى صلى الله عليه وسلم عند تقسيمه غنائم حنين واعترض عليه متبجحاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بعادل ـ هكذا وبمنتهى البساطة اعترض رأسهم الذى كان عليه اثر العبادة على النبى صلى الله عليه وسلم ، فزجره النبى صلى الله عليه وسلم منبهاً لأمته أنه عند انقطاعٍ من الزمان سيخرج من ضئضئى هذا الرجل وعلى شاكلته أقوام مثله يحسنون القول ويسيئون الفعل ، ويختلفون على علماءهم متذرعين بسوء فهمهم للوحيين الشريفين القرآن والسنة وبتأويلاتهم الفاسدة.
ان من الخفة وعدم التبصر أن يتوهم إنسان أن يترك خَلَفَ ذو الخويصرة ما كان عليه سَلَفُه ، فالأمر أهون ، ومن مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم النبى المعصوم حبيب الله وسيد الخلق الكامل المكمل ، فعلماء الأمة وان بلغوا من العلم والفضل ما شاء الله ما هم إلا جزءٌ من فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته ، فهم بعض أثره ودعاته الى الله تبارك وتعالى.
لذلك كفر الخوارج سيدنا عثمان بن عفان وحاصروه فى داره وقتلوه.
ولذلك كفر الخوارج سيدنا على بن ابى طالب وقتلوه عند خروجه من داره الى المسجد لصلاة الفجر.
ولذلك كفر الخوارج سيدنا الزبير بن العوام وقتلوه.
ثم انهم كفروا جند العراق وجند الشام وغيرهم.
وخرجوا على كثير من خلفاء المسلمين وملوكهم بعد ان اصدروا فتاوى بكفرهم ثم حاربوهم ولكن كانت النتيجة دائماً هى تقتيلهم وابادتهم وانتهاء فرقهم ، ثم لا تلبث فرقة أخرى أن تخرج.
وخرجت منهم فرقٌ كثيرة.
أولها كانت الحرورية وتسمى المُحْكِّمة او الشراة وهم أهل النهروان ، ثم الأزارقة والنجدات والصفرية والخابطية والميمونية والمردارية والثُمامية والوهابية والسلفية وغيرهم من الجماعات التكفيرية الحديثة.
لقد كان مرجع اختلاف هذه الجماعات هى طريقة فهمهم للنصوص الشرعية وبخاصة القرآن الكريم وفق أهواءهم ، واستغلال هذه النصوص وتطويعها لتخدم مطامعهم فى السيادة الدينية والدنيوية ، فدائماً ما تورد الأهواء صاحبها الهلكة ، فالاختلاف عن جماعة المسلمين لا يكون الا عن زيغٌ واتباعٌ للهوى ومعاندةٌ للحق ، ولقد حذرنا الله سبحان وتعالى ذلك الاختلاف فقال “ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ” البقرة : 176.
لم تقع فرق الخوارج فى الاختلاف فى طريقة الاستنباط وفهم الحكم الشرعى فقط ، بل وصل التفرق والتحزب فيما بينها اقصاه بأن حملت هذه الفرق السلاح وانتظمت فى تشكيلات عسكرية ثم اقتتلت هذه الفرق والاحزاب فيما بينها او فيما بينها وبين الدولة الممثلة فى الخليفة او ولاته على الامصار الاسلامية، كان ذلك فى مبدأ أمر الخوارج ويتجدد مع كل زمان يخرجون فيه ، وهو ذات الامر الذى أحدثه بنى اسرائيل من بعد زمان سيدنا موسى عليه السلام قال الله تعالى “تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ” 253 : البقرة.
جاء فى تفسير القرطبى قوله تعالى “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ” أي من بعد الرسل. وقيل: الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع. وقيل: من بعد جميع الرسل، وهو ظاهر اللفظ. وقيل: إن القتال إنما وقع من الذين جاؤوا بعدهم وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي.
واعلم اخى القارئ ان وهابية هذا العصر وفرقها من سلفية واخوان مسلمين وجماعات جهادية وغيرها من الاسماء لولا فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته الباقية فى أمة النبى صلى الله عليه وسلم من أولياء لله والصالحين ولولا ان قيض لها الأزهر ورجاله ، لكانوا قد أوصلوا أمة النبى صلى الله عليه الى الحد الذى وصلت اليه بنى اسرائيل فى الاختلاف فى تأويل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة حتى تبدلت الاحكام وخُلص منا الدجال الى غايته ، قال الله سبحانه وتعالى “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) هود.
فها هم يلفقون الآراء التى يأخذونها من كتب السنة وغيرها والتى تقضى قواعد اللغة معان لتلك النصوص فتراهم يوظفونها فى غير ما أراد بها قائلها ، وتراهم يدخلون التحريفات والحذف فى كتب التراث بعد أن استولوا على المكتبات الشرعية لفترة من الفترات.
حتى انك تراهم يخوضون فى بعضهم البعض ويتهمون بعضهم البعض بالكفر والشرك والضلال ، وتراهم يتبرأون من شيوخهم وأئمة مذاهبهم ، ثم يسلكون نفس مسلكهم ويزيدون عليهم تطرفاً وبغياً ، حتى أوصلوا الأمة الإسلامية على ما هى فيه من الذل والهوان.